ما بعد اغتيال خامنئي: سيناريوهات المرشد الثالث

يمثل اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي لحظة مفصلية في تاريخ إيران تفتح صفحة انتقال سياسي معقد في ظل الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران والضغوط الداخلية وتصاعد التنافس بين الإصلاحيين والمتشددين، مع احتكام خلافة المرشد للأطر الدستورية أو لمجلس القيادة المؤقت. وتبرز ثلاثة سيناريوهات تتمثل باستمرار هيكل السلطة مع مرشد جديد محافظ؛ أو إعادة توزيع الصلاحيات بما يقلص نفوذ المرشد لصالح المؤسسات المنتخبة؛ أو تغيير بنيوي أوسع قد يمس مبدأ ولاية الفقيه وطبيعة النظام، تبعًا لمآلات الحرب والتوازنات الداخلية.

الكاتب ستراتيجيكس
  • تاريخ النشر – ٠٤‏/٠٣‏/٢٠٢٦

نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية واستخباراتية اغتالت خلالها المرشد الإيراني علي خامنئي في 28 فبراير 2026، بعد استهداف مقر "خاتم الأنبياء" الذي يضم مكتبه والهيئات التابعة له. ويُعد اغتيال المرشد حدثًا مفصليًا في مسيرة النظام الإيراني، أزاح عن المشهد شخصية مركزية حكمت إيران لمدة تزيد عن ثلاثة عقود، لكنه قد لا يشير بالضرورة إلى تحول قريب أو تغيير لطبيعة النظام، بقدر ما سيطلق عملية معقدة وربما طويلة لاختيار خليفة له. وبافتراض أن الحرب تعمقت بأهدافها وعملياتها، فإن ذلك يثير مجموعة من التساؤلات حول مستقبل هيكل السلطات في إيران، والنواظم القانونية والدستورية، لا سيما مع احتمالية عودة الجدل حول ولاية الفقيه وتجدد الفرصة للأطروحات المضادة لها بالظهور ليس فقط خارج إيران وإنما داخلها كذلك.

ديناميكيات السياق السياسي الداخلي

يمثل اغتيال المرشد علي خامنئي، تطوراً دراماتيكياً في المشهد الإيراني، لكنه في الوقت نفسه، يُعيد إلى الواجهة سؤال: من سيخلف المُرشد؟ وهو السؤال الذي تزايد طرحه في السنوات الأخيرة في ظل تراجع صحة المرشد علي خامنئي وتقدمه في العمر.

في الواقع، حرص خامنئي، الذي قُتل عن عمر ناهز 86 عامًا، على إعطاء الأولوية لمسألة ترتيب المشهد من بعده. ورغم أنه لم يوصِ أو يُنسب اسم محدد لخلافته، فإنه عمل منذ أعوام على تهيئة السياقين السياسي والأمني في البلاد بما ينسجم مع لحظة اختيار المرشد الجديد، وبشكل يضمن انتقالًا مرنًا للسلطة وولاءً توافقيًا للمرشد الجديد. ففي عام 2021 انتصر أحد أبرز حلفاء المرشد والمرشحين لخلافته، إبراهيم رئيسي، في الانتخابات الرئاسية، وهو فوز أعقبته سلسلة من الانتصارات للتيارات المحافظة والمتشددة. ففي مارس 2024 بسطت التيارات المتشددة سيطرتها على مجلسي الشورى ومجلس خبراء القيادة، المسؤول عن انتخاب المرشد الثالث.

لكن ذلك المشهد تصدع مع وفاة رئيسي في حادث تحطم طائرة مروحية في 20 مايو 2024، وتولي الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان المنصب في 6 يوليو، بعد فوزه في الانتخابات، ثم بفعل تطورات الحرب في قطاع غزة، والتي طالت الأراضي الإيرانية في جولة القتال الأولى مع إسرائيل طوال 12 يوماً في يونيو 2025، وما ترتب عنها من تداعيات عميقة أضرت بشدة في القدرات العسكرية والعقيدة الدفاعية وبالخطاب الديني والثوري الذي يُمثله النظام ويقوده المُرشد.

واليوم؛ تقف إيران أمام اختبارها الثاني لاختيار مُرشدها الثالث، في مسار لا يبدو أنه مماثلاً لعملية اختيار خامنئي، الذي تولى النصب خلفاً للخميني عام 1989، بعد يوم واحد فقط من وفاته. حيث السياق الأمني والسياسي الراهن يجعل هذا المسار غير واضح المعالم، ومن المحتمل أن تكون عملية إيجاد الخليفة معقدة للغاية.

