مفاوضات إسلام آباد: بين صراع الإرادات وقواعد الاشتباك
اتجهت كل من الولايات المتحدة وإيران مع انتهاء جولة المفاوضات في إسلام آباد بين يومي 11 و 12 أبريل ، إلى معالجة القضايا الرئيسية بينهما عبر قنوات اتصال تقودها باكستان، ومع ذلك، لا تزال الإشكالية الرئيسية حول قضايا التفاوض قائمة سواءً البرنامج النووي والصاروخي من جهة، أو السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار ودعمها لوكلائها في المنطقة من جهة أخرى.
الكاتب ستراتيجيكس
- تاريخ النشر – ١٢/٠٥/٢٠٢٦
تعثرت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد بين يومي 11-12 أبريل 2026، إذ لم تُفضِ إلى التوصل إلى اتفاق يُنهي الحرب أو إلى وضوح مصير هُدنة وقف إطلاق النار التي تم إعلانها في 7 أبريل لمدة أسبوعين وشهدت تمديدًا ضمنيًا. مع ذلك، لم يكن التوصل إلى اتفاق بين الطرفين مُتوقعًا بهذه السرعة، حيث الخلافات بينهما عميقة، واقتصرت جولتا المفاوضات في إسلام آباد لتمهيد الطريق أمام حزمة مستقبلية من المفاوضات والجولات وتبادل الرسائل عبر باكستان. وتعتمد إمكانيات التوصل إلى اتفاق على توافق الدولتين بشكل أولي على شكل وطبيعة المفاوضات، ثم على استعدادهما لتقديم التنازلات -غير المرغوب بها-، وإدارة الطرفين للقضايا الأكثر تعقيدًا بحذر، مع مراعاة متطلبات كل طرف لسياساته الداخلية في الوقت نفسه. وبشكل عام، تُواجه المفاوضات أربعة تحديات رئيسية، معقدة ومتشابكة، وهي: العداء الأيديولوجي التاريخي وانعدام الثقة بين الولايات المتحدة وإيران؛ وطبيعة وشكل المفاوضات التي تُهيمن على مسارها المطالب الأمريكية؛ والقدرة المحدودة لإيران على تقديم تنازلات في مواقفها الجوهرية، لا سيما في ظل الانقسامات الداخلية؛ ودور إسرائيل المؤثر في مسارات العملية التفاوضية.
التنافس الجيوسياسي وانعدام الثقة المتبادلة
تتمثل معضلة مفاوضات "إسلام آباد" في الاصطدام بين مقاربة غربية تعتبر إيران مصدراً لعدم الاستقرار، وأيديولوجيا إيرانية ثورية تجعل من معاداة الولايات المتحدة ركيزة لشرعية النظام؛ كما يغلب البُعد العقدي لدى إيران على المصالح البراغماتية. ويتوسع هذا التناقض، إلى القضايا الجيوسياسية الأوسع، فبينما تعتبر الولايات المتحدة الفاعل الرئيسي في النظام الدولي القائم، فإن إيران تصطف مع "الدول التصحيحية" المناهضة للنظام الدولي القائم على المعايير الرأسمالية، خاصة مع دول المحور الشرقي مثل روسيا والصين. وهذا النمط من الاصطفاف يُسهم في تصعيد التوتر مع الولايات المتحدة، حيث يخرج الصراع من دائرة الخلافات الثنائية إلى فضاء أوسع تدخل في اعتبارات المحاور الدولية والتوازنات العالمية.
وفي هذا السياق، فإن التفاعلات الدبلوماسية غير المباشرة والمباشرة ضمن إطار إسلام آباد التفاوضي تبقى محدودة في قدرتها على إحداث اختراق في القضايا والتناقضات الأعمق، وغالبًا ما تُفسر بمنظور يسوده الشك الذي يُعززه تاريخ طويل من انعدام الثقة المتبادلة. فمن جهة، تتخوف إيران من ميل واشنطن إلى التصرف بشكل منفرد. وقد أشارت ويندي ر. شيرمان، التي قادت الفريق الأمريكي خلال مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، إلى أن الدبلوماسيين الإيرانيين كانوا متشككين في استمرارية أي اتفاق مع الولايات المتحدة، بحجة أن واشنطن يمكن أن تنسحب في أي وقت دون مراعاة التزاماتها. وقد تأكد هذا الحدث الذي يعتبر وجودياً بالنسبة لإيران لاحقًا عندما انسحبت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى من الاتفاق النووي عام 2018.
