واشنطن وطهران: مفاوضات تحت مطرقة الحشود العسكرية
تعكس محادثات عُمان التي جرت مؤخراً تحولًا لافتًا في السلوك التفاوضي الإيراني، مع القبول بتوسيع دائرة المفاوضات لتشمل ملفات غير نووية كانت تُعد سابقًا خطوطًا حمراء. ويأتي هذا التحول جراء تصاعد التهديد العسكري الأمريكي، وتراجع النفوذ الإقليمي الإيراني، وتفاقم الضغوط الداخلية على النظام. وبينما يُرجَّح استعداد طهران لتنازلات في الملف النووي والانخراط الإقليمي، يبقى برنامجها الصاروخي العقبة الأكثر تعقيدًا باعتباره ركيزة الردع الأخيرة للنظام.
الكاتب ستراتيجيكس
- تاريخ النشر – ١٢/٠٢/٢٠٢٦
عُقدت الجولة الأولى من المحادثات "شبه المُباشرة" بين الولايات المتحدة وإيران في سلطنة عُمان بتاريخ 6 فبراير 2026. وذلك بعد مُوافقة الطرفين على تنازلات لتسيير العودة إلى طاولة المفاوضات، فقد وافقت واشنطن على مقترح إيران بتغيير مكان التفاوض من تركيا إلى عُمان، في المُقابل تُشير التقارير بأن إيران تنازلت فيما يتعلق بموضوعات المفاوضات. وقد اتسمت مواقف الطرفين مع انتهاء الجولة الأولى بالإيجابية، حيث أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنها "محادثات جيدة جداً"، ومن جهة إيران وصفها وزير الخارجية عباس عراقجي بأنها "بداية جيدة". مع ذلك تُعتبر هذه الجولة؛ أولى الخطوات في مسار مُعقد ومُتشابك، واجه عبر تاريخه العديد من العقبات والتحديات، والتي يُضاف إليها جُملة المتغيرات والتحولات مُتعددة المستويات: الإقليمية والداخلية الإيرانية، وتلك المرتبطة بالنهج المُتبع لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
الجولة الأولى: بين خيار الحرب أو الاتفاق
تُعتبر هذه الجولة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران هي الثانية من نوعها، بعد أن تعثرت الدولتين في استكمال الإطار التفاوضي الأول من المحادثات "شبه المُباشرة" التي استضافتها سلطنة عُمان في 12 أبريل 2025، والتي انتهت قبل يومين من انعقاد جولتها الثانية، عندما نفذت الولايات المتحدة عملية "مطرقة منتصف الليل" في 22 يونيو 2025، والتي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية الرئيسة في نطنز وأصفهان وفوردو.
وتدخل الولايات المتحدة هذا الإطار التفاوضي الثاني، مستندة إلى نتائج ضرباتها ضد المنشآت النووية، وفي ضوء موجة التظاهرات الجديدة التي تشهدها إيران، حيث عملت على توسيع نطاق قضايا التفاوض مُقارنة بما كانت عليه في الإطار التفاوضي الأول، فقد انتقلت وفق التأكيدات الأمريكية لتناول حُزمة أوسع من الملفات المتداخلة، من بينها برنامج إيران الصاروخي والباليستي، ودعمها لوكلائها في المنطقة، وهي الملفات التي تتمسك طهران بنفي تفاوضها عليها.
على مدى سنوات، رفضت إيران إدراج ملفات خارج البرنامج النووي في مُفاوضاتها مع الولايات المتحدة، إلا أن المؤشرات الراهنة، تُظهر مُرونة أوسع لدى طهران حول توسيع أجندة المفاوضات، ويُمكن افتراض أن هذه المرونة، ترتبط بالتهديد العسكري الذي يُلوح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كل مناسبة تقريباً بإمكانية مهاجمة إيران، خاصة وأنه مدعوم بحشد عسكري كاف للقيام بمهام هجومية ودفاعية على حد سواء.
وقد أظهرت سلسلة التطورات الأخيرة، جدية التهديد الأمريكي، سواء في عملية "مطرقة منتصف الليل" أو في عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 يناير 2026، بعد أن نفذت عملية عسكرية معقدة وواسعة النطاق في العاصمة كاراكاس، والتي سبقها تحشيد عسكري قبالة سواحل فنزويلا هو الأكبر منذ حرب بنما عام 1989. بالنسبة إلى واشنطن؛ تدعم حشودها العسكرية في الشرق الأوسط، الإطار التفاوضي الجاري، وكما يقول كسينجر، فإن الدبلوماسية تكون أكثر فاعلية عندما تكون مدعومة بالقوة. أما بالنسبة إلى إيران؛ فإن التهديد العسكري الأمريكي يُمثل خياراً جدياً، وعليه تُرسل إشارات بأنها تقرأ الرسالة جيداً. وأكثر ما تخشاه إيران، لم يعد يتعلق بتوجيه ضربات عسكرية ضد برنامجها النووي -إذ نفذت بالفعل- بقدر ما تترقب الطرق والوسائل غير تقليدية، التي قد تؤدي إلى تغيير النظام أو نهجه أو تهدف إلى تقويضه ليصبح استبداله مسألة وقت.
