الرهان الخاسر حول حصر السلاح في العراق: مواقف الفصائل ودوافعها المعقدة

تواجه خطة الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة صعوبات كبيرة بسبب تعقيد الوضع السياسي والأمني. حيث تسعى الحكومة إلى إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت بحلول سبتمبر 2026، لكن مواقف الفصائل المسلحة ما زالت مختلفة بين القبول والرفض. ويرتبط رفض بعضها بعوامل داخلية وخارجية، مثل النفوذ الإيراني، والتوتر مع الولايات المتحدة، والتطورات في سوريا، إضافة إلى امتلاكها نفوذًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا واسعًا. ومن المرجح أن يستمر تأجيل تنفيذ الخطة بسبب ارتباط الملف بالتوازنات السياسية داخل العراق والتأثيرات الإقليمية والدولية.

الكاتب ستراتيجيكس
  • تاريخ النشر – ١١‏/٠٨‏/٢٠٢٦

يشهد ملف حصر السلاح في العراق، مُتغيرات محلية وإقليمية ودولية، فقد تبنى رئيس وزراء الحكومة المشكلة حديثاً خطاباً يُوحي بانتقال ذلك الملف من مستوى الخطاب السياسي والدعوات، إلى مُستوى تنفيذي بعدما حدد نهاية سبتمبر 2026 موعداً نهائياً لإنهاء ظاهرة الفصائل المسلحة والسلاح المُنفلت، وهو الموعد ذاته المُقرر فيه إنهاء مهام التحالف الدولي للحرب على تنظيم داعش. مع ذلك؛ تُحيط بعملية حصر السلاح شكوك متعددة المستويات، لا سيما مع تباين موقف الفصائل منها؛ بين فصائل أبدت قبولاً نسبياً ووهمياً ، بينما رفضت فصائل تسليم سلاحها بشكل قاطع، وأخرى اتبعت مساراً ضبابياً ومُناوراً. وعليه؛ تبدو الخُطوة القادمة شائكة ومُعقدة، وترتبط بتوازنات هشة بين ضغوط أمريكية تربط مستقبل التعاون مع العراق بتحقيق نتائج ملموسة في هذا الملف ووسط تصعيد عسكري أمريكي-إيراني، ومواقف متحفظة للمرجعية الدينية باستثناء بعض الدعوات دون إصدار فتوى مُلزمة، وفصائل مسلحة متباينة في مقاربتها وولاءاتها. الأمر الذي يُنذر بتداعيات عدة من حيث احتمالات الصدام المسلح الداخلي، أو الاشتباك المحدود بين الفصائل الرافضة والأجهزة الأمنية والعسكرية، أو من حيث انعكاسه على تماسك الحكومة وحتى بقائها، سواء بالنظر إلى حجم الضغوط الأمريكية والإقليمية عليها، أو للنفوذ السياسي والأمني الذي تمتلكه الفصائل وتُمكنها من إسقاطها.

مضمون خطاب الزيدي وخطته التنفيذية

يستند خطاب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى المادة التاسعة من الدستور العراقي، والتي تنص على "احتكار الدولة لحمل السلاح"، وعلى قانون الحشد الشعبي رقم (40) الذي يتضمن نصاً صريحاً لفك ارتباط منتسبي الحشد الشعبي عن كافة الأطر السياسية والحزبية. ويتضمن خطابه رسائل أساسية؛ تتمثل في احتكار مؤسسات الدولة للسلاح، وربط استعادة السيادة بحصره، وتحديد مُهلة زمنية متزامنة مع انتهاء مهام التحالف الدولي.

والمُتغير الأهم في خطابه؛ أنه ينقل الملف إلى الالتزام الزمني والإجرائي، حيث يُراهن بأن الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، يُلغي ذرائع الفصائل المُسلحة للاحتفاظ بسلاحها. مع ذلك؛ ثمة ضبابية تُحيط بالمستوى التنفيذي، من حيث آليات جمع السلاح، وغياب تصور مُعلن لمصير مئات الآلاف من عناصر تلك الفصائل، وبشأن النهج الذي ستتبعه الحكومة بحق الفصائل الرافضة بشكل قطعي لتسليم سلاحها، وحول سُبل فصل التداخل بين المؤسسات الرسمية مثل الحشد الشعبي والفصائل المسلحة الموالية لإيران والحرس الثوري على حد سواء. إضافة إلى ذلك، تفتقر الحكومة إلى إحصاء دقيق لحجم السلاح المنفلت خارج إطار الدولة، إذ تشير تقارير أمنية عراقية إلى وجود نحو 15 مليون قطعة سلاح خارج سيطرة الدولة، من بينها نحو 200 ألف قطعة سلاح ثقيل، تشمل راجمات الصواريخ ومدافع الهاون. في المقابل، قد يكون العدد الفعلي للأسلحة المنتشرة خارج السيطرة الرسمية أعلى من ذلك بكثير، إذ تُقدّر بعض التقديرات أنه قد يتجاوز 25 مليون قطعة سلاح.