من منظور إيران، يتمثل السؤال المركزي في سبب تقديم تنازلات تمس سيادتها واستقلالها دون وجود ضمانات موثوقة بأن الولايات المتحدة ستلتزم بتعهداتها، ففي عام 2018 لم تتمكن مجموعة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا من منع الولايات المتحدة من الانسحاب.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة مُدركة تماماً لاحتمالية المناورة الإيرانية عبر الدبلوماسية، حيث تُحوّل طهران المفاوضات غالباً كأداة تكتيكية لكسب الوقت وترحيل الأزمة وقطع الطريق أمام دواعي عودة الحرب، والرهان على المتغير الداخلي الأمريكي، من حيث تقليص الولايات المتحدة زخم وجودها العسكري في المنطقة ومحيط إيران، وترقب انطلاق الحملات الانتخابية للانتخابات النصفية للكونجرس المقرر إجراؤها في نوفمبر 2026.
وبناءً على ذلك، تبدو احتمالية التوصل إلى اتفاق خلال المدى القصير منخفضة، لا سيما أن المفاوضات انطلقت تحت ضغط زمني حددته هُدنة الأسبوعين، وهي فترة زمنية ضيقة للغاية تجعل من الصعب تحقيق اتفاق شامل لوقف الحرب أو مؤقت لتمديد الهُدنة. وبالرغم من أن الولايات المتحدة وإسرائيل أطلقتا عمليتين عسكرتين ضد إيران خلال الفترة الماضية؛ في يونيو 2025 ثُم فبراير 2026، إلا أن طهران لا تزال تنظر إلى المفاوضات باعتبارها ساحة للتوصل إلى حلول وسطية، مُقابل الإصرار الأمريكي على التزام إيران بالمقترح الذي قدمته لها من 15 نقطة. حيث تُطالب الولايات المتحدة بتفكيك كامل البنية التحتية النووية الإيرانية وفرض قيود كمية ونوعية على برنامجها للصواريخ البالستية، وهي مطالب تنظر إليها طهران باعتبارها محاولة لإضعاف قدرتها على الردع وانكشافها الدائم أمام التهديدات، وترفض بذلك تقديم تنازلات حقيقية، في وقت تقتصر فيه مطالبها على تخفيف العقوبات وتوقف الحصار البحري الأمريكي على موانئ وشواطئها المطلة على بحر العرب.

هيمنة المطالب الأمريكية على المسار التفاوضي
تتمحور الاستراتيجية الأمريكية تجاه المسار التفاوضي الجاري على "المفاوضات بالقوة"، والتي تنطلق من افتراض أن إيران منهكة ما بعد الحرب ولا تمتلك أوراقًا تفاوضية قوية كالسابق، وأن نتائج الحرب الأخيرة واغتيال عدد من كبار قادة النظام، وفي مقدمتهم المرشد علي خامنئي، سيدفعان النظام للانكسار تحت الضغط والتنازل عبر الإكراه. وبناءً على ذلك، اقترحت الولايات المتحدة مسودة من 15 نقطة تشترط إنهاء البرنامج النووي وتقييد برنامجها الصاروخي ووقف دعمها لوكلائها الإقليميين، وهي المطالب التي تُشير إيران إلى أنها تجاوزت الحد المقبول به بالنسبة لها. وبالرغم من فقدان القيادة والتهديدات بضرب البنى التحتية للطاقة والكهرباء، لا تُظهر طهران بوادر للتنازل، حيث إن لذلك تداعيات جانبية لا تقل خطورة، تتعلق بفقدان النظام شرعيته وسرديته الداخلية.
