*تُعبر هذه الدراسة عن وجهة نظر كاتبها، ولا يتحمل مركز ستراتيجيكس أي مسؤولية ناتجة عن موقف أو رأي كاتبها بشأن القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخرى، ولا تعكس بالضرورة موقف و/أو وجهة نظر المركز.
التهديدات الشبكية الإيرانية لنقاط الاختناق وحدود الاستجابة الدفاعية
تتجه إيران إلى توسيع توظيف نقاط الاختناق البحرية، وفي مقدمتها مضيقا هرمز وباب المندب، كأدوات للضغط السياسي والعسكري وفرض ترتيبات ميدانية جديدة على حركة الملاحة، بالتوازي مع تصاعد دور الحرس الثوري واتساع نطاق التهديدات الإقليمية. وفي المقابل، تتشكل استجابة أمريكية وأوروبية وإقليمية تتراوح بين الردع العسكري والتأمين الدفاعي للممرات البحرية، وسط مخاطر اتساع المواجهة إلى مسارح أخرى. ويظل احتواء التصعيد مرهونًا بتحقيق توازن بين الردع الفعال وتجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة.
الكاتب عبد الملك حسين عامر ومحمد نبيل البنداري
- تاريخ النشر – ١٦/٠٨/٢٠٢٦
تشهد البيئة الأمنية في الخليج العربي والبحر الأحمر تحولات متسارعة في ظل سعي إيران إلى توظيف الممرات البحرية الاستراتيجية كأداة لفرض وقائع جيوسياسية جديدة، بما يفرض تحديات متزايدة على حرية الملاحة وأمن التجارة والطاقة العالميين. وفي هذا السياق، تتناول هذه الورقة تحليل الاستراتيجية الإيرانية في مضيق هرمز وباب المندب، والاستجابة الإقليمية والدولية لتهديداتها، وتقييم فاعلية التحالفات البحرية الجاري تشكيلها في مواجهة إيران ووكلائها.
الحرس الثوري: الانتقال من التهديد إلى فرض الأمر الواقع
تنتقل إيران من مرحلة التهديد بإغلاق مضيق هرمز إلى مرحلة جديدة تحاول خلالها فرض أمر واقع جديد في المضيق الدولي. وذلك عبر إعادة تعريف قواعد إدارته من خلال إنشاء آليات رقابية وإدارية تفرض على السُفن العابرة تصاريح ورسوم وآليات تفتيش متعددة. وفي هذا السياق؛ برزت مجموعة من الممارسات الإيرانية -غير الشرعية- للسيطرة الفعلية على المضيق، ففي 18 مايو 2026 أعلنت إيران عن إنشاء هيئة جديدة لإدارة المضيق، باسم "هيئة مضيق الخليج الفارسي"، والتي تتبع إدارياً للقوات البحرية التابعة للحرس الثوري. وفي 19 مايو حددت الهيئة، المنطقة البحرية الخاضعة لسيطرتها من المضيق، بخط يبدأ من المدخل الشرقي للمضيق عند "جبل مبارك" في إيران، وصولاً إلى المدخل الغربي عند أطراف جزيرة قشم. بالتوازي مع ذلك؛ ذكرت تقارير إيرانية أن وزارة الشؤون الاقتصادية والمالية الإيرانية أنشئت منصة إلكترونية باسم "هرمز سيف" لاستيفاء رسوم السُفن العابرة بالعملات المشفرة. كما رفضت إيران في 29 يوليو المقترح الذي قدمته سلطنة عُمان بشأن الإدارة الإقليمية للمضيق والذي يتشابه إلى حد كبير مع آلية التعاون الإقليمية في إدارة مضيق ملقا، ويستند إلى المادة 43 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
في الواقع؛ يُعد الحرس الثوري وقواته البحرية؛ الفاعل العسكري والميداني والإداري الأبرز الذي يتولى ملف المضيق في إيران، فقد ألزم السفن بالتنسيق المباشر مع وحداته البحرية عبر قناة النداء الدولي VHF 16، للحصول على تعليمات العبور أو إذن المرور، ومن المُلاحظ أن بياناته قد انتقلت مؤخراً من التلويح بالقوة وممارسة التهديد والاعتداءات بتأكيد إغلاق المضيق، إلى استخدام القوة لفرض قواعد ملاحية وآليات تنظيمية جديدة، إذ لم يعد يُعلن عن منع المرور وإنما السماح به وفق النظام الذي يُحدده. وهو خطاب يسعى من خلاله الحرس الثوري إلى تأكيد سيطرته الفعلية على المضيق وترسيخه كأمر واقع، ويبدو المثال الأكثر وضوحاً على ذلك، عندما أعلنت سلطنة عُمان ممراً مؤقتاً للسفن عبر المضيق رفض الحرس الثوري هذا المسار وقال إن السُفن يجب أن تستخدم المسارات التي أعلنتها إيران، وأن العبور بأي مسارات أخرى غير مُصرح بها يُعتبر غير قانوني وخطير.
