مضيق هرمز والسقف الزمني للمناورة الإيرانية للوصول لاتفاق أو حافة الانهيار

تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن مجموعة من التساؤلات: ما الذي يسمح به القانون الدولي في حالة إغلاق إيران لمضيق هرمز؟ وما مدى فعالية الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية؟ وما السيناريوهات المتوقعة لتفاعلات وديناميكيات أزمة المضيق؟

الكاتب ستراتيجيكس
  • تاريخ النشر – ٢٤‏/٠٥‏/٢٠٢٦

مع اندلاع العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة ضد إيران في 28 فبراير 2026، دخل مضيق هرمز مرحلة جديدة من التصعيد، حيث أدّت الاعتداءات الإيرانية على السفن التجارية، والذرائع القانونية، وزرع الألغام، وممارسة التقييد الانتقائي، إلى جعل المضيق منطقة عالية المخاطر، مع محاولات فرض واقع جديد لإدارة المضيق بما يتنافى مع القانون الدولي. وفي مقابل التحديات التكتيكية والعملياتية التي تفرضها الجغرافيا لمكافحة السلوك الإيراني في المضيق، برزت استراتيجية الحصار البحري المضاد الأمريكي بوصفها أداة استراتيجية ذات عواقب قادرة على تحميل إيران تداعيات سلوكها، ونقل أزمة المضيق إلى معركة داخلية للبقاء. تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن مجموعة من التساؤلات: ما الذي يسمح به القانون الدولي في مثل هذه الحالة؟ وما مدى فعالية الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية؟ وما السيناريوهات المتوقعة لتفاعلات وديناميكيات أزمة مضيق هرمز؟

مضيق هرمز: التقييد الإيراني الانتقائي

شهدت ديناميكيات الملاحة عبر المضيق مرحلتين من التراجع. ففي الأيام الأولى من الحرب، جاء التراجع نتيجة حاجة شركات الشحن إلى إعادة تقييم كُلف التأمين البحري، بعد أن أصبح المضيق منطقة مرتفعة المخاطر. لكن لاحقاً، جاء ذلك استجابة مباشرة من شركات الشحن للاعتداءات الإيرانية المنهجية ضد السفن التجارية وناقلات النفط.

فمع اندلاع الحرب، شهدت حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز تراجعاً حاداً. ووفقاً لبيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، اتخذ التراجع مساراً تنازلياً حاداً منذ 28 فبراير 2026؛ إذ سجلت معدلات العبور، قبل يوم من الحرب، نحو 141 سفينة، فيما انخفض هذا المعدل في اليوم التالي ليصل إلى 81 سفينة، قبل أن يتراجع بشكل ملحوظ في الأول والثاني من مارس، ليسجل 20 و10 سفن على التوالي. لكن بعد إعلان إيران إغلاق المضيق في 4 مارس، تراجعت الحركة بشكل غير مسبوق، لينخفض متوسط العبور إلى نحو 5 سفن تقريباً خلال الأيام الأولى من الإغلاق.

ومن الناحية القانونية، لا يُعتبر السلوك العملياتي الإيراني في مضيق هرمز "حصاراً بحرياً"، إذ إن المعيار القانوني للحصار، وفقاً للمادة 95 من دليل سان ريمو بشأن القانون الدولي المطبق على النزاعات المسلحة في البحر، يقوم على مبدأ "الفعالية"، الذي يقضي بالمنع المطلق لعبور أي قطع بحرية أو جوية. وبدلاً من ذلك، تمارس طهران "تقييداً انتقائياً" على حركة المرور، حيث أبلغت إيران المنظمة البحرية الدولية، في 25 مارس 2026، بأن سفن الدول "غير المعادية" يمكنها العبور بعد التنسيق المسبق، محددة خمس دول مسموحاً لها بذلك، هي: الصين وروسيا والهند والعراق وباكستان، قبل أن تُضاف إليها لاحقاً ماليزيا وتايلاند والفلبين.

