"التعطيل المتبادل" لمسار نزع السلاح في قطاع غزة

يعتبر إعلان حركة حماس موافقتها على مسار تسليم سلاحها، حدثاً استثنائياً، والذي جاء في ظل إعلان خارطة الطريق لتنفيذ المرحلة الثانية لقطاع غزة وموافقة الحركة عليها. مع ذلك تُناقش هذه الورقة عقبات تسليم الحركة لسلاحها في ظل ما تضعه من اشتراطات مُقابل ما تفرضه إسرائيل من متطلبات، لُيصبح "التعطيل المتبادل" مصطلحاً يُفسر الجمود الميداني والتفاوضي. وهذه السمة لم تعد تقتصر على وصف المشهد في قطاع غزة فحسب، بل وفي جنوب لبنان أيضاً.

الكاتب ستراتيجيكس
  • تاريخ النشر – ١٣‏/٠٩‏/٢٠٢٦

أعلنت حركة حماس للمرة الأولى في تاريخها عن مُوافقتها على الدخول في مسار قد ينتهي بتسليم سلاحها، وذلك بالتزامن من إصدار "مجلس السلام" في 30 يوليو 2026 خارطة طريق تفصيلية لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشاملة للسلام في قطاع غزة، وتتألف الخارطة من 15 نقطة تنفيذية، وتشكل إطاراً تنفيذياً وعملياً لتطبيق الخطة التي طرحها ترامب في 29 سبتمبر 2025، وتأتي هذه الخطوة بعد أشهر من الجمود التفاوضي الذي أعقب دخول المرحلة الأولى من الاتفاق حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، حيث ظل الانتقال إلى المرحلة الثانية متعثراً، ولا سيما في ظل الخلاف حول مسألة نزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة. وبذلك، تمثل موافقة الحركة على خارطة الطريق تحولاً لافتاً في موقفها السابق من ملف السلاح، وإن كانت الموافقة مرتبطة بمسار تنفيذي وشروط متبادلة، أبرزها وقف العمليات الإسرائيلية والانسحاب من القطاع.

مضامين خارطة الطريق وسياقها

تتكون "خارطة الطريق" من 15 نقطة، تقوم على نقل إدارة قطاع غزة المدنية والأمنية من حركة حماس إلى لجنة إدارة غزة، بالتوازي مع تشكيل قُوة استقرار دولية تتولى دعم الأمن ومراقبة وقف إطلاق النار، ثُم البدء بتفكيك الأسلحة الثقيلة والأنفاق والبنية العسكرية للفصائل المسلحة وتخزينها تحت إشراف اللجنة الوطنية. في المُقابل تلتزم إسرائيل بانسحاب مرحلي يتزامن مع تحقق خطوات نزع السلاح، فيما تتولى لجنة إدارة غزة توحيد الشرطة والخدمات وفرض مبدأ "سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح واحد"، ويخضع الانتقال بين المراحل لآلية تحقيق دولية لقياس الالتزام بالتنفيذ، بما يربط انتقال الحُكم ونزع السلاح والانسحاب في مسار واحد مُتدرج، وبالتوازي تبدأ ترتيبات إعادة الإعمار والتمويل.

وقد جاءت "خارطة الطريق"، في سياق أشهر من المفاوضات في القاهرة بين الحركة ومجلس السلام، والتي كانت تتمحور حول كيفية الانتقال إلى المرحلة الثانية، وتحديداً نقل إدارة القطاع ونزع السلاح، والانسحاب الإسرائيلي، ودور قوة الاستقرار الدولية، وفي ضوء مجموعة من التطورات من بينها اختيار 15 شخصية من التكنوقراط والمستقلين كأعضاء لجنة إدارة غزة من بينهم رئيس اللجنة علي شعث رئيساً في يناير 2026، والتي يُفترض أن تتولى مهامها بموجب قرار مجلس الأمن الدولي الذي اعتمد فيه خطة ترامب للسلام في 17 نوفمبر 2025، لكن يُعقد الرفض الإسرائيلي لخارطة الطريق في 9 أغسطس، الانتقال إلى مرحلة إعداد الجداول الزمنية والآليات التنفيذية.