من الناحية التحليلية؛ حيث غالباً ما يُنظر إلى التطورات في مضيق هرمز من جهة تداعياتها الإقليمية والدولية خاصة الاقتصادية منها، واستخدامها من قبل إيران لرفع كُلف التصعيد على الولايات المتحدة، إلا إن التطورات الأخيرة كشفت أبعاد أخرى للتحركات الإيرانية في المضيق، حيث يستخدم الحرس الثوري المضيق لإحكام نفوذه وسيطرته على البلاد، إذ يمنح ارتباطاته الرئيسي بالمنصات الناظمة للعبور مثل "هرمز سيف" وهيئة مضيق الخليج الفارسي"، هيمنة غير مسبوقة على مفاصل الاقتصاد الإيراني ومصادر العُملة الصعبة والرقمية، ويتيح له سيطرة ميدانية كاملة على أحد أهم الأصول، وأهمية ذلك تأتي في ظل اتساع الفجوة بين الحرس الثوري والمستوى التنفيذي، والتنافس الكامن بينهما بين من يسعى لتعزيز المسار التفاوضي وتحصيل نتائجه وبين الحرس الثوري الذي يسعى لتوظيف الحرب في توسيع دوره الداخلي على حساب المؤسسة السياسية، إذ يشهد النظام الإيراني تحولا من الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين، إلى الصراع بين المؤسسات وخاصة بين الحرس الثوري الأقرب إلى خط المرشد السابق علي خامنئي، وبين مؤسسة الرئاسة والبرلمان الأقرب إلى التحذير من تداعيات الحرب وكلف الحصار على النظام والدولة. وقد تكرر التناقض والصراع في حادثة منشور وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي أعلن عبر منصة "إكس" في أبريل 2026 عن فتح مضيق هرمز ما أثار رد فعل من الحرس الثوري، الذي اعتبر أنها قضية تخصه وليست من اختصاص وزارة الخارجية.
طبيعة الاستجابة الأمريكية لمواجهة الأمر الواقع
إلى جانب العمليات العسكرية طويلة الأمد، والمُتزامنة مع جولات مفاوضات مُتقطعة، تتعامل الولايات المتحدة مع إجراءات الحرس الثوري في مضيق هرمز كاستجابة مُباشرة لتقويض قُدرة إيران على استدامة الوضع الراهن في مضيق هرمز. وذلك من خلال التحرك عبر ثلاثة مسارات مُتوازنة ومترابطة من الجاهزية العملياتية والتضييق الاقتصادي والرد العسكري الميداني.
ففي 29 يوليو 2026، فرضت واشنطن عقوبات على الكيانات الإيرانية المستحدثة لإدارة المضيق، وفي مقدمتها "هرمز سيف" وهيئة مضيق "الخليج الفارسي" إلى جانب استهداف شبكات وشركات "أسطول الظل الإيراني" المتورطة في تهريب النفط إلى الصين لتضييق الخناق الاقتصادي على إيران في ظل مُواصلة الجيش الأمريكي فرض حصار بحري صارم منذ استئنافه في 14 يوليو 2026، إثر انهيار وقف إطلاق النار المؤقت وتجدد التصعيد.