إلى جانب ذلك؛ يُواجه الزيدي تحديات في الوفاء بالتزاماته ومواعيده التنفيذية لحصر السلاح، حيث الفصائل المسلحة ليست مُجرد تشكيلات عسكرية، وإنما قُوى تتمتع بنفوذ سياسي وأمني في مؤسسات الدولة العراقية ولها تمثيل أمني وعسكري، وتمتلك كذلك قُدرات اقتصادية تُؤهلها للتأثير في المشهد الاقتصاد العراقي. من جهة أخرى؛ إذ يبدو أن الزيدي يتعامل مع ظاهرة الفصائل بصفة عامة، فإن ذلك لا يعني تماثلها وتمايزها بالرغم من تبعية معظمها المؤسسية لهيئة الحشد الشعبي، حيث هُناك مراكز قرار مُتعددة، وتحظى إيران والحرس الثوري عبر فيلق القُدس بنفوذ واسع داخل بعض تلك الفصائل، وفي حين أن بعضها تؤكد التزاماتها بقرارات الهيئة وتوجيهات القائد العام للقوات المُسلحة، فإنها بعضها الآخر يرتبط بـ "بيعة شرعية" للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي وانتقلت بيعتها للمرشد الثالث مجتبى خامنئي، وتُقدر بأكثر من 40 فصيلا ضمن تشكيلات هيئة الحشد الشعبي.

التباين في مواقف الفصائل تجاه حصر السلاح ودوافعها

أنتج خطاب حصر السلاح بيد الدولة، انقساماً في المواقف بين الفصائل المُسلحة، فبينما أبدى بعضها قبولاً المبدئ واستعدادها لتسليم سلاحها، ومن أبرزها سرايا السلام بقيادة مقتدى الصدر وعصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي وكتائب الإمام علي بقيادة شبل الزيدي. فإن فصائل أخرى رفضت ذلك بشكل قطعي، لا سيما تلك الفصائل الأكثر تطرفاً والعابرة للحدود والمصنفة ضمن ما يُعرف بـ"محور المقاومة" التابع لإيران، من بينها سرايا أولياء الدم وأصحاب الكهف وكتائب كربلاء كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء.

وفي السياق نفسه؛ تتفاوت دوافع الفصائل في مواقفها تجاه تسليم سلاحها، فمن جهة تبدو الفصائل المُستعدة لتسليمه أكثر اندماجاُ في مؤسسات الدولة وبالتالي أشد رغبة في تعزيز نفوذها السياسي والأمني داخل منظومتها. من جهة أخرى؛ ففي الوقت الذي تربط فيه الفصائل المسلحة ضمن "محور المقاومة" خُطوة تسليم سلاحها بالانسحاب الأمريكي الكامل، فإن مُتغيرات إقليمية وميدانية قد تُقوض رهان الحكومة على تزامن هذين المسارين، إذ تنظر الفصائل المُسلحة إلى خطاب الزيدي كونه استجابة خاضعة للضغوط الأمريكية، مقابل حصول بغداد على حزمة دعم متعددة الجوانب، وهو ما يوفر لتلك الفصائل المبرر والدافع الإضافي للتمسك بسلاحها ورفض التخلي عنه. وثمة إشارات واضحة من قادة بعض الفصائل الفاعلة في العراق مثل الأمين العام لحركة "كتائب سيد الشهداء" في العراق، أبو آلاء الولائي، الذي أكد في  تصريح مصور خاص بملف حصر السلاح، أن سلاح الفصائل يمثل "أمانةً وتكليفًا" للدفاع عن السيادة، معربًا عن رفضه لأي ضغوط خارجية تستهدف نزعه.

وفي نفس السياق؛ لم يعد الهاجس الأمني لتلك الفصائل محصوراً بوجود القوات الأمريكية على الأراضي العراقية، بل يتجاوزه إلى أبعاد استراتيجية عابرة للحدود، من حيث مسارات التصعيد والتفاوض بين واشنطن وطهران، في وقت تضطلع تلك الفصائل بدور متصاعد في الاشتباك العابر للحدود، ويتعزز هذا الدور ويتعمق بشكل خاص في ظل القيود التي تُحيد وتعزل حزب الله اللبناني عن الانخراط الفاعل ضمن استراتيجية "وحدة الساحات".