تهدف إيران، من خلال ذلك، إلى مسألتين تُفسَّران وفق المدى الزمني لكل منهما:

على المدى القصير: الردع الاستراتيجي
تسعى إيران إلى استخدام المضيق لحماية نظامها مما تعتبره تهديداً وجودياً ناجماً عن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية، وذلك عبر زيادة المخاطر الملاحية، ورفع كُلف التأمين، وإحداث نقص حاد في إمدادات النفط على وجه التحديد. ونتيجة لعملية الإغلاق، يواجه العالم اليوم عجزاً في إمدادات الطاقة يُقدَّر، وفق بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، بنحو 20% من الإمدادات العالمية، مما يجعل هذه الأزمة الأكثر تأثيراً تاريخياً مقارنة بالصدمات السابقة. إذ لم يتجاوز حجم النقص في الإمدادات في السوق العالمي خلال حرب أكتوبر عام 1973 وحرب الخليج عام 1990 حاجز 6%، فيما لم يتخطَّ 4% إبان الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، ما يجعل الاضطراب الجيوسياسي الحالي أكبر بنحو ثلاثة إلى خمسة أضعاف تلك الاضطرابات.

على المدى الطويل: فرض ترتيبات جديدة
تتطلع طهران إلى إعادة هندسة الترتيبات الأمنية والقانونية القائمة قبل الحرب، عبر طرح خيار فرض رسوم سيادية على حركة السفن عبر المضيق. وبالرغم من النتائج الفورية لذلك، والمتمثلة في العوائد والإيرادات المالية الضخمة التي قد تُحوِّل إيران إلى قوة اقتصادية، فإن هذا الإجراء يمنحها ورقة ضغط جيوسياسية تمكنها من تحييد أثر العقوبات الأمريكية المقيِّدة لاقتصادها منذ عقود. كما أن نجاح طهران -وهو أمر مشكوك فيه- في فرض هذا المسار كأمر واقع، كفيل بإحداث انقلاب في موازين القوى في الشرق الأوسط، وإعادة صياغة الوضعي القانوني والتنظيمي للمضيق بما ينتهك مبادئ حرية الملاحة والقوانين الدولية الناظمة لها.

المنطقة الرمادية لانتهاكات إيران القانونية

تستند حركة العبور في مضيق هرمز إلى قواعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي اعتُمدت عام 1982 بعد تسع سنوات من المفاوضات الدولية، وعقب تعثر ثلاث محاولات للتفاوض على إطار عمل متعدد الأطراف وشامل للإبحار في المحيطات: في لاهاي عام 1930، وفي جنيف عام 1958، ثم عام 1960. وتُعد هذه الاتفاقية أحد أبرز وأهم إنجازات النظام الدولي، ووفقاً للمراقبين، فهي لا تقل أهمية عن ميثاق الأمم المتحدة نفسه، إذ نظمت، منذ دخولها حيز التنفيذ عام 1994، المعايير القانونية التي تُطبَّق في جميع أنحاء المياه والمحيطات وأعالي البحار.

وبموجب الاتفاقية، يُعد مضيق هرمز "مضيقاً دولياً"؛ فمن جهة، يربط بين مسطحين مائيين كبيرين، ويعود استخدامه بالنفع على جميع دول العالم، بحيث يُحظر على دولة بمفردها التحكم بحركة السير في ممر ملاحي عالمي. ومن جهة أخرى، يربط المضيق بين المناطق الاقتصادية الخالصة في الخليج العربي والمناطق الاقتصادية الخاصة في بحر العرب. وفي عام 1968، اعتمدت المنظمة البحرية الدولية مخططاً قدمته إيران وسلطنة عُمان لفصل حركة المرور (TSS) في مضيق هرمز.

مضيق-هرمز-والسقف-الزمني-للمناورة-الإيرانية-للوصول-لاتفاق-أو-حافة-الانهيار-map-in-1.jpg

وبذلك، فإن المحاولات الإيرانية لفرض واقع قانوني جديد، أو عرقلة حركة الشحن التجاري، واستهداف السفن أو احتجازها، لا تُعد مجرد تهديدات أمنية فحسب، بل انتهاكات جسيمة وممنهجة لأحكام وقواعد القانون الدولي العرفي والتعاقدي. فبينما تتذرع إيران بعدم تصديقها على اتفاقية قانون البحار، وتدّعي أن نظام المرور المطبق عبر المضيق هو "المرور البريء" وليس "المرور العابر"، وهي نقطة خلاف إيرانية-دولية قديمة، يُشير القانون بوضوح إلى أن مضيق هرمز ينطبق عليه "حق المرور العابر" للسفن، فيما تزعم إيران أن المضيق يتداخل مع مياهها الإقليمية، بحيث يجب أن تمر السفن عبره من المياه الساحلية التابعة لها، ما يعني -وفقاً لطرحها- أن نظام المرور القانوني المطبق في المضيق يتمثل في "المرور البريء".