إضافة إلى ذلك، تستمر الولايات المتحدة في شن هجمات وضربات جوية ضد مصادر التهديد الإيرانية لحرية الملاحة في المضيق، وغالباً ما تتبع الهجمات نمطين من العمليات؛ يتمثل الأول في تنفيذ الضربات الدقيقة ضد مواقع الرادارات الساحلية، محطات التوجيه الأرضي، وأنظمة "الدفاع الجوي الإيرانية" القريبة من مضيق هرمز. أما الثاني فيتصل بعميات الرصد الاستخباراتي والإنذار المبكر للتهديدات من قبل الأسطول الأمريكي ومحطات المراقبة وطائرات الدوريات البحرية مثل P-8 Poseidon، والاستجابة الفورية بمجرد رصد أي تهديد إيراني موجه ضد السفن التجارية سواء عبر الضربات الجوية أو نيران البوارج الأمريكية لتدمير الأهداف البحرية مثل الزوارق المسلحة السريعة أو محاولات زرع الألغام البحرية في استباق لتنفيذ هجماتها. إلى جانب توفير مرافقة بحرية مباشرة لحمايتها من الاعتداءات الإيرانية، وتؤدي وحدتي المشاة البحرية الاستكشافيتين الحادية عشرة والحادية والثلاثين، اللتان تم نشرهما في مارس 2026 رأس الحربة في عمليات الاستجابة الطارئة للسفن التجارية وكذلك في عمليات مداهمة وتفتيش السفن الإيرانية التي تخترق الحصار.
إلى جانب ذلك؛ تؤكد القيادة المركزية الأمريكية جاهزيتها لتنفيذ حملة عسكرية مكثفة قد تمتد لأسبوع وأسبوعين بهدف شل القدرات الصاروخية الإيرانية وتحييد التهديدات على حرية الملاحة في المضيق. ويقترن ذلك بإصدار السفارات الأمريكية في المنطقة، في 1 أغسطس 2026، تنبيهات أمنية متزامنة لرعاياها، تحثهم على رفع درجة اليقظة، والاستعداد لاحتمالية اضطراب حركة السفر، والنظر في مغادرة المنطقة في حال استمرار تصاعد التوترات. لكن هذا الخيار يبقى مرتبطاً بالتقدم أو الجمود في المسار التفاوضي، ففي 2 أغسطس أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تأجيل شن ضربات على إيران بعد التوصل إلى الخطوط العريضة لاتفاق ويشمل هذا الاتفاق الفتح الفوري والكامل لمضيق هرمز.

تفكيك الضغط عن هرمز: توسع نطاق المُواجهة
مع مرور الوقت، يبدو أن هامش المُناورة الإيرانية يضيق تدريجياً، حيث الضرر الناتج عن سلوكها في مضيق هرمز يرتد على مُقدراتها الاقتصادية ومواردها النفطية وخياراتها السياسية بضغوط قُصوى جراء الحصار البحري الأمريكي الآخذ بالإحكام والتوسع. وفي حين أن طهران لا تمتلك أدوات قُوة وطنية؛ اقتصادية تساعدها في مُواجهة الحصار أو عسكرية تمكنها من كسره، فمن المُهم تتبع الإجراءات الإيرانية المحتملة لخلط الأوراق على الولايات المتحدة بشكل أكثر تعقيداً. وحيث أن قُدرة وكلائها تراجعت كذلك على نحو ملحوظ في لعب دور إسناد رئيسي وتحديداً حزب الله اللبناني، وكذلك الفصائل العراقية التي تُواجه ضغوطاً محلية وإقليمية، فإن المؤشرات تتزايد عن محاولات إيرانية لنقل التوترات إلى ممرات بحرية إقليمية حيوية أخرى وفي مقدمتها مضيق باب المندب.
في هذا السياق؛ عاد الحوثيين للدخول على خط التصعيد، ففي 20 يوليو 2026 أعلنت الجماعة عن فرض حصار بحري كامل على السُفن المرتبطة بالسعودية بعد منع الأخيرة طائرة إيرانية تابعة لشركة "ماهان إير" من الهبوط في مطار صنعاء. ويأتي هذا المسار بعد لعب الحوثيين دوراً في "وحدة الساحات" منذ نوفمبر 2023 عندما أعلنوا منع مرور السُفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وحيث تحول موقف الجماعة من إسرائيل إلى السعودية، فإن الهدف على ما يبدو استدامة التهديدات لحرية الملاحة ومُفاقمة المخاطر المحيطة بنقاط الاختناق الاستراتيجي. ولا تقتصر الاستراتيجية الإيرانية على توظيف "مضيق هرمز وباب المندب"، بل باتت تستند إلى مفهوم أوسع يقوم على توسيع نطاق الضغط على شبكات التجارة العالمية عبر توزيع التهديدات على أكثر من مسرح بحري في الوقت نفسه.