من سيخلف المرشد؟

عقب وفاة إبراهيم رئيسي، سعى علي خامنئي إلى طمأنة الإيرانيين، بأنه "لا ينغي لهم الخوف من أي اضطرابات في إدارة الدولة"، وبالفعل؛ سارت البلاد وفق النصوص الدستورية الناظمة لشغور منصب رئيس الجمهورية في الظروف غير الاعتيادية، حيث استطاعت البلاد إجراء الانتخابات الرئاسية خلال خمسين يوماً، بما عكس قُدرة النظام على إعادة تنظيم صفوفه وإدارة انتقال السلطة ضمن الأطر الدستورية.

وفي حالة وفاة المرشد، يُنظم الدستور كذلك آليات خلافته، سواء في الحالات العادية أو الاستثنائية، إلا أن المُقارنة بين الحالتين محدودة للغاية، حيث أن رئيسي الذي حكم إيران لسنتين، لا يمتلك مكانة علي خامنئي الذي يحكم البلاد منذ 35 عاماً. كما أن الأهمية التنفيذية لمنصب الرئيس لا تُقارن بحجم الصلاحيات والسلطات الواسعة التي يتمتع بها المُرشد، وإذا كانت البلاد قد اختبرت عمليات التداول على منصب الرئيس عشرات المرات، فهي تخوض المرحلة الحالية دون تجربة مماثلة في تاريخها المعاصر على مستوى منصب المرشد، وفي ظل ظروف عالية الحساسية، حيث إن البلاد وسط حرب قد تؤثر في توازنات القوى المحلية وفي سياقات البلاد السياسية والأمنية والاجتماعية.

من الناحية الدستورية، يُعيَّن المرشد من خلال مداولات داخلية وقرار بالأغلبية لمجلس خبراء القيادة، المكوَّن من 88 عضوًا، وبعد إقرار من مجلس صيانة الدستور بشأن أهلية المرشحين، الذين يجب أن تتوافر فيهم مجموعة من المؤهلات الدينية والسياسية والإدارية. وبالنظر إلى صعوبة إنجاز هذا المسار في ظل ظروف الحرب، لا سيما مع استهداف مقرات مجلس خبراء القيادة، فقد اتجهت إيران إلى التعاطي مع الوضع بوصفه حالة طوارئ، من خلال تشكيل هيئة قيادية مؤقتة التزامًا بأحكام المادة 111 من الدستور، التي تنظم آلية التعامل مع شغور منصب المرشد وتحدد ترتيبات نقل صلاحياته إلى حين اختيار قائد جديد.

يتألف المجلس من الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس المحكمة العليا غلام حسين محسني إيجئي، ورجل الدين علي رضا أعرافي. وتشير التقارير إلى أن أعرافي يعد من أبرز المرشحين لخلافة خامنئي، كما تشير التقارير إلى ارتفاع حظوظه، لا سيما أنه يشغل منصب نائب رئيس مجلس خبراء القيادة، وعضو في مجلس صيانة الدستور، ما يمنحه حضورًا داخل المؤسستين المعنيتين مباشرة بعملية اختيار المرشد، كما يتولى رئاسة إدارة الحوزات العلمية، ما يعزز موقعه وثقله في الجوانب السياسية والدينية.

سيناريوهات-المرشد-الثالث-in-1.jpeg

لكن في المقابل، قد تتمثل نقطة ضعفه في عدم امتلاكه علاقات قوية مع الحرس الثوري، وهي ميزة يتفوق بها مجتبى خامنئي، نجل المرشد السابق، الذي يعد من بين المرشحين المحتملين، إلا أنه يواجه تحديًا يتمثل في رفض النخبة الإيرانية لمبدأ التوريث الذي قامت ضده الثورة عام 1979. كما برز مؤخرًا اسم علي لاريجاني، إذ يمتلك  علاقات وثيقة بالمرشد السابق علي خامنئي، حيث ينظر له كمستشار وخبير استراتيجي، اعتمد عليه الأخير في الملفات الحساسة والدبلوماسية المعقدة وكان نشطاً خلال جولة التفاوض الأخيرة مع واشنطن، وظهرت ثقة المرشد به بتعيينه أمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن القومي. وأشارت تقارير إلى تفويض المرشد له بإدارة شؤون البلاد بحالة شغور منصب المرشد، بالإضافة إلى حسن الخميني، حفيد المرشد الأول.