صورة-داخلية-١.jpg

مع ذلك؛ جاء لافتاً إعلان حركة حماس للمرة الأولى عن موافقتها على مسار ينتهي بتفكيك بنيتها التحتية العسكرية تدريجياً، وإن جاء ذلك الإعلان بصيغة تحمل عقبات وتحديات، إلا أنه يُعد تطوراً بالنظر إلى مواقفها السابقة، فقد تدرجت الحركة من رفضها المُطلق لتسليم سلاحها، إلى اشتراط تسليمه لدولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة، ومن ثُم ظهرت صيغة أخرى تتحدث عن تصور لإخفاء السلاح أو تخزينه أو التعهد بعدم استخدامه، قبل أن تتحول إلى نقاش جرد أسلحتها الثقيلة بما فيها الصواريخ والأسلحة المضادة للدروع، ووضعها تحت ترتيب ورقابة فلسطينية أو دولية.

تحديات حركة حماس في قطاع غزة

تُواجه حركة حماس تحديات كبيرة؛ فعلى المستوى الإداري؛ تواجه الحركة صعوبة في إدارة القطاع أو ضمان تقديم مختلف الخدمات فيه، ووفقاً لبيانات الأمم المتحدة فإن 94% من سكان القطاع بحاجة إلى مأوى، وهناك أكثر من 3 آلاف منطقة في القطاع مُصنفة بأنها عالية الخطورة وفقاً لتقييمات فرق مكافحة الآفات، ويفتقر السكان إلى المقومات الأساسية من الوقود والطاقة والمستلزمات المنزلية، ويتركز معظم سكان القطاع غرب الخط الأصفر، في أقل من نصف مساحة القطاع. وسط كل ذلك؛ لا تمتلك الحركة قدرة فعلية على تقديم الخدمات إلى السكان أو إدارة شؤونهم في القطاع، حيث تُواجه تحديات إضافية في دفع رواتب 30 ألف موظف مدني، وتُشير التقارير إلى أن الحركة تدفع حوالي 20% من الرواتب التي كانت قبل الحرب، وفي ظل تصاعد التضخم وأزمات نقص الغذاء والمياه باتت الحركة تواجه حالة من الاستياء الشعبي لا سيما في أوساط قاعدتها الشعبية. وبناءً على ذلك؛ أصبح سيناريو بقاء الحركة في إدارة القطاع تهديداً وجودياً لها لا يقل عن تداعيات الحرب نفسها أو تسليم سلاحها، ولذلك كان من أوائل قراراتها بعد وقف إطلاق النار إعلانها جاهزيتها التنازل عن إدارة القطاع لصالح اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG)، ففي يناير 2026، أعلنت حماس أن البروتوكولات والملفات واللجان اللازمة لتسليم الإدارة أصبحت جاهزة، وفي 6 يوليو حلت الحركة لجنة الطوارئ الحكومية وقدم عدد من مسؤوليها الإداريين استقالاتهم من بينهم رئيس الجهاز الحكومي.

أما على المستوى العسكري فمنذ 7 أكتوبر؛ فقدت الحركة أبرز قادتها ومسؤوليها؛ من بينهم صالح العاروري وإسماعيل هنية ومحمد الضيف ويحيى السنوار. كما اغتالت إسرائيل قائد الجناح العسكري للحركة عز الدين الحداد وخليفته محمد عودة ولا تزال سلسلة الاغتيالات ضد قادتها من الصفين الثاني والثالث مُستمرة، ففي 25 يوليو 2026 أعلن الجيش الإسرائيلي اغتيال 3 من أبرز قادة الحركة، وهم: رائد العمصي قائد فصيل الاستطلاع الجوي ونبهان العمصي رئيس جهاز المخابرات العسكرية وحمود أبو غزال قائد أحد خلايا النخبة في الحركة.

فيما يواجه المستوى الحركي والتنظيمي تحديات معقدة؛ فقد ظلت الحركة لما يزيد عن سنة و10 أشهر دون اختيار رئيس لمكتبها السياسي، منذ اغتيال السنوار في 16 أكتوبر 2024، وحتى انتخاب خليل الحية في 5 أغسطس، وهو ما يُشير إلى تراجع القدرة البنيوية للحركة من جهة، وإلى تصاعد الخلافات داخل تياراتها من جهة أخرى ولا سيما بين التيار المُقرب من إيران والذي يقوده الحية حالياً والتيار المُقرب من تركيا والإخوان المسلمين والذي يقوده خالد مشعل، ويكشف موقف الحركة من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة ضد إيران في 28 فبراير 2026 عن الانقسام الداخلي في الحركة، ففي حين دعا المكتب السياسي للحركة في قطر إلى "تجنب إيران استهداف الدول المجاورة"، أشاد بيان الحركة في قطاع غزة بـ"الجهود العسكرية الإيرانية".