وعليه؛ فمن المرجح أن تسعى طهران، في حال استمرار التصعيد وتفاقم الضغوط، أن تعمل على نقل جزء من هذه الضغوط نحو المحيط الهندي مثل استهداف جزيرة "دييغو غارسيا" ضمن أرخبيل "تشاغوسمن"، أو استهداف القواعد البريطانية في جزيرة قبرص مثل "أكروتيري وديكيليا"، خاصة بعد تحذير الحرس الثوري في 26 يوليو 2026، من أن بريطانيا ستصبح "هدفًا مشروعًا ومضمونًا" إذا دعمت الولايات المتحدة في أي حرب مع طهران، وذلك عقب إقلاع قاذفات "B-1 " الأمريكية في 22 يوليو 2026، من قاعدة "فيرفورد" في المملكة المتحدة لتنفيذ أهداف ضد إيران، كما لا يمكن استبعاد انتقال بعض أنماط التهديد بصورة غير مباشرة إلى شرق البحر الأبيض المتوسط عبر وكلائها الإقليميين أو باستخدام الطائرات المسيّرة لاستهداف البنية التحتية المرتبطة بالطاقة والموانئ، وفي ظل ما تملكه طهران وشبكة حلفائها الإقليميين من قدرات وأدوات فإن هذا السيناريو يظل وارداً وتدعمه شواهد سابقة من بينها ادعاء الحوثيين والفصائل المسلحة العراقية -بشكل مشترك- استهداف محطة "اوروت رابين" لتوليد الطاقة والواقعة على ساحل البحر المتوسط في 10 يوليو 2024، وكذلك تحذير الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في يونيو 2024 من استهداف قبرص إذا سمحت لإسرائيل باستخدام منشآتها العسكرية.
ويبدو أن جانب من هذه الاستراتيجية يستند على تحويل الصراع إلى شبكة من التهديدات عبر مسارح بحرية عدة وممرات ملاحية حيوية وذلك بهدف تشتيت الجهد والاستجابة الدولية عن مضيق هرمز، وعدم حصر الصراع في المضيق وهو الوضع الذي من شأنه أن يُبقي إيران في مُواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة ورُبما تحالف دولي مستقبلاً، كما تمنح هذه الاستراتيجية إيران هامشاً زمنياً لترسيخ ترتيباتها غير الشرعية في المضيق.
مستويات الاستجابة وحدود الردع ضد إيران
قادت أزمة مضيق هرمز إلى استجابة دولية متعددة الأطراف، إذ لم تعد تقتصر على الفاعل الأبرز، المتمثل في الولايات المتحدة، بل شملت مبادرات وتحركات أوروبية وإقليمية على حد سواء، ففي 19 مارس 2026، أصدر قادة كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وهولندا والمملكة المتحدة بيانًا مشتركًا أعربوا فيه عن "استعدادهم للمساهمة في الجهود الملائمة لضمان حرية الملاحة" في مضيق هرمز. وقد وقّعت حينها 22 دولة على هذا البيان، ومنذ أبريل 2026، تصاعد الحضور العسكري الأوروبي في المنطقة؛ إذ نشرت إيطاليا نحو 400 عنصر من القوات الجوية في دول بالمنطقة، مدعومين بمقاتلات يوروفايتر تايفون، ورادارات دفاع جوي، ومنظومات مضادة للطائرات المسيّرة، إضافة إلى تقارير تحدثت عن إرسال منظومة SAMP/T للدفاع الجوي. كما أعلنت فرنسا عن إرسال تعزيزات بحرية ضخمة شملت نحو 10 قطع حربية إضافية، بينها فرقاطات وسفن دعم. وفي مايو 2026، أعلنت باريس نشر مجموعة حاملة الطائرات "شارل ديغول" في شرق المتوسط، وفي يونيو من العام ذاته، أعلنت ألمانيا عن خطط لنشر وحدات بحرية ألمانية تشمل سفينة إمداد وقيادة وسفينة متخصصة في إزالة الألغام البحرية في شرق المتوسط والمياه المجاورة، تحسبًا لأي تكليف برلماني بتأمين مضيق هرمز وإزالة الألغام التي زرعتها إيران، كما قام الاتحاد الأوروبي، في 5 يونيو، بتعديل وتوسيع قواعد الاشتباك وتفويض عملياته البحرية، مثل "أسبيدس" و"أتالانتا"، لتبدأ في تقديم خدمات مرافقة مباشرة وتوفير الحماية لسفن الشحنات التجارية وناقلات النفط في محيط مضيق هرمز وبحر العرب، أما إقليميًا، فقد أعلنت السعودية، مطلع أغسطس 2026، تحالفًا بحريًا دفاعيًا متعدد الجنسيات بمشاركة 13 دولة، لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.