مع ذلك يبقى احتمال المفاجآت قائمًا، وقد تتجه البلاد إلى اختيار شخصيات جديدة، ربما من التيار الإصلاحي، أو شخصيات أقل سنًا، أو الحفاظ على صيغة القيادة الجماعية بدلًا من العودة إلى اختيار شخص واحد. ويظل هذا الخيار ممكنًا من الناحية الدستورية، وإن لم يُختبر عمليًا من قبل. وفي ظل هذه الظروف بالغة التعقيد والاستثنائية، يصبح من الموضوعي التساؤل أصلًا عن بقاء المرشد والنظام الإيراني بشكله الحالي.

المشهد الإيراني الداخلي المُتغير

يأتي غياب المرشد عن المشهد الإيراني في وقت تشهد فيه البلاد حربًا متواصلة منذ أيام وقد تستمر لأسابيع، وقد سبقها في أواخر 2025 اندلاع حراك شعبي مناهض للنظام يحافظ على استمراريته وتنوعه منذ "الحركة الخضراء" عام 2009، ومرورًا باحتجاجات الوقود عام 2019، ثم احتجاجات مهسا أميني عام 2022. ولعل الأهم في غياب المرشد لا يتعلق بالسردية التي ربطت وجوده باستمرارية النظام فحسب، بل بدوره المحوري باعتباره القوة الموازنة بين مختلف التيارات داخل النظام، ومنع خلافاتها العميقة من التأثير على سلامة النظام واستقراره.

وبذلك فإن التناقض والتنافس الشديدين بين التيارين الإصلاحي والمتشدد لن ينتهيا بمقتل خامنئي، بل سوف ينتقلان إلى مستويات أعلى من الخلاف حول المصالح السياسية والسيادية في البلاد. ويعكس مجلس القيادة المؤقت ذلك التناقض، وقد تخفي الحرب حتى اللحظة حجم التباينات في التوجهات والمواقف بين قادته الثلاثة ومرجعيات كل منهم الفكرية.

وقد تبرز الإشكالية الأولى عن تلك التناقضات، في صعوبة ورُبما استحالة التوافق -الذي كان يرغبه المرشد سابقاً- بين مختلف مؤسسات الدولة على مرشح واحد، فمن المحتمل أن يؤيد الإصلاحيون ترشيح حسن الخميني، في حين قد يدفع الحرس الثوري نحو خلافة نجل المرشد مجتبي خامنئي، وقد تفضل الحوزات ورجال الدين علي أعرافي، بشكل قد يُطلق صراعاً قوياً داخل مؤسسات الدولة وتياراتها، حيث إن المُنتصر فيه سوف يتحكم في مفاصل الدولة وقراراتها لعقود قادمة.

لكن الخلاف القائم قد لا يقتصر على عملية حسم هوية المرشد الثالث، بل قد يفتح الباب أمام جدل أعمق حول جوهر النظام نفسه، ومستقبل مبدأ ولاية الفقيه الذي يستمد منه المرشد سلطاته، إلى جانب التساؤلات الموازية حول طبيعة وموقع المرشد ذاته؛ فهل يتم الحفاظ على المنصب مع إلغاء مؤسسته "خاتم الأنبياء"، وهل تظل صلاحياته ذات طابع ديني أم سياسي أم كليهما، وهل يجب أن يُعاد تعريف دوره وحدود سلطاته، وربما إنهاؤه بالكامل. وينبثق هذا الجدل والنقاش من واقع أن الخلافات حول السلطات والصلاحيات بين قطبي السلطة التنفيذية (المرشد والرئيس) قائمة ومتجددة منذ هاشمي رفسنجاني وحتى مسعود بزشكيان – باستثناء إبراهيم رئيسي – إذ اعترض أغلب الرؤساء الإصلاحيين على تجاوز المرشد لهيكل الرئاسة، لا سيما في قضايا السياسة الخارجية، وتوكيل الحرس الثوري وفيلق القدس بإدارة سياسة موازية في منطقة الشرق الأوسط، كان من نتائجها اندلاع الحرب الجارية.