إلى جانب ذلك؛ أدخل التغيير السياسي في سوريا بعد ديسمبر 2024، هواجس أمنية مُتبادلة، لا سيما مع صعود هيئة تحرير الشام إلى السلطة، وامتداداتها التاريخية حيث تعود جذور تأسيسها كامتداد لـ"جبهة النصرة" والتي ترتبط بتنظيم "داعش"، الذي تأسست معظم الفصائل العراقية أساساً لقتاله. وميدانياً؛ تشهد الحدود السورية-العراقية توترات متكررة ومتزايدة، آخرها إعلان الجيش السوري التابع للحكومة في 4 أغسطس 2026 رفع مستوى الجاهزية على الحدود مع العراق، وتتعزز تلك المخاوف في ظل التقارير والتصريحات المُتواترة بشأن احتمال انخراط القوات السورية في مواجهات عسكرية مباشرة ضد حزب الله في الساحة اللبنانية.

الرهان-الخاسر-حول-حصر-السلاح-في-العراق-مواقف-الفصائل-ودوافعها-المعقدة-in-1.jpg

تحديات وتهديدات تُواجه حصر السلاح

يُواجه مسار حصر السلاح في العراق جُملة من التحديات الجوهرية والمعقدة، فعلى صعيد الفصائل المستعدة لتسليم سلاحها، قد تجد الحكومة نفسها مُجبرة على خوض مفاوضات معقدة لإبرام تسويات سياسة لمقايضتها سلاحها، وهو مسار يتعارض مع "فيتو" أمريكي يرفض مشاركة أي فصائل مُسلحة في السلطة بغض النظر عن إعلانها نزع سلاحها من عدمه. علاوة على ذلك، قد تتجاوز مطالب بعض الفصائل مثل سرايا السلام حدود الحصص السياسية التقليدية، لتطرح شروطاً أعمق تتعلق ببنية النظام السياسي نفسه، وقانون الانتخابات، ومعادلة توازن القوى في المشهد السياسي.

ويتفرع عن ذلك تحديات أخرى؛ إذ يُمكن أن تتعمق أزمة الثقة القائمة بين الفصائل والحكومة وأن تُفسر مفاوضات الحكومة الثنائية مع كُل فصيل على حدة باعتبارها محاولة لعزل أو استهداف أطراف أخرى. وقد تتحول العملية إلى أزمة في ظل طبيعة العلاقات السياسية العراقية الصفرية، حيث ينظر إلى أين توسع في النفوذ أو الدور السياسي لفصيل معين بأنه على حساب الأطراف الأخرى، لا سيما في ظل محدودية الحصص والمناصب المتاحة داخل السلطة التنفيذية.

في المُقابل؛ يرتفع سقف التعقيدات عندما يتعلق الأمر بالفصائل الرافضة للتسليم، إذ لا تمتلك الحكومة أدوات ضغط فاعلة أو مُحفزات لحثها على تسليم سلاحها، لا سيما وأنها لا تمتلك أي تمثيل سياسي معلن داخل مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية. والأهم من ذلك أن تلك الفصائل تتبع "محور المقاومة"، ما يعني أن مقاربة ملفها ليست شأناً داخلياً محلياً بقدر ما هي جزء من ديناميكيات إقليمية ودولية بالغة التشابك.

وعليه؛ فإن الخيارات المطروحة على طاولة الحكومة للتعامل مع الفصائل المسلحة ضمن "محور المقاومة" تبدو محدودة للغاية، وتكاد تنحصر في الخيار العسكري والأمني. لكن ذلك يُهدد باحتمالات الاشتباك بين الفصائل الرافضة وقوات الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب. ويتعزز هذا الاحتمال الأخير في ظل مجموعة من المؤشرات من بينها:

1- لجوء الحكومة إلى تنفيذ قرارها باستخدام القوة المُسلحة لا سيما في ظل تزايد الضغوط الأمريكية والإقليمية، أو في حال سعت الفصائل المسلحة إلى استباق الأمور وتصعيد الموقف ميدانياً لزعزعة الاستقرار وإسقاط الحكومة.

2- قد تجد طهران -باعتبارها الطرف الأكثر تأثيراً على حد سواء- مصلحة استراتيجية في إبقاء ملف السلاح مصدراً للتوتر ورُبما التصعيد، بحيث تستخدمها للضغط في مفاوضاتها الجارية من واشنطن، وأداة مُساندة في حالات التصعيد، ومن جهة أخرى لتحصين نفوذها الحيوي في العراق ومنع تراجعه.