وللمرة الأولى منذ عقود، أصبح الخطاب الأمريكي لتغيير النظام أكثر انتظاماً واتساقاً مع المتغيرات الراهنة. ففي السابق كان ذلك الخطاب يُقابل بمعارضة واسعة لدى الرأي العام وقادة الرأي الأمريكيين، لا سيما من قبل الرئيس الأمريكي ترامب وتياره السياسي المعروف باسم "ماغا"، والرافض للتدخلات العسكرية في الخارج، إذ غالباً ما تُربط التدخلات العسكرية بنماذج الحروب الأمريكية -طويلة الأمد- في العراق وأفغانستان.
إلا أن مُتغيرين رئيسين أدرجا في المعادلة؛ الأول يتعلق بتحول أنماط العمليات العسكرية الأمريكية، والتي باتت تعتمد على السرعة الخاطفة وتحقيق الحسم، وتتسم بدرجات عالية من التعقيد العملياتي والتكنولوجي وبمزيج من الجهد الدبلوماسي والاستخباراتي. ومن هذا المنظور؛ لا يمتلك أحد أي تصور عما قد تكون عليه شكل وطبيعة التحرك العسكري الأمريكي ضد النظام الإيراني، والتي تتبلور يوماً بعد يوم، بناءً على المسارات الدبلوماسية القادمة من جولات عُمان، والتقييميات الاستخباراتية والجاهزية العسكرية. أما الثاني فهو أن الاحتجاجات الواسعة داخل إيران، وتحولات المشهد الداخلي الإيراني ما بعد الحرب، إلى جانب أن التحليلات الديناميكية لمسارات العمليات العسكرية ضد إيران والتي بدأت بالعملية الإسرائيلية "الأسد الصاعد" في 13 يونيو 2025 والتي استهدفت قدرات إيران العسكرية، وتوسعت إلى العملية الأمريكية "مطرقة منتصف الليل" والتي استهدف قدراتها النووي، تُشير أن الساحة الإيرانية جاهزة عملياتياً لعملية أوسع تهدف إلى تغيير النظام أو إحداث فراغ استراتيجي واسع على المستويات القيادية وفي المجالات الأمنية والسياسية والعسكرية.

خيارات الخُطوة القادمة
ترتبط خيارات الخُطوة القادمة، بشكل رئيس بتطورات الإطار التفاوضي الثاني، حيث تُطالب واشنطن طهران بناءً على فائض القُوة والتجربة السابقة، بتقديم تنازلات جوهرية في أجندة التفاوض الثلاث.
بدايةً من الدعم الإيراني المقدم إلى وُكلائها، وهي مسألة أمريكية ذات أهمية مُرتفعة، تتصل بحلحلة ملفات إقليمية أخرى، من بينها نزع ما تبقى من سلاح حزب الله اللبناني في واقع ما بعد الحرب. ومن المُحتمل أن تُقدم إيران تنازلات نسبية في هذا الملف، إذ يمر العديد من وكلائها بحالة ضعف غير مسبوقة، فيما تُفرض ضغوط مكثفة على أخرى، ومع فقدان إيران الساحة السورية التي اعتبرت استراتيجية ولوجستية في مشروعها الإقليمي، فإن التآكل التدريجي في قُوة ونفوذ وكلائها مُستمر ودائم واستمراره سيشكل عبئ سياسي واقتصادي على إيران. ومن المنطقي أن تبحث إيران عن اتفاق يرقى إلى المستوى الاستراتيجي، بحيث لا تمنح المساحة للوكلاء على الإضرار به أو بمكتسباته.
من جهة أخرى؛ ذهبت إيران إلى المفاوضات، وسط إدراك أن متطلباتها النووية لم تعد تتناسب مع متطلباتها في اتفاق النووي عام 2015. وأن الخيارات الأمريكية واضحة في تجاوزها أنماط الاتفاق المرحلي أو التفاهم المؤقت، والمضي بتفكيك كامل القدرات النووية، على الأقل داخل الأراضي الإيرانية، من احتمالية الإبقاء على قدرة محدودة لأغراض سلمية ضمن نسبة 3.76%، تحت مراقبة دولية موسّعة ورُبما خارج حدودها، بما يضمن عدم قدرة إيران على العودة ببرنامجها النووي عند عتبة الاستخدامات العسكرية، في المقابل، من المُرجح أن تحصل إيران على اعتراف دولي، وأمريكي على وجه الخصوص، بحقها في الاستفادة من الطاقة النووية للأغراض السلمية.