وإن الفوارق بين نظامي الملاحة: "المرور العابر" و"المرور البريء"، لا تقف عند حدود التوصيفات الإجرائية أو الفنية، بل تمثل، في جوهرها، محوراً لبسط السيطرة الجيوسياسية والسيادة بين الدول الشاطئية والمجتمع الدولي. فمن جهة، يمنح نظام الملاحة التقليدي "المرور البريء" للدول الساحلية سلطة تقديرية واسعة تُخضع حركة الملاحة لاعتبارات أمنها القومي ومصالحها السيادية، حيث تُلزم السفن الأجنبية بالامتثال للقوانين والأنظمة المحلية للدول الساحلية. كما يضع محددات قانونية، إذ يحظر العمليات الجوية فوق المضائق دون إذن مسبق، ويُلزم الغواصات بالصعود إلى السطح ورفع أعلام دولها أثناء العبور، ويمنح الدول الساحلية الحق القانوني في التدخل أو تعليق المرور مؤقتاً إذا رأت أن هناك سفناً تعبر عبوراً "غير بريء".

في المقابل، استحدث قانون البحار صيغة مبتكرة توازن بين الهواجس الأمنية للدول الشاطئية وبين مبدأ حرية أعالي البحار وحركة التجارة الدولية، حيث يمنح "المرور العابر" السفن حرية العبور والطائرات حرية التحليق، لكن لهدف واحد، وهو العبور المتواصل والسريع والمستمر عبر المضيق الدولي. ولا يحق للدول الساحلية تعليق هذا المرور، فيما يُحظر على السفن العابرة التوقف أو الرسو إلا في حالات القوة القاهرة.

وفي الواقع، تُشير الإجراءات الإيرانية إلى تناقض سيادي في ممارسة الحقوق؛ فمن جهة، تستند إيران إلى الاتفاقية لتوسيع مياهها الإقليمية إلى 12 ميلاً بحرياً، وهو ما يترتب عليه تداخل مياهها مع مياه سلطنة عُمان عند أضيق نقطة في المضيق، البالغة 21 ميلاً بحرياً، دون أن تلتزم بشرط القانون البحري لتلك التوسعة، والمتمثل في منح حق "المرور العابر". وحتى في ضوء مزاعم إيران بشأن "المرور البريء"، فقد انتهكت أحكام اتفاقية جنيف لعام 1958، التي تُعد طرفاً مصادقاً عليها، والتي تحظر تعليق المرور البريء عبر المضائق الدولية، سواء عبر تعطيل الملاحة أو زرع الألغام.

ومن جهة أخرى، تُجمع الغالبية المطلقة من المجتمع الدولي على أن نظام "المرور العابر" قد استقر عليه القانون الدولي العرفي، وهو ملزم لجميع الدول، سواء كانت أطرافاً في الاتفاقية أم لا. وتستند الدول في ذلك إلى حكم محكمة العدل الدولية التاريخي في قضية "قناة كورفو" لعام 1949، الذي أقر بشكل قطعي أن "الملاحة عبر الممرات المائية والمضائق الدولية لها الأولوية المطلقة على الحقوق الإقليمية والسيادية للدول المشاطئة، ولا يحق لأي دولة إغلاق مضيق دولي أو عرقلته مؤقتاً تحت أي مبرر". وبناءً على ذلك، فإن محاولة إيران فرض قيود محلية، أو جباية رسوم غير قانونية على العبور الملاحي، تتنافى مع مبادئ حرية التجارة، ومع قانون البحار الذي يحظر فرض الرسوم على السفن لمجرد حق المرور.

كما أن الموقف العُماني المتمسك بالوضع القانوني القائم للمضيق وحرية الملاحة العابرة، يُجرِّد إيران من غطائها الإقليمي، ويجعل تصرفاتها أحادية الجانب ومعزولة حتى عن أقرب جاراتها في المضيق. ففي 8 أبريل 2026، أعلنت سلطنة عُمان رفضها فرض رسوم على عبور السفن، وأكدت التزامها الكامل بالوضع القانوني والتاريخي للمضيق بوصفه ممراً مائياً دولياً مفتوحاً للملاحة.

تحديات الاستجابة العسكرية للإغلاق الإيراني للمضيق

أمام الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز، تبدو الخيارات الدولية محدودة للغاية، لا سيما أن إيران لا تُغلق المضيق عملياً، ولا تفرض عليه حصاراً قانونياً. وفي حين تتحرك الولايات المتحدة والمجتمع الدولي غالباً للرد على حالات العدوان البحري عبر تشكيل تحالفات عسكرية بحرية، أو تعزيز وتكثيف الانتشار العسكري بهدف حماية السفن التجارية وتسيير دوريات في الممرات المائية، فإن الأمثلة على ذلك كثيرة في الشرق الأوسط.

