المناطق التجريبية في جنوب لبنان: اختبار للميدان واستراتيجية حزب الله للمناورة

تمثل المناطق التجريبية اختبارًا لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها وحصر السلاح وتعزيز دور الجيش في جنوب لبنان مُقابل انسحاب الجيش الإسرائيلي، بالتوازي مع ذلك تُعتبر اختباراً لقدرة حزب الله على التكيف والمناورة ضمن المعادلة الأمنية الجديدة، وسط ذلك تُواجه التجربة تحديات جوهرية في التحول إلى ترتيبات ميدانية وواقع أمني مستدام.

الكاتب ستراتيجيكس
  • تاريخ النشر – ٣٠‏/٠٨‏/٢٠٢٦

ظهر مفهوم "المناطق التجريبية" كأحدث تطبيقات عمليات حصر السلاح في لبنان، لتُشكل اختباراً عملياتياً وعسكرياً لترتيبات الأمن والسيادة في البلاد، حيث يسعى الإطار الثلاثي (الحكومة اللبنانية والولايات المتحدة وإسرائيل) لفرض معادلة جديدة لتحييد البنى التحتية العسكرية لحزب الله وتجريده من المبادرة بقراري الحرب والسلم، في وقت يجد الحزب نفسه أمام تحدي وجودي لاختبار قدرته على المناورة وتكييف شبكاته اللوجستية، والاعتماد على الخلايا المرنة لتقليل أثر "المناطق التجريبية". وعليه تٌنذر المرحلة القادمة بمحاولة حزب الله تطبيق معادلة اشتباك جديدة تهدف إلى تقويض شرعية الحكومة والمسار التفاوضي الجاري في روما.

سياق المناطق التجريبية ومفهومها وآليات تطبيقها

أعلنت الولايات المتحدة في 29 يونيو 2026 عن رعايتها اتفاق إطاري بين لبنان وإسرائيل، يستند في جوهره على ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح الجماعات المسلحة وفي مقدمتها حزب الله وتفكيك بنيته التحتية، حيث يتولى الجيش اللبناني تدريجياً المسؤولية الأمنية الكاملة في مناطق تجريبية من جنوب لبنان على أن تنسحب القوات الإسرائيلية بصورة مرحلية ومتحقق منها عند نجاح عمليات نزع السلاح في المناطق التجريبية، ويتضمن الاتفاق تأكيداً على احتكار الدولة للسلاح وامتلاك الحكومة وحدها قراري الحرب والسلم، فيما تُعلن إسرائيل عدم امتلاكها مطالب أو أطماع في لبنان، مع إنشاء مجموعة للتنسيق العسكري بمشاركة من القيادة الوسطى الأمريكية وآليات للتحقق من التنفيذ. ويربط الاتفاق بين التقدم في التنفيذ وبناء القدرات العسكرية للجيش اللبناني بدعم أمريكي، بالتوازي مع تقديم دعم دولي لإعادة إعمار لبنان وإصلاح بنيته التحتية ودعم اقتصاده. وفي الجانب السياسي من الاتفاق؛ ينص على إنشاء مجموعات عمل ومسارات اتصال مباشرة تمهيداً لاتفاق شامل للسلام والأمن، مع بحث الملفات الأخرى مثل المحتجزين والرفات.

المناطق-التجريبية-في-جنوب-لبنان-اختبار-للميدان-واستراتيجية-حزب-الله-للمناورة-in-2.jpg

وجاء الاتفاق الإطاري في سياق الحرب الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة ضد إيران في 28 فبراير 2026، وفتح حزب الله جبهة إسناد في 2 مارس، في تجدد للتصعيد بين إسرائيل وحزب الله منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024، وهو ما دفع الدولة اللبنانية لمحاولة في 2 مارس، لحظر فوري على كامل نشاطات الحزب الأمنية والعسكرية. وبالرغم من دخول الهدنة الأمريكية-الإيرانية الأولى حيز التنفيذ في 8 أبريل، رفضت إسرائيل ربط الساحة اللبنانية بالمسار التفاوضي الأمريكي-الإيراني، وبناء على ذلك استضافت واشنطن في 14 أبريل مساراً تفاوضياً مباشراً بين لبنان وإسرائيل يستند على مُقترح قدمه الرئيس اللبناني جوزيف عون في 9 مارس، يفصل بين المسارين اللبناني والإيراني، ويعالج مسائل الانسحاب الإسرائيلي وحصر السلاح، والذي وافقت عليه إسرائيل وقاد هذا المسار إلى التوصل للاتفاق الإطار بعد خمس جولات من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن وروما والتي استمرت منذ منتصف أبريل 2026 حتى أواخر يونيو من العام نفسه.