"التعطيل المتبادل": بين نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي

يبدو مسار نزع السلاح منفصلاً وأكثر تعقيداً من الترتيبات الإدارية والمؤسسية، حيث يفصل الاتفاق الذي وُقع في يوليو 2026، بين مراحل تسليم السلاح وتفكيك البنية العسكرية وبين تسليم الإدارة، ما يتطلب بطبيعة الحال قراءة منفصلة لإعلان حماس قبولها تسليم سلاحها مُقابل مبادرتها إلى القبول بتسليم الإدارة بل واتخاذها خطوات لتسهيل وتسريع هذه العملية. وعليه؛ لطالما روجت الحركة حتى أثناء الحرب إلى محاولاتها لتكرار نموذج حزب الله في لبنان، أو تجربتها في قطاع غزة قبل 2007، من خلال التنازل عن الإدارة والبقاء كقوة عسكرية مُوازية، ولا يُشير استعدادها للتنازل عن سلاحها قبولاً فعلياً بتنفيذ ذلك، ففي كثير من الأحيان اتجهت الحركة إلى الاستجابة للضغوط الميدانية وضغوط الوسطاء بالامتثال لنصوص مسودات الاتفاق، لكن لا يعني ذلك بالضرورة رغبة الحركة أو قدرتها على التنفيذ، على سبيل المثال عندما أعلنت الحركة موافقتها على خطة ترامب للسلام، عكس بيانها المنشور في 3 أكتوبر من العام نفسه، اتجاهاً مرناً يتأرجح بين التوافق المشروط والتحفظ الضمني.

وبشكل مشابه يُمكن قراءة إعلان الحركة موافقتها على مسار يؤدي إلى تسليم سلاحها؛ فقد جاءت موافقتها محصورة في سلاحها الثقيل، ومشروطة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل وليس التدريجي، وهذا "التعطيل المتبادل" حيث يربط كل طرف خطوته بخطوة الآخر الكاملة، أصبح سمةً تسود مختلف الجبهات، وباتت تُمثل خط الدفاع الأخير والحد الأدنى التكتيكي الذي تلتقي عنده الحسابات المعقدة لأطراف "وحدة الساحات"، فعلى غرار حركة حماس؛ يشترط حزب الله انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من جنوب لبنان قبل تسليم سلاحه، فيما تشترط الفصائل العراقية انسحاب القوات الأمريكية لتسليم سلاحها إلى الدولة العراقية، في المُقابل تتمسك إسرائيل بتفكيك البنية العسكرية لكل من حركة حماس وحزب الله وتجريدهما من السلاح قبل الانسحاب، إذ تُقدر أن الانسحاب المُبكر قبل تحقيق ذلك يُفقدها ورقة الضغط العسكري، ويوفر بيئة سمحت سابقاً للطرفين بالمناورة وإعادة التموضع، ولطالما أبدت حماس قدرات استثنائية في ترميم بنيتها العسكرية وإعادة بناء ترسانتها عُقب كل جولة تصعيد، وحتى في حالة الإنهاك الراهنة وخسارتها جزء حيوي من قدراتها، لا يزال هيكلها الإداري والتنظيمي الأكثر تماسكاً وتنظيماً ونفوذاً داخل الخط الأصفر.