إلى جانب ذلك، يبدو النهج الإيراني الحالي بعيداً عن الواقعية، خاصة تجاه تعاطيها مع المتغيرات الداخلية والخارجية وفي موازين القُوى الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تتفاوض حالياً بعد أن فقدت قوة وكلائها، ومنشآتها النووية الرئيسية، وجانب كبير من ترسانتها الصاروخية. مع ذلك لا تزال تُطالب بنموذج "التسوية السياسية" على غرار المفاوضات التي قادت إلى التوصل إلى خطة العمل المشتركة عام 2015 أثناء إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما. بالرغم من أن تلك المتغيرات تلعب دوراً رئيسياً باختلاف نهجي إدارة الرئيسين حول شكل وطبيعة المفاوضات، حيث تمحورت الأولى ضمن معادلة واحدة تتضمن تقييد البرنامج النووي مقابل تخفيف العقوبات، فيما تتجاوز المفاوضات الحالية الجانب النووي وتشمل ملفات ومطالب أكثر توسعًا وتعقيدًا، حيث تسعى واشنطن لفرض معادلة جديدة تعكس واقع الميزان العسكري والنتائج الميدانية على نتائج المفاوضات.
في الواقع، تُعتبر هذه المعادلة ونهج "المفاوضات بالقوة" ناجحين تاريخيًا، لا سيما عندما تأتي في فترات ما بعد الحرب. مع ذلك فإن اسقاط هذا النهج على الحالة الإيرانية يُواجه جُملة من التعقيدات، التي تجعل من حصد نتائج عنها أمراً مشكوكاً به، إذ تُشير الديناميكيات الداخلية الإيرانية إلى أن البلاد تتجه نحو التشدد كلما تعرضت لمخاطر أو واجهت الضغوط، وقد ظهر ذلك في أعقاب العقوبات الاقتصادية عام 2006، وبعد انسحاب واشنطن من اتفاق العمل المشترك عام 2018 وفرض إدارة ترامب الأولى "الضغوط القصوى"، وكذلك في أعقاب العملية العسكرية الإسرائيلية "الأسد الصاعد" وعملية "مطرقة منتصف الليل الأمريكية" في يونيو 2025. فرغم فرض واشنطن عقوبات اقتصادية على إيران عام 2005، بسبب برنامجها النووي، إلا أن النتائج جاءت عكسية، فقد كثفت إيران نشاطها بشكل غير مسبوق، وارتفع عدد أجهزة الطرد المركزي في منشأة نطنز من 164 جهازاً عام 2005، إلى نحو 19 ألف جهاز عام 2013.
وعند مقاربة تلك الوقائع مع الواقع الحالي، فإن جانبًا من تعثر المفاوضات يتمثل في مطالب واشنطن تسليم المخزون النووي من اليورانيوم عالي التخصيب إلى طرف ثالث، وهو ما يُعد مطلبًا غير واقعي لطهران، حيث ترفض النخبة السياسية والعسكرية والدينية تلبية ذلك، وبشكل يجعل من مناورة فريق التفاوض الإيراني محدودة للغاية أمام تقديم أي تنازلات ذات صلة. وتطرح إيران بديلًا لذلك حصر تخصيب اليورانيوم في الاستخدامات غير العسكرية بنسبة تخصيب 3.7%، والسماح برقابة هيئة الطاقة الذرية على المنشآت النووية، لكن ترفض الإدارة الأمريكية ذلك، حيث سبق أن طُبق الأمر في اتفاقية 2015 التي انسحبت منها عام 2018، ووجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقدًا لسلفه حينذاك باراك أوباما لقبوله به.
من جهة أخرى، يبدو أن الولايات المتحدة تتجه إلى إدارة المفاوضات بصيغة صفرية عبر فرض الشروط وإصدار الأوامر وترقب تراجع إيران وتنازلها، إذ لا تُظهر اهتماماً بالوصول إلى حلول وسط، بقدر تركيزها على تحقيق مطالبها. وفي هذا الإطار، تواصل واشنطن رفض المقترحات الإيرانية، بما في ذلك تلك التي تضمنت تنازلات إيرانية تتجاوز ما نصّت عليه صيغة اتفاق عام 2015، ولا سيما فيما يتعلق بالملف النووي. وقد تجلّى ذلك أخيراً في رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، للرد الإيراني على المقترح الأمريكي المقدم في 10 مايو. ووفقاً لما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال، فقد اقترحت طهران خفض مستوى تخصيب بعض الكميات، ونقل ما تبقى إلى دولة ثالثة، إلى جانب تعليق تخصيب اليورانيوم لمدة تقل عن عشرين عاماً.