وفي الواقع؛ تُوضح خريطة المناطق التجريبية، تشكيلها نطاقاً جغرافياً واحداً حيث البلدات الثلاث تقع على ضفتي نهر الليطاني، بالرغم من عدم وقوعها في نطاق إداري واحد، حيث زوطر الغربية تقع في قضاء النبطية، بينما تقع فرون في قضاء بنت جبيل، وصريفا في قضاء صور، ويُلاحظ أن المناطق الثلاث مُحاذية تقريباً لمناطق عُرفت تقليدياً بأنها معاقل لحزب الله (النبطية وبنت جبيل تحديداً)، وبينما تقع كُل من فرون وصريفا جنوب الليطاني، فإن زوطر الغربية تقع على ضفته الشمالية، ما يُشير أن الاتفاق الإطاري تجاوز القرار 1701 الذي لطالما حاول حزب الله حصر تطبيقه في جنوب نهر الليطاني. من جهة أخرى؛ تمثل كل بلدة من البلدات الثلاث حالة أمنية مختلفة، ففي حالة زوطر الغربية، انسحب الجيش الإسرائيلي إلى أطرافها بعد تمشيطها وتسليمها إلى الجيش اللبناني، فيما فرون وصريفا فقد كانت قبل الاتفاق جزءاً من المناطق التي انتشر فيها الجيش اللبناني ما يعني أن المسار العملياتي فيهما يختلف عن ذلك المطبق في زوطر الغربية. إضافة إلى ذلك يقع الجزء الشرقي من بلدة زوطر ضمن الخط الأصفر الذي استحدثه الجيش الإسرائيلي لترسيم المنطقة العازلة ويضم حوالي 62 قرية ومزرعة لبنانية، ويمتد من بلدة الخيام شرقاً، مروراً ببلدات الطيبة وبنت جبيل في القطاع الأوسط، وصولاً إلى رأس البياضة والساحل غرباً، أما فرون وصريفا تقعان خارج المنطقة العازلة الإسرائيلية، وذلك وفقاً لتحليل مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED).

وعليه؛ يبدو أن المناطق التجريبية، تُواجه تحديات هيكلية، حيث المناطق التجريبية ليست متساوية القيمة، إذ تختبر زوطر المعادلة كاملة، من جهة انتقال السيطرة من إسرائيل إلى الجيش اللبناني، بينما فرون وصريفا، تختبر بدرجة أكبر قدرة الجيش اللبناني على تثبيت السيطرة والتحقق من خلو المنطقة من البنية التحتية العسكرية. من جهة أخرى تختلف البلدات الثلاث في سياقها العملياتي، فقد سبق الانسحاب الإسرائيلي من زوطر الغربية عمليات تمشيط واسعة شملت كافة المرافق لا سيما المدنية منها، فيما يُواجه الجيش اللبناني إشكاليات قانونية وسياسية واجتماعية في تفتيش الممتلكات الخاصة.

[جنوب٢٢.jpg

وسط كُل ذلك؛ يُواجه الجيش اللبناني تحدياً في كيفية التعامل مع مقاتلي حزب الله في مناطق انتشاره، وحيث تُشير بيانات المصادر المفتوحة، أن مقاتلي وعناصر حزب الله لا يزالون ينشطون ويتحركون داخل البلدات الثلاث، فإن ذلك يعني ان المناطق التجريبية ليس ميدانياً قتالياً يستطيع الجيش فيه استهداف أي مسلحين أو اعتقالهم بعكس ما تفعل إسرائيل.