المشهد المتحول في زمن الحرب

تتعمق العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير 2026، وسط حالة من الضبابية والغموض حول مآلاتها وأهدافها وأمدها، فحتى اللحظة، لا يوجد دليل واضح على أن النتيجة النهائية للهجمات تتمثل في تغيير النظام، ففي 2 مارس ذكر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبريو أن الإطاحة بالسلطة في إيران ليس هدفاً في الحرب، بل هدفها تقليص قدراتها الصاروخية والبحرية، وفي التاريخ نفسه كرر  وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث بأن الحرب على إيران ليست لتغيير النظام. وفي الساعات الأولى من الحرب، وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابهما إلى الشعب الإيراني لاستغلال الفرصة بالتحرك ضد النظام، بما يُشير أن الدولتين غير معنيتين بتغيير النظام عبر العمليات العسكرية.

وفي حين عدم توفر دليل واضح، إلا أن هُناك العديد من المؤشرات التي تُشير إلى أن أهداف العمليات العسكرية تتعدى مُهاجمة القدرات العسكرية لإيران، أو دفعها إلى تغيير نهجه. فقبل الحرب بدأ كبار القادة الأمريكيين إدراج مصطلحات جديدة في تصريحاتهم حول إيران، فقد أرجع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، صعوبة التوصل إلى اتفاق، لطبيعة النظام الإيراني الذي يسيطر عليه رجال الدين المتشددون. ويأتي اغتيال المرشد، إلى جانب كونه رأس النظام، فهو متصل برمزية روحية ودينية تتجاوز حدود إيران نفسها. كما يتزامن تعمق الهجمات مع استهدافات تطال أدوات النظام الإعلامية والأيدولوجية، من بينها مبنى الإذاعة والتلفزيون.

وفي الواقع؛ تؤثر كُل من تحركات المهاجمين، وردود فعل إيران، على تطورات الحرب ومجرياتها، وانعكاساتها على طبيعة النظام الإيراني، وموازين القُوى الداخلية بين تياراته، وبالتالي في طبيعة واختيار المُرشد القادم.

فمن جهة قد ترفع حالة الحرب من مستويات الشعور القومي، وتعزز من قوة وحضور المتشددين، وتزيد من دور الحرس الثوري والأجهزة الأمنية في المشهد السياسي والعام، إلى جانب زيادة حضور خطابات التعبئة والمواجهة، لا سيما مع أي حراكات داخلية معارضة للنظام. في المقابل فإن أحد أهداف الحرب هو تقويض الحرس الثوري والجناح المتشدد للسلطة، وهو ما سيؤدي تلقائيًا إلى تعزيز التيارات الإصلاحية على حسابها، وهي التي سعت منذ عقود إلى بسط سيطرتها على المؤسسات الإيرانية، وربما التطلع إلى موقع المرشد أو إجراء تغييرات فيه.

وفي المحصلة يبقى حسم ذلك التناقض مرهونًا بالتطورات الميدانية؛ فمن جهة تتجه الولايات المتحدة إلى تحقيق السرعة في سياق عملياتها، فقد ذكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن العمليات قد تستمر لأربعة أسابيع، يُفترض خلالها أن تكون قادرة على تحجيم الحرس الثوري والمتشددين وحرمانهم من أدواتهم العسكرية، وهو ما يعزز بالضرورة من وجود الإصلاحيين ويزيد من فرصهم في ترشيح المرشد. بينما تسعى إيران إلى إطالة أمد الحرب وجعلها مكلفة على المهاجمين، وبشكل لا يؤدي إلى وقفها فحسب، بل إلى وضع منفذيها أيضًا أمام مساءلة شعبية وبرلمانية في الدولتين. وفي هذه الحالة سيتمكن المتشددون من الحفاظ على المشاعر الوطنية والقومية خلال الحرب وما بعدها.

ما-بعد-اغتيال-خامنئي-in-1.jpg

سيناريوهات النظام الإيراني ما بعد المُرشد

بالنظر إلى أن المسار نحو خلافة المرشد غير واضحة، وكذلك مجريات الحرب ومعطياتها، فإن ذلك يضع مسألة خلافة المُرشد ومنصبه ودوره أمام مجموعة من السيناريوهات، كما يلي:

السيناريو الأول: الحفاظ على هيكل السلطة التنفيذية وأدوارها

إن مقتل علي خامنئي يضعف النظام لكنه لا يغيره؛ إذ إن الدولة وبيروقراطيتها وشبكاتها العقائدية والأيديولوجية من غير المرجح، بل من المستبعد، إنهاؤها أو الإضرار بها عبر ضربات جوية، وإن كانت مكثفة وطويلة المدى. ويتعزز هذا السيناريو في ضوء افتراضين اثنين:

أولاً: تمكن مجلس قيادة الخبراء على افتراض عدم اغتيال عدد منهم كما تدعي إسرائيل وتنفي إيران من حسم سريع في اختيار المرشد الثالث، وقدرة المجلس على تجاوز تداعيات الحرب والتهديدات الأمنية، مع الحفاظ على تماسك بُنيته وسلامة أعضائه، وفي هذه الحالة يُفترض صعود شخصية محافظة قادرة على التوازن بين مختلف مؤسسات الدولة، وفي الوقت نفسه لديها خبرة واسعة في التحاور مع الغرب، من أمثال لاريجاني، مع ذلك فإن احتمال تعرض المرشد الجديد للاغتيال، قد يعيد حالة الفراغ في السلطة بل وقد يعقد من عملية اختيار مرشد رابع.

ثانياً: تأخر مجلس قيادة الخبراء في حسم مسألة الاختيار، وبقاء مجلس القيادة الانتقالي، وفي ظل تكثيف الضربات الأمريكية وتراجع قدرة الحرس الثوري وفاعليته في السياسة المحلية والخارجية، قد يفتح المجال أمام صعود مرشد ثالث إصلاحي، كما يحتمل أن الولايات المتحدة هدفت باغتيالها لخامنئي إلى نقل الولاية لصف ثانٍ من القيادة الإيرانية ينشأ خلاله المرشد الثالث على التعاطي والحوار مع الغرب، ويُركز على القضايا التنموية والإصلاحية بدلاً من الأيدولوجية التي ثبت فشلها.

السيناريو الثاني: الحفاظ على هيكل السلطة التنفيذية مع إعادة توزيع أدوارها

إن تمتع المرشد الثالث بذات النفوذ والقوة التي حظي بها علي خامنئي قد يكون أمرًا مستبعدًا، إذ إن التغيرات الداخلية والتحولات الخارجية وفشل التجربة قد يغير من ديناميكيات المعادلة داخل السلطة التنفيذية، ويعيد صياغة توازنات القوى بين الرئيس والمرشد، بما يفسح المجال لتعزيز دور الرئيس المنتخب ونقل القرار الفعلي إليه، مقابل تقليص أدوار المرشد بوصفه مرجعية شكلية تمنح الشرعية فقط.

ويتطلب تطبيق هذا السيناريو تقليص الصلاحيات الواسعة الممنوحة للمرشد دستوريًا، وإعادة توزيع أدواره على الحكومة أو مجلس النواب، مع حصر صلاحيات المرشد في الجوانب والأبعاد الدينية والشرعية. ومع ذلك يظل هذا السيناريو الأكثر تعقيدًا، إذ يتطلب توافقًا سياسيًا واسعًا داخل النخبة الحاكمة، وربما اللجوء إلى استفتاء شعبي في حال تعديل الدستور.

السيناريو الثالث: تغيير هيكل السلطة التنفيذية والنظام

يُمثل هذا السيناريو خيارًا أخيرًا قد تفضي إليه الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية، أو قد تتوافر له الظروف إذا حفزت موجة تظاهرات شعبية تُطيح بالنظام القائم، على غرار عملية أجاكس عام 1953. ويمكن أن يشمل تغيير النظام كامل المنظومة السياسية والاقتصادية والأمنية، بما يفتح الباب أمام فترة انتقالية وجمهورية جديدة، وهو احتمال مستبعد.

وقد يمتد الأمر ليشمل السلطة التنفيذية وطبيعة علاقتها ببقية السلطات، مع الإبقاء على بعض الشخصيات المنتمية إلى النظام الحالي والحكومة القائمة، مقابل إلغاء منصب المرشد ومبدأ ولاية الفقيه. وهذا يعني أن التغيير المحتمل لن يقتصر على تبديل الوجوه أو إعادة توزيع الأدوار، بل قد يمس البنية العميقة للنظام السياسي وهويته الأيديولوجية.

ويفترض تحقق هذا السيناريو اتساع نطاق الضربات الأمريكية-الإسرائيلية لتستهدف أعضاء مجلس خبراء القيادة، وربما أعضاء مجلس صيانة الدستور، بعد أن طالت مقارهم. كما قد يتعزز إذا أفضت الحرب إلى مفاوضات بين القيادة أو الحكومة الإيرانية والولايات المتحدة، لا تقتصر على البرنامج النووي فحسب، بل تمتد إلى مناقشة شكل النظام وطبيعته.

ستراتيجيكس

فريق تحليل السياسات