مع ذلك، فإن "المفاوضات بالقوة" ليست ذات اتجاه واحد يُعنى بالقوة فحسب، بل لها اتجاه آخر ذو صلة بالفرص والمزايا المقدمة لإيران عن تنازلاتها، فمن بين البنود الخمسة عشر الأمريكية تعرض واشنطن على طهران رفع العقوبات المفروضة عليها وإدماجها في الاقتصاد الدولي، وهي مسائل ذات أهمية بالنسبة لإيران لانعكاسها على الأزمة الاقتصادية المتفاقمة وعلى حالة التململ الشعبي ما قبل الحرب. وحيث تسير واشنطن نحو القوة لكسر التعنت الإيراني، فإنها كذلك تقدم بوادر حسن نية عندما تقرأ أو تُقدر احتمالية أن توافق طهران على المطالب الأمريكية، وأحدث مثال على ذلك: إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن التوقف مؤقتًا في عملية "مشروع الحرية" التي تهدف إلى مرافقة السفن التجارية وإخراجها من مضيق هرمز، كإشارة على ما يبدو لدفع إيران إلى الرد بمقترح يتناسب مع مطالب واشنطن -وهو ما لم يحدث-.

تحولات موازين القوى الداخلية في إيران
أدت الحرب إلى تحولات في ديناميكيات القوة والنفوذ واتخاذ القرارات، خاصة الاستراتيجية داخل إيران، إلى جانب التغيرات في طبيعة العلاقة ما بين النظام والمجتمع ونخبة من القادة والساسة الإصلاحيين. فقبل الحرب، كان النظام الإيراني يُواجه موجات احتجاجية مستمرة منذ عام 2009 وحتى مطلع العام 2026، حيث إن الضغوط الاقتصادية والمقاربة الأمنية للنظام وقمع الأصوات الناقدة له وتداعيات الحروب بالوكالة عوامل أسهمت في تراجع شعبيته، واتجاهه التدريجي نحو الانهيار.
فقد تراجعت المفاهيم الثورية التي سادت منذ ثمانينات القرن الماضي، والحملات الإصلاحية المعتدلة في التسعينات، لصالح أجيال جديدة تُظهر ميلاً أكثر نحو الحداثة واقتصاد السوق والانفتاح على العالم، وقد دفعت هذه الأفكار والمبادئ طلبة الجامعات إلى التظاهر في طهران عام 2009 ضمن ما عُرف حينها بـ"الحركة الخضراء"، والتي ظلت تتجدد بأطر ومطالب ودوافع مختلفة، معظمها اقتصادية، وبمشاركة فئات وشرائح اجتماعية أوسع في كل مرة، وصولًا إلى الاحتجاجات الأخيرة مطلع هذا العام، والتي شكلت حدثًا غير مسبوق من حيث الامتداد والوتيرة والحدة.
وقد مثلت، بالنسبة للخبراء، تهديدًا حقيقيًا للنظام الإيراني، قبل أن تدخل الولايات المتحدة وإسرائيل على خط الاحتجاج، ما ساهم في عزلها وعزز المخاوف تجاه عمليات الاختراق الأمني، وصولًا إلى اندلاع الحرب يتصور الحرس الثوري والنظام الإيراني أنها أعادت للشارع الإيراني الزخم القومي والمشاعر المعادية للدولتين. وفي هذا السياق، يعتبر النظام الإيراني أنه بالرغم من الخسائر التي تعرض لها خلال الحرب، فقد اكتسب قيمة مضافة تتمثل في الدعم الشعبي له، والذي تقاطع مع سردية عززها النظام منذ نشوئه تتعلق بالعداء للولايات المتحدة وإسرائيل، وقد دخل المفاوضات ويُديرها وفق نهج يقود إلى الاستفادة من ذلك الدعم وترسيخه، حيث رأى الحرس الثوري إلى جانب رجال الدين في ذلك فرصة لتوحيد الجماهير، وقد كان من نتائجها اختيار مجتبى خامنئي مرشدًا ثالثًا للبلاد، بالرغم من محدودية سيرته الدينية، إلا أن اختياره جاء لإبراز والحفاظ على الطابع الثوري للنظام. وذلك ما قد يدفع النظام إلى التمسك أكثر بخطابه وسرديته.