ولعل حجم هذه التحديات تجلى في إبلاغ إسرائيل واشنطن بفشل تجربة "المناطق التجريبية" في أواخر أغسطس 2026، وعودة الجيش الإسرائيلي في 30 أغسطس للتوغل باتجاه بلدة زوطر الغربية. في تطور يعكس هشاشة الترتيبات الأمنية والميدانية التي أُقيمت عليها هذه المقاربة. مع ذلك تتمسك الولايات المتحدة بالتجربة باعتبارها المسار الأكثر واقعية لإرساء الاستقرار في جنوب لبنان، ومن هُنا تُفسر الرسالة واختيار تمريرها إلى واشنطن عبر قناة أمنية باعتبارها تحذيراً أكثر من كونها إعلاناً نهائياً بفشل وتعثر التجربة، حيث تُريد إسرائيل على ما يبدو مشاركة تقييمها مع الجهة الأميركية المعنية بالوساطة، بما يعيد التفاوض على آليات تنفيذ التفاهمات وضمانات تطبيقها على الأرض لتتناسب مع طبيعة البنية العسكرية لحزب الله في الجولة الثامنة من مفاوضات روما المقررة مطلع سبتمبر.

تحديات رصد وكشف البنى التحتية العسكرية لحزب الله

ضمان خلو المناطق التجريبية من البنية التحتية لحزب الله لا يشكل بالضرورة ضمانة بعدم عودة الحزب للانتشار في تلك المناطق أو عدم حيازته بنية عسكرية غير مكتشفة فيها، فبعد اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024، والذي نص على أن تكون المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي مظاهر تسلح وبنى تحتية عسكرية غير نظامية أو غير تابعة لليونيفيل، ونتيجة لذلك سارع الجيش اللبناني إلى محاولة الانتشار عسكرياً في مناطق جنوب لبنان وخاصة في القرى والبلدات المحسوبة تقليدياً على حزب الله،  وخلالها نشر الجيش حوالي 10 آلاف عسكري، وأقام 200 موقع عسكري و29 نقطة تفتيش ثابتة، وحتى يونيو 2025، أعلن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام أن الجيش فكك أكثر من 500 موقع ومنشأة عسكرية ومستودع أسلحة جنوب الليطاني. وفي أغسطس 2025، أقرت الحكومة اللبنانية خطة للجيش من خمس مراحل لحصر السلاح بيد الدولة، تبدأ من جنوب الليطاني وتتوسع شمالاً وصولاً إلى حصره على المستوى الوطني، وفي نوفمبر من العام نفسه قدم الجيش خطته التشغيلية المعروفة بـ "درع الوطن"، وفي 8 يناير 2026 أغلن تحقيق أهداف المرحلة الأولى.

جنوب-لبنان-داخلية٣.jpg

مع ذلك؛ عندما اندلعت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة ضد إيران في 28 فبراير 2026، عاد حزب الله سريعاً للعودة إلى القتال في جنوب لبنان في 2 مارس، وبالرغم من اعتماد الحب على استخدام الصواريخ المسيرة والطائرات الانقضاضية، إلا أن محاور القتال بين الطرفين شملت قطاعات واسعة من جنوب لبنان، لا سيما عند الحافة الأمامية للحدود في قرى مثل عيتا الشعب والعدسية والطيبة، وهو ما فع الجيش الإسرائيلي إلى توسيع توغله لنحو 10 كيلو مترات داخل الأراضي اللبنانية، وعليه فإن محاولات حصر السلاح جغرافياً لم تُحقق عملياً احتكار الدول لقرار الحرب من جهة، ولم تُثني حزب الله عن العودة إلى الانتشار بالرغم من الوجود العسكري المكثف للجيش اللبناني وقوات اليونيفيل والانتشار العسكري الإسرائيلي في المنطقة العازلة الممتدة حتى 5 كيلو متر في الأراضي اللبنانية،فضلاً عن عمليات الرقابة والرصد والنشاط الاستخباراتي البشري والإلكتروني والتقني المتواصل في تلك المنطقة.