3- يبدو أن الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها تتبنى مساراً تصعيدياً ضد المصالح الأمريكية والإقليمية. وذلك في سياق المواجهة الأمريكية-الإيرانية الأوسع، وفي إطار توظيفها كورقة ضغط على الحكومة العراقية، بهدف إظهار قدرتها على التحكم في المسارات المحلية والانخراط في المسارات الإقليمية. على سبيل المثال: أغسطس 2026 أصدرت ما تُعرف بـ "المقاومة الإسلامية في العراق" بياناً أمهلت فيه الحكومة بالرد على العمليات الجوية الانتقامية السعودية-الأمريكية المشتركة ضد الفصائل المسلحة الموالية لإيران رداً على هجمات الأخيرة التي استهدفت منشآت سعودية ومصالح أمريكية.

4- الإبقاء على حالة من الضغط المستمر لتقويض صورة الحكومة على الصعيدين الداخلي والدولي، على سبيل المثال: أبلغ الأردن ودول عربية أخرى السلطات العراقية في مطلع أغسطس 2026، بأنه سيرد عسكرياً في حال تعرض أراضيه لأي اعتداء مصدره العراق.

وحتى في ضوء لجوء بعض تلك الفصائل نحو تسليم سلاحها، فإن هذه العملية المعقدة والشائكة غير مضمونة النتائج فعلياً، من جهة أن إدماج عناصر الفصائل المسلحة ضمن وحدات الجيش والأجهزة الأمنية بعد تفكيك هياكلها الأساسية، لا يضمن بالضرورة تخلي العناصر المُدمجة عن ولائها العقدي العميق للمرشد الإيراني.

علاوة على ذلك، يبرز خطر اللجوء إلى عمليات تسليم "شكلية" للأسلحة الثقيلة كالطائرات المسيرة والمدرعات والمدافع التي تراجع استخدامها بانحسار المعركة البرية ضد تنظيم داعش، بينما تحتفظ الفصائل بترساناتها من الصواريخ متوسطة المدى والطائرات المسيرة، ومنظومات الاستطلاع، والأسلحة الخفيفة والمتوسطة الملائمة لحرب المدن والاستهداف العابر للحدود. ويرافق ذلك عمليات إخلاء رمزي للمقرات الواقعة داخل مراكز المدن، بالتوازي مع نقل الترسانة النوعية إلى مخازن سرية بديلة.

ولا تقتصر أساليب الالتفاف على ذلك، بل تمتد لتشمل إعادة توصيف هوية الفصائل ومهامها القتالية وربطها شكلياً بمؤسسات الدولة دون المساس باستقلالية قرارها، أو عبر فك ارتباطها المؤسسي بهيئة الحشد الشعبي مع الحفاظ على بنية عسكرية "موازية" تعمل تحت غطاء "المقاومة الإسلامية" أو "محور المقاومة"، فضلاً عن احتمالات لجوء الجانب الإيراني إلى خيار تشكيل شبكات وخلايا سرية جديدة على الأراضي العراقية، لتنفيذ هجمات ضد المصالح الأمريكية والإقليمية.

وأخيراً؛ يبدو أن مشروع الزيدي لحصر السلاح بيد الدولة؛ يُواجه مصيراً مشابهاً لمحاولات وخطابات الحكومات المتعاقبة، بحيث يُبقي منه مرتكزاً خطابياً دون خطوات تنفيذية وعملية. ويزداد ذلك تأكيداً في ظل استمرارية الضبابية حول التصعيد الأمريكي-الإيراني، والذي ترتبط نتائجه بملف حصر السلاح بشكل وثيق، ففي ظل صمود وبقاء النظام الإيراني فاعلاً ونشطاً فإن مسألة تسليم الفصائل لسلاحها تبدو مُستبعدة. وعليه؛ يبدو المشهد الأكثر ترجيحاً في ضوء الظروف والمتغيرات، يتمثل في دخول الحكومة وسط حالة من التمديد المُستمرة للمُهلة التي حددتها في سبتمبر 2026، ومعها تبقى القوات الأمريكية على تواجدها في العراق لمواجهة التهديدات القادمة عن تلك الفصائل، وتحافظ الأخيرة على سردية خطابية بعدم تسليم سلاحها طالما هُناك وجود أمريكي.

ستراتيجيكس

فريق تحليل السياسات