وفي ظل هذه الديناميكيات المعقدة، لم يكن بإمكان فريق التفاوض بقيادة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي تقديم أي تنازلات قد تجعلهم عرضة للانتقاد أو الضعف في نظر كل من القيادة الدينية والرأي العام، خاصة في ظل ميل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تصوير أي تنازل إيراني باعتباره استسلامًا بدلاً من منح النظام مساحة لحفظ ماء الوجه. وقد واجه بالفعل فريق المفاوضات والمستوى السياسي في إيران انتقادات في حالات عدة؛ على سبيل المثال، دعا سعيد جليلي، وهو مفاوض نووي سابق ومسؤول أمني إيراني بارز، إلى توضيح من المرشد مجتبى خامنئي بشأن ما إذا كان فريق التفاوض يتصرف بتوجيه منه، مما أثار تساؤلات حول مصداقية المفاوضين. كما يبرز تساؤل آخر لدى نُخبة من الإيرانيين؛ حول سبب منح واشنطن وتل أبيب كُل من قاليباف وعراقجي حصانة مُؤقتة من الاستهداف، الأمر الذي أدى إلى اتهامات بأنهم قد يكونان جزءًا من مؤامرة أوسع ضد النظام، وتشمل الرئيس مسعود بزشكيان الذي سبق أن اعتذر عن الهجمات على الشركاء العرب، بينما سارع الحرس الثوري إلى التأكيد على أنه "يمتلك الحق في مهاجمة الدول العربية".

وبطبيعة الحال، فإن تلك الأمثلة تقودنا نحو مسألة أخرى لا تقل تعقيدًا، تتعلق بتحولات أوسع داخل النظام الإيراني، من الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين، إلى الصراع بين المؤسسات وخاصة بين الحرس الثوري الأقرب إلى خط المرشد السابق علي خامنئي، وبين مؤسسة الرئاسة والبرلمان الأقرب إلى التحذير من تداعيات الحرب وكلف الحصار على النظام والدولة. وقد تكرر التناقض والصراع في حادثة منشور وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي أعلن فيه عن فتح مضيق هرمز ما أثار رد فعل من الحرس الثوري، الذي اعتبر أنها قضية تخصه وليست من اختصاص وزارة الخارجية.
وبذلك، يضل التوصل إلى اتفاق محكوماً بحسم "صراع القُوى" داخل بُنية النظام الإيراني، لا سيما بين نُخب سياسية ذات ميول إصلاحية وتمتلك خبرة في إدارة المفاوضات، وتتبع مرجعيتها إلى قادة إصلاحيين مثل الرئيس السابق حسن روحاني وجواد ظريف، والذين تُشير التقارير أنهما تحت الإقامة الجبرية، وبين جيل جديد من قادة الحرس الثوري الذين يحاولون الهيمنة على المشهد والقرار، وهم من الأكثر تشدداً والأقل معرفة وإلماماً بآليات الدبلوماسية الدولية أو تعقيدات إدارة الدولة ومقدراتها الاقتصادية. ويبدو أنه من الصعب إعادة ضبط ميزان القوى داخلياً خاصة في ظل ضبابية المُرشد الثالث، مُقابل احتمالية أن يؤدي تجدد الحرب أو مفاقمة الضغوط على إيران إلى صعود قيادة إيرانية جديدة تدرك حجم المتغيرات السياسية.
دور إسرائيل المؤثر في مسارات العملية التفاوضية
يرتبط المسار التفاوضي ويتأثر بالتنسيق الإسرائيلي-الأمريكي حول نتائجه، حيث تتخوف إسرائيل من أي اتفاق لا يُنهي الملف النووي الإيراني على غرار اتفاق 2015 الذي عارضته بشكل واضح وصريح. وتخشى من أن رفع العقوبات وتحرير الأصول المالية الإيرانية المُجمّدة قد يدفع طهران لترميم وكلائها وفي مقدمتهم حزب الله اللبناني. وبذلك، فإن إسرائيل تتابع المفاوضات خطوة بخطوة وتُحدد المسارات التي قد تُعتبر ضارة بمصالحها الاستراتيجية.