في الواقع؛ تُعقد بُنية حزب الله العسكرية من قُدرة الأطراف على رصدها وتحييدها، حيث غياب المؤشرات عن نشاطه العسكري لا يعني بالضرورة غياب قدرته العسكرية، حيث عمل على مدى عقود إلى إخفاء بُنيته وتعقيد رصدها، من خلال اعتماده على شبكة أنفاق ومنشآت تحت الأرض، وغالباً ما تكون مموهة بأراضي زراعية أو بنى مدنية، وقد وثقت اليونيفيل في الفترة بين فبراير-يونيو 2025 اكتشافها 67 نفقاً ومنشأة تحت الأرض، فيما أشارت إلى أن بعض الأنفاق تتطلب خبرة تقنية للدخول إليها وفحصها. من جهة أخرى؛ يعتمد الحزب على نقاط التخزين الصغيرة بدلاً من مستودعات السلاح الكبيرة، ما يجعل من اكتشاف شبكة التخزين كاملة مسألة معقدة، وفي الأشهر الثلاث الأولى لوقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 أعلنت اليونيفيل اكتشاف ما يزيد عن 160 مخبأ سلاح، ويزداد التعقيد في رصد واكتشاف منصات إطلاق الصواريخ غير الثابتة، والتي تتنقل بشكل مستمر، فبالرغم من إعلان الجيش اللبناني مصادرة 579 منصة إطلاق صواريخ بين ديسمبر 2024 وفبراير 2026، ضل الحزب قادراً على إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل في التصعيد اللاحق من مارس 2026.

ولعل الأكثر أهمية أن عمليات مصادرة السلاح تعتمد بشكل أساسي على المعلومات الاستخباراتية، فمن غير الممكن عملياً إجراء تفتيش على مساحة تزيد عن 850 كيلو متر مربع وهي المساحة التي تضمنتها المرحلة الأولى من خطة الجيش سابقة الذكر. بالتوازي تستمر إيران في محاولة تزويد الحزب بالسلاح، حيث تتواتر التقارير الأمنية التي تكشف عن محاولات لتهريب السلاح إلى حزب الله من الأراضي العراقية إلى لبنان مروراً بسوريا.

هامش حزب الله للمناورة في مواجهة الترتيبات القائمة

لا يبدو أن المناطق التجريبية قادرة على حسم مسألة السلاح، إذ لا يزال الحزب يرفض تسليم سلاحه، فيما تربط إسرائيل تحقيق ذلك بانسحابها، والمُتغير الرئيس في مُعادلة المناطق التجريبية أن حزب الله أصبح خارج المسار التفاوضي والميداني للترتيبات القائمة، ففي حين كان الحزب جزءاً من اتفاق نوفمبر 2024، وكان يعتقد أن يكون مسار حصر السلاح تفاوضياً بينه وبين الدولة، فإن قدرته الحالية على التأثير في ذلك تبدو محصورة في الجانبين العسكري وفي محاولاته تقويض شرعية الحكومة وقدرتها على العمل ضمن سياق وطني جامع. ففي حين أن مسار المناطق التجريبية يتوسع ميدانياً لا يزال الحزب يُواصل شن عملياته، ففي 15 أغسطس قال الجيش الإسرائيلي أن 3 جنود إسرائيليين أصيبوا بجروح في هجوم لحزب الله في منطقة علي الطاهر في جنوب لبنان، والذي ردت عليه إسرائيل بهجوم هو الأوسع منذ توقيع الاتفاق الإطاري شمل استهداف مقر مركزي للحزب في منطقة أنصار جنوبي لبنان ما أدى إلى اغتيال القائد في قوة الرضوان علي مسير حسن.