في الواقع، ثمة توافق حول طابع التحالفات والتعزيزات العسكرية، خاصة الإقليمية والأوروبية، حيث تركز جميعها على حصر المهام العسكرية ضمن الطابع الدفاعي، وتجنب الانجرار إلى العمليات العسكرية ضد إيران التي تشنها الولايات المتحدة وشاركت فيها إسرائيل.
من جهة أخرى، هناك تقاطعات بين الأهداف الأمريكية والمقاربة الأوروبية؛ إذ تسعى واشنطن إلى تفكيك القدرات العسكرية الإيرانية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والبرنامج الصاروخي الباليستي، باستخدام مزيج من القوة العسكرية المباشرة والمفاوضات. في المقابل، تتجلى نقاط التباين مع العواصم الأوروبية في طبيعة النمط العملياتي؛ ففي حين تفضل واشنطن كفة العمليات الاستباقية والضربات المباشرة ضد البنية التحتية في الداخل الإيراني، تتشبث أوروبا بالحدود الدفاعية الصارمة.
وجاءت هذه التأكيدات خلال اجتماع لوزراء خارجية الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في بروكسل، في 16 مارس 2026، حيث وجه الأوروبيون رسالة مشتركة إلى الجانب الأمريكي مفادها أن الهجوم على إيران ليس "حرب أوروبا"، وأن دول الاتحاد لن تساعد واشنطن في تأمين مضيق هرمز الذي تحاصره إيران، قد تبدو حدود القدرة الفعلية لهذه المبادرات والتحالفات محدودة في تأمين المرور عبر مضيق هرمز، أو ردع المحاولات الإيرانية لاستحداث تدابير وترتيبات ملاحية جديدة، فيما يمكن أن تُسهم في توفير مظلات حراسة ومرافقة عسكرية دفاعية مباشرة للسفن التجارية العابرة في النقاط الحيوية الممتدة من البحر الأحمر ومضيق باب المندب وصولًا إلى خليج عُمان.
مع ذلك، تتطلب الأزمة الحالية استجابة جديدة لا تقتصر على التأمين والدفاع، إذ يجب أيضًا إدراك حجم التحولات في عمليات صنع القرار الاستراتيجي والميداني في الداخل الإيراني، حيث يتراجع دور المؤسسات المدنية والخبرات الدبلوماسية التي تراكمت عبر عقود منذ ما قبل عام 2005، لصالح هيمنة متزايدة للحرس الثوري، وتحديدًا قيادات الصفين الثالث والرابع فيه، التي تسيطر عليها الحسابات الميدانية والعسكرية ومنطق فرض الأمر الواقع الميداني، دون امتلاكها القدرة على تقدير شامل وعميق للحرب وتكلفتها على المقومات الوطنية الاستراتيجية وتداعياتها طويلة الأمد على الاقتصاد والمجتمع.
وفي ظل هذا المشهد، قد يبدو واردًا توقع قيام إيران بمغامرات غير محسوبة، سواء في مضيق هرمز أو عبر الإقليم، بما يهدد باتساع نطاق المواجهات والمشاركين فيها، وتحول التحالفات الدفاعية إلى الهجوم كخيار استراتيجي أخير لكسر حلقة الاستنزاف وتجنب الانزلاق النهائي نحو نقطة اللاعودة.
وأخيراً؛ إن نجاح الترتيبات الأمنية الجاري بلورتها، سواء عبر التحالفات الدفاعية متعددة الجنسيات أو المبادرات الإقليمية والدولية المتكاملة، مرهون بالقدرة على إحداث توازن دقيق بين الردع الميداني الصارم والحذر الاستراتيجي الذي يمنع الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة تفرض المزيد من التداعيات وتعطل أمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ولن يتحقق الاستقرار النهائي في هذه النقاط الحيوية إلا بالانتقال من إدارة الأزمات قصيرة الأمد إلى استراتيجية احتواء طويلة الأمد، تدمج بين تأمين مسارات الملاحة البحرية دفاعيًا، وتفكيك القدرات والأدوات التي تستخدمها إيران في اعتداءاتها على السفن التجارية.
عبد الملك حسين عامر \ باحث رئيسي في معهد ستراتيجيكس
محمد نبيل البنداري \ زميل باحث بمعهد ربدان للأمن والدفاع

عبد الملك حسين عامر ومحمد نبيل البنداري
ياحثين سياسيين