مع ذلك؛ فإن هذه المُناورة التكتيكية لا سيما من قبل حركة حماس وحزب الله اللبناني مرهونة بعامل الوقت، وترتبط بقُدرة المجتمعات المحلية الحاضنة للطرفين على الصمود، ففي السابق امتلك الطرفان قدرات مالية ودعم اقتصادي مُتواصل وإمداد إيراني مُستمر بالسلاح، ما جعلهما ضامنين لعمليات إعادة الإعمار والتعويض لما بعد فترات التصعيد والحروب والاستعداد للجولات القادمة، لكنها في المشهد الراهن يشكلان عائقاً أمام العودة التدريجية للأهالي إلى حياتهم الطبيعية سواء في قطاع غزة أو جنوب لبنان، حيث تربط الولايات المتحدة ملف إعادة الإعمار بتسليمهما سلاحهما وتفكيك بنيتهما العسكرية، وفي هذه الحالة، إلى جانب الضرر الشعبي العام، فإن الضرر يطال حاضنة الطرفين الاجتماعية التي تفككت بفعل الحرب، حيث تغيرت البيئة الاجتماعية والجغرافية التي كانت توفر لهما معاقل وشبكات دعم اجتماعية وعسكرية، على سبيل المثال شكلت الشجاعية أحد أبرز معاقل حماس الاجتماعية والعسكرية، وتشير الإحصائيات إلى أن تعداد سُكانها قبل الحرب تراوح بين 100 و120 ألف نسمة، وبحلول نوفمبر 2024 كان أكثر من 80% من سكانها قد نزحوا منها، حتى أصبحت منطقة "شبه خالية"، لا يقطنها حالياً سوى أقل من 50 عائلة. الأمر ذاته بالنسبة لمخيم جباليا، الذي يعتبر من أهم البيئات التقليدية لحماس، ومنه خرج معظم قادتها وكوادرها، فقد تضرر نسيجه العمراني ودُمر بشكل كامل حوالي 70% من مبانيه وبنيته المدنية حتى مايو 2024، بما يفوق الضرر في أي منطقة أخرى من القطاع.

صورة-داخلية-٢.jpg

الرفض الإسرائيلي: والخيط الرفيع بين الحرب والمفاوضات

رفضت الحكومة الإسرائيلية خارطة الطريق، حيث تتمسك بسحب السلاح قبل الانسحاب سواء التدريجي أم الكامل. وبينما لا تزال إسرائيل تمنح الأولوية للترتيبات الأمنية، إلا أنها في الوقت نفسه تبحث عن صيغ لتخفيف الأعباء العسكرية خاصة مع تعدد الجبهات ومخاطر تحولها إلى ساحات استنزاف طويلة الأمد. ففي قطاع غزة تُواجه إسرائيل تحديات من جهة الفجوة ما بين تصوراتها لليوم التالي والواقع الميداني في القطاع، وسط ضبابية في ترتيبات الحُكم والإدارة والقوات الدولية المكلفة بحفظ الأمن ونزع السلاح، وهو ما يُبقي الجيش الإسرائيلي في حالة انتشار دائم في المناطق خارج الخط الأصفر، حيث تعمل فرقتان داخل غزة وهما "فرق غزة 143" و"الفرقة 99 المشاة الاحتياطية"، مع تناوب وحدات أخرى. ومع تعدد الجبهات في جنوب لبنان وجنوب سوريا، يتسع نطاق الالتزامات العسكرية الإسرائيلية فوفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) ارتفع الإنفاق العسكري الإسرائيلي من 5.4% عام 2022 إلى 8.8% عام 2024. ويُلقي ذلك بأعباء كبيرة على المؤشرات الاقتصادية، فوفقاً لبنك إسرائيل ارتفع الدين العام من 61.5% من الناتج المحلي الإجمالي أواخر 2023 إلى 86.5% أواخر العام 2025، ونتيجة الاستدعاء المُستمر لنحو 360 ألف جندي احتياط، ويؤدي التعطل عن العمل أسبوعيًا إلى فقدان ما يعادل 6% من الناتج المحلي الأسبوعي.

من جهة أخرى، تتزايد الفجوة بين تصورات اليوم التالي لإسرائيل، والتصورات الأمريكية، إذ تضغط الإدارة الأمريكية للدفع بتنفيذ خارطة الطريق، ووفقاً "لهيئة البث الإسرائيلية"، تضغط واشنطن على إسرائيل لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين في القطاع لبدء تنفيذ خطة نزع سلاح حركة حماس وسط معارضة الحكومة الإسرائيلية، ويتجسد الخلاف المركزي بين الدولتين في آلية نزع السلاح، حيث تطالب واشنطن بآلية تدريجية وقابلة للتحقق لنزع السلاح بالتوازي مع انسحاب مرحلي إسرائيلي، فيما تتمسك الحكومة الإسرائيلية بنزع سلاح الحركة كاملاً قبل انسحاب إسرائيل. إضافة إلى ذلك؛ تدفع واشنطن إلى البدء بترتيبات "اليوم التالي" مثل تشكيل حكومة فلسطينية تكنوقراطية، وصياغة ترتيبات دولية للأمن وإعادة الإعمار، وتشكيل قوة استقرار دولية للمساعدة في الأمن والتدريب وتوزيع المساعدات، فيما تتمسك إسرائيل بسيطرتها الأمنية المباشرة، ففي حين كان الجيش الإسرائيلي يُسيطر على نحو 64% من القطاع، وجهت الحكومة في أواخر مايو 2026 الجيش لتوسيع نطاق السيطرة لتشمل حوالي 70% من مساحة غزة.