في الواقع؛ لم يعد حزب الله يهدف من خلال استدامة التصعيد إلى تغيير الواقع الميداني بينه وبين إسرائيل في الجنوب، أو استعادة الردع وفق المُعادلة التي حكمت قواعد الاشتباك بينهما سابقاً، بقدر ما يسعى إلى تثبيت مُعادلة داخلية تقوم على إفشال المسار الدبلوماسي الذي تسير فيه الحكومة اللبنانية وإسرائيل برعاية أمريكية. ففي السابق؛ ارتبط الانتشار والتصعيد الإسرائيلي إلى جانب الواقع الإنساني الصعب لسُكان القرى والبلدات الجنوبية، بالنتائج العكسية للمواجهات العسكرية بين الحزب وإسرائيل ومشاركته في "جبهات الإسناد"، فبعد الضربات الإسرائيلية الحاسمة ضد هيكل الحزب القيادي وافق الحزب على اتفاق نوفمبر الذي يمنح إسرائيل حرية عملياتية في لبنان، ولم يُعالج مسألة المنطقة الحدودية العازلة. علاوة على ذلك؛ أفضى تصعيد الحزب بعد مارس 2026 إلى اتساع الانتشار العسكري الإسرائيلي وتدمير جزء من البنى المدنية والحيوية في الجنوب وارتفاع الكلف الإنسانية والاجتماعية. وبناء على ذلك؛ يحاول الحزب إلى عكس السردية التي تبنتها الحكومة والمعارضين له تجاه نتائج الحرب، من خلال إثبات أن المسار الدبلوماسي الموازي لا يوفر للبنان مكاسب سيادية أكبر من تلك التي عجز سلاحه عن تحقيقها، وقد عبر الأمين العام للحزب نعيم قاسم عن هذا الموقف في 4 أغسطس 2026، مدعياً أن المفاوضات المباشرة لم تحقق للبنان إلا التنازلات الميدانية"، وهو ما دفع رئيس الوزراء نواف سلام إلى الرد بأن "حروب الإسناد العبثية قدمت العون الأكبر لإسرائيل ومنحتها الذرائع لتدمير لبنان.

من جهة أخرى؛ يربط الحزب بحث مُستقبل سلاحه بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ويأتي ذلك في مواجهة المسار التفاوضي الذي يربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بانتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح الحزب، وبذلك يُحاول الحزب نقل مركز الصراع من تراجعه الميداني إلى قدرته على مواجهة الخطاب والإجراءات الحكومية، وهذه المُقاربة تبدو مُتصلة بمسار أوسع لأطراف "وحدة الساحات" حيث تتكرر بصيغ مختلفة في ملفات إقليمية أخرى؛ إذ تربط حركة حماس تسليم سلاحها بالانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، مُقابل تمسك إسرائيل بالانسحاب التدريجي من الخط الأصفر إلى الحدود بتقدم عملية سحب السلاح، فيما تربط الفصائل العراقية مسألة السلاح بمستقبل الوجود العسكري الأمريكي، وفي الحالات الثلاث تظهر الإشكالية نفسها: كل طرف يحاول دعل التزام الآخر شرطاً مسبقاً لتنفيذ التزامه، بما يُحول المسألة إلى عقدة تفاوضية وميدانية قابلة لإطالة أمد الصراع.

وأخيراً؛ يرتبط نجاح المناطق التجريبية في الوصول إلى مرحلة استقرار في ميدان تطبيقه، في المقابل يسعى حزب الله إلى خلق واقع ميداني معقد وغير قابل للتنبؤ به، من خلال استدامة التصعيد المنضبط، الذي يعقد المسار التفاوضي من جهة، ويضع الحكومة اللبنانية أمام سؤال الإنجاز، ولذلك فإن نجاح المسار التفاوضي الثلاثي ما ينبثق عنه من إجراءات يعتمد على سرعة تنفيذه وضمان استدامته وفهم الكيفية التي يحاول بها حزب الله التأثير به، من دون ذلك؛ فإن تعثر التجربة قد يُصبح هو السمة البارزة للاتفاق، ورُبما تُصبح البلدات الثلاث وتحديداً زوطر الغربية منطقة رمادية حيث ينتشر بها الجيش اللبناني، ويتوغل نحوها الجيش الإسرائيلي ما يضع الطرفين في خطر الاشتباك غير المحسوب أو يضع الجيش اللبناني في مساءلة محلية لا سيما مع أهالي جنوب لبنان حيث يسعى لبسط سيطرته.

ستراتيجيكس

فريق تحليل السياسات