وبعد هجمات أكتوبر، التي تُشير إسرائيل إلى الدور الإيراني الرئيسي والفاعل فيها، واشتباك الدولتين بشكل مباشر في أبريل وأكتوبر 2024، ثم في حرب الـ12 يومًا في يونيو 2025، وأخيرًا في حرب الـ40 يومًا في فبراير 2026، فقد باتت تُركز على شمول البرنامج الصاروخي الإيراني ضمن المفاوضات باعتباره ملفًا رئيسيًا مكافئًا للبرنامج النووي، لا سيما أنه أظهر قدرة معقولة لإيران على الوصول وضرب إسرائيل بعدما اعتمدت على وكلائها في ذلك طوال العقود السابقة.
وإلى جانب التنسيق الوثيق بين إسرائيل والولايات المتحدة باعتبارهما طرفين مباشرين في الحرب، فإن هناك نخبة أمريكية تشترك مع إسرائيل في تصوراتها حول المخاطر المرتبطة بإيران، لا سيما داخل الإدارة الأمريكية وفي الكونغرس، ومن بينهم السيناتور ليندسي غراهام الذي طالب مرارًا وتكرارًا بإسقاط النظام، وخلال الحرب طالب بإدراج ذلك كهدف استراتيجي لواشنطن. علاوة على ذلك، دخلت إسرائيل على خط المفاوضات بشكل مباشر، عقب إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن شمول لبنان في الهدنة الأمريكية-الإيرانية، ومعارضة إسرائيل لذلك باعتبار أن الساحة اللبنانية ومجرياتها منفصلة عن الساحة الإيرانية، وبالرغم من أن وقف إطلاق النار في لبنان الذي دخل حيز التنفيذ في 16 أبريل 2026، إلا أنه ظل هشًا وربما صوريًا مع استمرار العمليات العسكرية بين إسرائيل وحزب الله.
في الواقع، لا تقتصر أدوات إسرائيل على التأثير في سير المفاوضات عبر الأطر التنسيقية وممارسة الضغوط على واشنطن فحسب، بل سبق أن لعبت دورًا مباشرًا في عرقلة المفاوضات، فقد شنت إسرائيل عملية "الأسد الصاعد" قبل يومين من الجولة الثانية من "المحادثات شبه المباشرة" التي رعتها سلطنة عُمان، والتي كانت مقررة في 15 يونيو 2025، وهي العملية العسكرية التي تدخلت فيها الولايات المتحدة باستهداف منشآت إيران النووية الرئيسية في نطنز وأصفهان وفوردو في 22 يونيو.
وأخيرًا، مع انتهاء جولة المفاوضات في إسلام آباد، اتجهت كل من الولايات المتحدة وإيران إلى معالجة القضايا الرئيسية بينهما عبر قنوات اتصال تقودها باكستان، مع ذلك، لا تزال الإشكالية الرئيسية حول قضايا التفاوض قائمة سواء البرنامج النووي والصاروخي من جهة، أو السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار ودعمها وكلائها من جهة أخرى. وبشكل عام، تقف المفاوضات اليوم أمام عدد من السيناريوهات المستقبلية:
1- تعثر المفاوضات وتجدد الحرب وفق مبدأ "المفاوضات بالقوة": حيث تهدف واشنطن من خلال استئناف العمليات العسكرية إلى إجبار إيران على تقديم تنازلات أوسع في جولات المفاوضات المستقبلية. وفي حالة تحقق هذا السيناريو؛ فمن المحتمل أن تتخذ العمليات العسكرية الأنماط التالية:
- توسيع دائرة الاستهداف لتشمل البنية التحتية الحيوية في إيران، مثل مصادر الطاقة ومحطات توليد الكهرباء.
- العمليات الجراحية الموضعية، مثل السيطرة الكاملة على مضيق هرمز، لانتزاع الورقة التفاوضية الأخيرة والوحيدة التي تملكها إيران حالياً للضغط على الاقتصاد العالمي والولايات المتحدة
- استئنافها ضمن وتيرة العمليات السابقة باستمرار العمليات العسكرية كأداة ضغط مستمرة، مع تقليص قدرات إيران العسكرية واستهداف قادتها العسكريين.