يستند ترجيح إبداء إيران قدراً من المرونة في كلا الملفين السابقين، من واقع أن مساريهما قد تأثرا بصورة حاسمة بتطورات الحرب ونتائجها. إلا أن المنطلق ذاته، يجعل من البرنامج الصاروخي والباليستي، التحدي الرئيسي للإطار التفاوضي، فقد شكلت الركيزة الهجومية الأساسية لإيران خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل وسلاحها الرئيسي لتحقيق الردع والتوازن خاصة في ظل التفوق الجوي الإسرائيلي والأمريكي، ومن هُنا تنخفض احتمالية تقديم إيران تنازلات في هذا الملف.
فمن جهة؛ تُصر إسرائيل وتضغط على الولايات المتحدة بحسم البرنامج الصاروخي البالستي الإيراني في المفاوضات، وتُلوح بالتحرك بشكل مُنفرد لتقويضه، فقد اختبرت خلال الحرب حجم وخطورة التهديدات الصاروخية، وتعتبرها بمثابة "تهديد وجودي". في المُقابل تؤكد طهران أن برنامجها الباليستي مُخصص للأغراض الدفاعية، وهو غير قابل للتفاوض، لا سيما أن إيران عملت بشكل حثيث للتعافي من الأضرار التي لحقت به خلال الحرب، بل وتواصل تطويره.

لماذا البحث عن اتفاق؟
تُشير اللحظة الراهنة أن الشرق الأوسط أمام مسارات مفصلية، مُرتبطة بتطورات الأحداث في إيران، ففي الوقت الذي اتبعت فيه الأخيرة سياسة خارجية توسعية، شكلت على مدار عقود تهديداً لجيرانها ولمختلف دول المنطقة وللولايات المتحدة، إلا أن حالة الاضطراب التي تُواجهها البلاد، والضغوط المتفاقمة جراء تشديد العقوبات الأمريكية عليها، واتساع نطاق الحركات الاحتجاجية، يضع المنطقة في مُواجهة سيناريو انهيار النظام ودخول البلاد في دوامة من الفراغ السياسي والأمني، وهو السيناريو الذي تسعى المنطقة والولايات المتحدة لتفاديه.
في الواقع؛ تمثل المفاوضات الجارية، خياراً رئيسياً للحفاظ على الاستقرار الإقليمي، ويعني نجاحها بقاء النظام الإيراني دون قُدرات فعالة لممارسة أنشطة غير دبلوماسية خارج حدودها. لا سيما فيما يتعلق ببرنامجها الصاروخي ودعمها لوكلائها، وهُما التهديدين الرئيسيين الذين شكلا على مدى عقود تهديداً لإسرائيل وللمصالح الأمريكية.
لكن تعثر المفاوضات، يضع الولايات المتحدة وسط تحدٍ رئيسي، يتمثل في قُدرتها على ترجمة تهديداتها بشن عملية عسكرية ضد النظام الإيراني، خاصة مع اتفاق المراقبين والخُبراء على أن أي عملية عسكرية محدودة قد لا تؤدي أهدافها في إضعاف النظام أو تقويضه، فيما إطلاق عملية عسكرية واسعة ضد قُدرات النظام وقادته قد تقود البلاد نحو الفوضى، لا سيما في ظل عدم وجود بدائل جاهزة للنظام القائم في إيران.
وبذلك؛ فإن مُراقبة الخُطوة التالية، تتطلب تقييم مآلات الإطار التفاوضي الجاري والذي تسعى واشنطن إلى إنجازه سريعاً، على نحو لا يُتيح لإيران المناورة الزمنية لتخفيف الضغوط الواقعة عليها. كما يرتبط بثلاث مؤشرات رئيسية:
الأول: مدى تماسك النُخبة والقيادة داخل النظام السياسي، سواء في مواقفهم من القضايا المحلية والخارجية.
والثاني: في حجم واتساع الحركة الاحتجاجية ومدى اتساق أهدافها ومتطلباتها مع تصورات اليوم التالي للنظام.
أما الثالث: طبيعة التحرك العسكري الأمريكي، والذي يُعتقد أن يتناسب بدرجة وثيقة مع المؤشرين السابقين، ويُرجح ألا يكون تقليدياً، سواء من حيث أدواته أو نطاقه، بحيث يستهدف عدداً من الأهداف النوعية والمحددة، والموجهة لدعم مسارات بديلة يجري العمل على إعدادها بالفعل.
وأخيراً؛ يبقى خيار خنق إيران التدريجي قائماً، حيث يمر النظام بأخطر مراحله منذ الثورة عام 1979، على الصعيدين الداخلي والخارجي، ومن شأن استمرار الضغوط الراهنة وتطورها أن يقود في نهاية المطاف لأفول النظام، بشكل مُشابهة لنهاية الإمبراطورية الرومانية التي ظلت تحتضر لسنوات طويلة.

ستراتيجيكس
فريق تحليل السياسات