فعلى سبيل المثال، تأسست عام 2022 القوات البحرية المشتركة (CMF)، التي تضم أكثر من 40 دولة وعدة قوات مهام مشتركة، لضمان الأمن في المحيط الهندي وخليج عُمان والخليج العربي والبحر الأحمر وخليج عدن. وفي عام 2023، أطلقت الولايات المتحدة تحالفاً عسكرياً عُرف باسم "حارس الازدهار" لردع الهجمات الحوثية في البحر الأحمر والرد عليها، كما أطلق الاتحاد الأوروبي عام 2024 "عملية أسبيدس" لمرافقة السفن التجارية والتصدي للصواريخ والمسيّرات الحوثية التي تستهدفها. وفي أعقاب التصعيد الإيراني في مضيق هرمز عام 2019، عندما استهدفت طهران واحتجزت عدداً من السفن وناقلات النفط، أطلقت الولايات المتحدة وعدد من دول الخليج والغرب عملية "الحراس".

مع ذلك، تواجه عمليات تشكيل تحالفات عسكرية، أو تنفيذ عمليات منفردة لفتح المضيق خلال الحرب الأخيرة وما بعدها، تحديات رئيسية. فقد سبق أن دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدول المتضررة من إغلاق المضيق إلى العمل على فتحه، كما أعلنت كل من بريطانيا وفرنسا عن تحرك لتشكيل تحالف من 40 دولة بهدف تأمين حركة الملاحة في المضيق، فيما أطلقت الولايات المتحدة عملية "مشروع الحرية" مطلع مايو 2026 لمرافقة وتأمين السفن التجارية العابرة للمضيق، قبل أن يعلن ترامب تعليقها بعد عدة أيام.

فمن الناحية الدبلوماسية، تُبدي الدول الأوروبية وقوى دولية أخرى حذراً تجاه الانخراط في تحالفات دفاعية بحرية قد تضعها طرفاً مباشراً في الحرب، ولذلك فضلت العديد من الدول النأي بنفسها، رغم تداعيات السلوك الإيراني في مضيق هرمز على اقتصاداتها.

أما من الناحية القانونية، فإن مرافقة القطع العسكرية الأمريكية للسفن التجارية قد تترتب عليها نتائج عكسية، إذ تذرعت إيران بالقاعدة 67 من دليل سان ريمو بشأن القانون الدولي المطبق على النزاعات المسلحة في البحر، والتي تنص على أن السفن التجارية التابعة لدول محايدة، التي تُبحر تحت مرافقة سفن حربية معادية أو طائرات عسكرية تابعة لدول طرف في النزاع، تفقد حصانتها وصفتها المدنية المحايدة، وبالتالي تصبح أهدافاً عسكرية مشروعة بالنسبة إلى الخصم. وقد جعل ذلك من التدابير الأمريكية المتعلقة بعملية "مشروع الحربة" جزءاً من المشكلة؛ ففي حين تهدف المرافقة العسكرية الأمريكية إلى تأمين السفن، فإنها -من منظور الانتقائية الإيرانية في تفسير القانون الدولي- ترفع عنها الغطاء المدني، وتمنح إيران مبرراً قانونياً لاستهدافها كأهداف عسكرية.

وبالرغم من استناد إيران إلى هذا المبرر القانوني، فإنها تفقد شرعيتها باعتبارها الطرف البادئ بالانتهاك، حيث بادرت إلى تقييد الملاحة واستهداف السفن. وبذلك، فإن استناد إيران إلى قاعدة "تحييد الخطر" دون وجوده فعلياً، قد يرقى إلى اعتباره "جريمة حرب"، خاصة أنها تشن هجماتها دون آليات تمييز واضحة أو تحذير مسبق، وتهدف إلى إحداث ضرر اقتصادي، لا إلى تحقيق ميزة عسكرية محددة ضد خصم واضح. كما لا يحق لإيران خلق حالة الخطر عبر اعتداءاتها على السفن، ثم التذرع بالقانون الدولي لضرب السفن التي تحاول حماية نفسها من ذلك الخطر. فضلاً عن أنها خالفت، بهجماتها على السفن المرتبطة بالدول الخليجية والعربية، قرار مجلس الأمن رقم 2817 لعام 2026، الذي أكد أن دول الخليج المطلة على البحر ليست طرفاً في الأعمال العدائية.