ويتعزز هذا السيناريو بالنظر إلى الجدول الزمني لواشنطن، حيث تمنح المفاوضات فرصتها الأخيرة حتى يختتم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زيارته المرتقبة إلى الصين خلال الفترة 13-15 مايو 2026، ويُعتبر هذا التاريخ الفاصل الزمني الذي يعقبه ترجيح العودة إلى الخيار العسكري في حال عدم حدوث اختراق في سير المفاوضات.
2- ظهور دول وسيطة جديدة بدلاً من باكستان: يُركز هذا السيناريو على تراجع الثقة الأمريكية في الدور الباكستاني، وظهور مؤشرات تُشير إلى حسابات معقدة تُدير ضمنها إسلام أباد المفاوضات، مما يفتح الباب أمام ظهور وسطاء دوليين جُدد لإدارة المفاوضات. فمن جهة تُواجه باكستان قيوداً داخلية، في ظل وجود فاعلين محليين لديهم تقاطعات مع إيران سواء من المكون الشيعي المتعاطف مع إيران أو من الجماعات المسلحة المُعارضة لها والمنتشرة داخل الحدود الباكستانية، مما يجعل صدور أي موقف رسمي باكستاني عُرضة للاستقطاب الداخلي.
ومن جهة أخرى تُشير التقارير المُتواترة عن تصاعد الشكوك الأمريكية لا سيما داخل التيارات القريبة من نهج الإدارة الأمريكية حول دور باكستان كوسيط مُنحاز لإيران حيث نشرت "فوكس نيوز" تقريراً حول علاقات تجمع بين قادة عسكريين باكستانيين بارزين بالحرس الثوري، فيما أشارت "سي بي سي نيوز" نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، عن قيام باكستان بحماية أصول عسكرية إيرانية من بينها طائرات داخل أراضيها؛ ورغم النفي الرسمي من إسلام أباد، إلا أنها قد تفسر كمؤشرات على تراجع الثقة الأمريكية بالمسار التفاوضي الذي تقوده باكستان.
3- نجاح المفاوضات في وقف الحرب: يفترض هذا السيناريو أن إمكانيات نجاح المسار التفاوضي تعتبر ضرورة استراتيجية للطرفين، فمن جهة تُدرك واشنطن أن استمرار التصعيد والضغط قد يؤدي لنتائج عكسية، فإما أن تقود الضغوط غير المسبوقة على النظام الإيراني والتضرر الواسع في البنية التحتية، إلى دخول البلاد في حالة من الفراغ السياسي والفوضى، أو ذهاب النظام نحو التشدد الراديكالي ورُبما إلى خيارات انتحارية باعتبارها حرباً وجودية. ومن جهة أخرى، قد ترى الولايات المتحدة أن الوقت بات مناسباً لاستبدال التهديدات العسكرية بالحوافز الاقتصادية والتي قد تعزز من الخطاب الواقعي داخل النظام على حساب الخطاب المتشدد للحرس الثوري.
4-تكثيف الضغوط البديلة والاستنزاف طويل الأمد: تُشير جميع التحليلات الاستخباراتية والمعلوماتية التي أُجريت خلال الأسبوعين الماضيين إلى أن مسار الضغوط الاقتصادية والاستنزاف دقيق ومستقر بشكل عام. إذ يؤمن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقدرة الضغط الاقتصادي على دفع إيران لاتخاذ قرار بشأن الاتفاق، وحتى في حال عدم التوصل إليه، فإن الحصار يُسهم في إضعاف النظام في إيران، إلى درجة قد تؤدي إلى الإطاحة به. ويتماشى هذا المسار أيضاً مع استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة التي تُفضل تجنب الحرب من جهة، ومع تصريحات ترامب التي يُشير فيها إلى محاولاته تجنب العودة إلى الحرب قدر الإمكان من جهة أخرى. وفي حين استخدم الإيرانيون القوة بشكل محدود قبل أيام للإشارة إلى أنهم ليسوا تحت الضغط، إلا أنه من الواضح أن وضعهم الداخلي بات صعباً نتيجة الحصار. ويتقاطع ذلك مع محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحقيق مكاسب سياسية استعداداً للانتخابات المقبلة، كما تسعى إسرائيل جاهدة لعقد قمة في واشنطن مع لبنان وسوريا، وربما مع دول خليجية، في إطار طرح مفهوم لتعاون إقليمي تنموي واقتصادي.

ستراتيجيكس
فريق تحليل السياسات