في موازاة ذلك، يبدو أن لدى إسرائيل ثلاثة اعتبارات رئيسية: يتمثل الأول في الحفاظ على انتشارها العسكري وتشكيل مناطق عازلة توسعت مع امتداد الحرب إلى عُمق أمني ولو بصورة مؤقتة، لضمان عدم إعادة تشكل التهديد قبل اكتمال ترتيبات نزع السلاح، وثانياً، الحفاظ على مساحة لاستقلالية القرار الأمني والعسكري، من دون الوصول إلى نقطة تضطر فيها الولايات المتحدة إلى فرض تسوية عليها أو تحويل الخلاف إلى ضغط استراتيجي مباشر، وثالثاً، صياغة مسار يضمن ألا يتحول الانتشار العسكري إلى حرب استنزاف طويلة الأمد إذ إن وجود قوات إسرائيلية داخل "بيئات معادية" من دون حسم نهائي يمكن أن يحول التفوق العسكري الإسرائيلي إلى استنزاف تراكمي.

صورة-داخلية-٣.jpg

ولذلك، تتبع إسرائيل نمطاً مُركباً، يدمج بين المسارين التفاوضي والعملياتي، حيث تحظى بحريتها العملياتية من جهة وتُبقي كل من حزب الله وحماس داخل المسار التفاوضي الذي يحتاجان إليه بشدة، وذلك يمنح إسرائيل أيضاً مُبرراً لاستمرار انتشارها العسكري إلى حين استكمال الترتيبات الأمنية والسياسية، وبهذا المعنى تُدير إسرائيل المشهد ضمن الخط الرفيع الفاصل ما بين الحرب والتسوية، حيث لا ترغب في تجدد الحرب بوتيرتها السابقة، ولا في نجاح المفاوضات في الوصول إلى ترتيبات والتزامات غير قابلة للعكس، ولهذا تطرح إسرائيل تعقيدات مُتغيرة في كل مرحلة من مراحل التفاوض، فمعالجة عقدة نزع السلاح قد تفتح نقاشًا حول آليات التحقق، ثم حول القوة الدولية، ثم حول الشرطة والأمن، ثم حول الحدود ومناطق الانتشار؛ بما يسمح بجعل عملية التفاوض طويلة الأمد، وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من حيث إنها تضمن لها في الوقت نفسه التأثير على التصور الأمريكي "لليوم التالي" مع البقاء ضمنه في الوقت نفسه، إذ تُبدي تحفظاتها على التفاصيل الدقيقة والصغيرة وليس على الصيغ الأكبر التي تطرحها واشنطن، ما يُبقي الخلافات بينهما قابلة للاحتواء ويمنع امتدادها وانتقالها إلى الشؤون الاستراتيجية.

وهُنا، تستفيد حركة حماس من هذه المُقاربة الإسرائيلية، بالنسبة إليها فإن إطالة أمد التفاوض يُبقي على سلاحها ونفوذها داخل الخط الأصفر، ويمنحها الشرعية لمواجهة الفصائل المسلحة المناهضة لها، ويحول الضغوط المحلية المفروضة عليها نحو لجنة إدارة غزة، ويجعل الانتقال الى الخُطوة التالية معتمداً على طبيعة الرد الإسرائيلي، أما إسرائيل فذلك يُتيح لها الحفاظ على الانقسام الجغرافي والإداري الفلسطيني ويُعقد المطالب الدولية الداعية لإعادة السلطة الفلسطينية إلى حُكم القطاع.

وأخيراً؛ لا يزال سيناريو الجمود الميداني والمفاوضات اللاتوافقية وطويلة الأمد هو الذي يحكم مشهد قطاع غزة، حيث تستفيد حركة حماس من ذلك بالحفاظ على نفوذها داخل الخط الأصفر وتوجيه تركيزها العسكري على الفصائل والمليشيات المسلحة، في المقابل تبقى إسرائيل من انتشارها العسكري خارج الخط الأصفر، وتضمن ببقاء حماس مانعاً فلسطينياً داخلياً دون مطالبة المجتمع الدولي بتأهيل السلطة الفلسطينية لتوحيد الضفة والقطاع إداريا.

ستراتيجيكس

فريق تحليل السياسات