مضيق-هرمز-والسقف-الزمني-للمناورة-الإيرانية-للوصول-لاتفاق-أو-حافة-الانهيارin-2.jpg

أما من الناحية العسكرية، فلم تُفلح التحالفات أو العمليات العسكرية في ردع الهجمات الحوثية على السفن في خليج عدن والبحر الأحمر والمحيط الهندي، ومن غير المتوقع أن تنجح في مواجهة الاعتداءات الإيرانية كذلك، وبصورة أكثر تعقيداً من المواجهة مع الحوثيين في المياه المفتوحة.

إذ تفرض المعطيات الجغرافية لمضيق هرمز تحديات عملياتية وتكتيكية بالغة التعقيد على البحرية الأمريكية، حيث تعتمد الولايات المتحدة، في بسط نفوذها في المياه المفتوحة، على مجموعات ضاربة من حاملات الطائرات والمدمرات، تنتشر على مساحات شاسعة من المياه المفتوحة تمنحها حرية المناورة والانتشار، ورصد التهديدات واعتراضها من مسافات آمنة. في المقابل، يمثل المضيق بيئة بحرية ضيقة وضحلة تندرج ضمن تصنيف المياه المغلقة، حيث لا يتجاوز عرض ممرات الملاحة الدولية المخصصة فيه ميلين بحريين لكل اتجاه، وتفصل بينهما منطقة عازلة بعرض ميلين آخرين. وفي ظل هذه المحدودية الجغرافية، تجد القطع العسكرية نفسها مجردة من ميزتها الدفاعية الأساسية القائمة على المسافة والإنذار المبكر.

ومن جهة أخرى، فإن الامتداد الساحلي الإيراني على طول خليج عُمان والخليج العربي، والذي يمتد لنحو 2400 كيلومتر، يفرض تحديات عملياتية بالغة التعقيد، إذ يضع هذا النطاق الجغرافي السفن التجارية والقطع البحرية العسكرية ضمن مدى النيران الإيرانية. كما تتيح التضاريس الجبلية والوعرة لإيران إمكانية توظيف منظوماتها من صواريخ "بر-بحر"، وسط تعقيدات تطال عمليات الرد المضاد واستهداف منصات الإطلاق.

علاوة على ذلك، تمتلك إيران القدرة على الإضرار بحركة الملاحة عبر منظومتها من الصواريخ الباليستية متوسطة وطويلة المدى، التي يمكن إطلاقها من عمقها الجغرافي ضد أهداف بحرية ثابتة، فضلاً عن اعتمادها على تكتيكات القتال غير المتكافئ. إذ رصدت التقارير قيام الحرس الثوري باستهداف سفينتي شحن ترفعان العلم الهندي في أبريل 2026 أثناء محاولتهما عبور المضيق باستخدام زوارق هجومية سريعة. وفي حين تمثل المرافقة العسكرية الدفاعية للناقلات وسفن الشحن أداة فعالة لإحباط تهديدات الزوارق، فإن المخاطر تبقى قائمة مع احتمال لجوء طهران إلى هجمات مكثفة ومنسقة باستخدام أعداد كبيرة من الزوارق والمسيّرات، بما قد يربك أنظمة الدفاع، ويلحق أضراراً بالسفن العسكرية والتجارية على حد سواء.

الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية

بالرغم من التحديات التي تواجه الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في الرد العسكري على العدوان البحري الإيراني، فإن هناك خيارات أخرى تتعلق بتشديد العقوبات الاقتصادية على إيران لمنعها من استخدام المضيق كورقة مساومة جيوسياسية. ففي عام 2019، شددت الولايات المتحدة عقوباتها على إيران لتشمل قطاع الشحن البحري وشركة خطوط الملاحة الإيرانية، بعد سلسلة من الاعتداءات الإيرانية على ناقلات النفط في خليج عُمان ومضيق هرمز، مثل الهجمات على الناقلتين Front Altair وKokuka Courageous في بحر عُمان بتاريخ 13 يونيو، ثم احتجاز الحرس الثوري الناقلة البريطانية Stena Impero في مضيق هرمز في يوليو من العام نفسه.

وبذلك، اختارت الولايات المتحدة الرد على التقييد الإيراني للملاحة بإعلان حصار على الموانئ الإيرانية والسفن التجارية وناقلات النفط المرتبطة بها، والتي تعبر المضيق ذهاباً وإياباً. وحيث تعتمد إيران بشدة على المضيق في صادراتها النفطية، فإن الحصار لا يؤثر فقط على إيراداتها المالية التي تحتاجها بشدة في ظل العقوبات وتبعات الحرب، بل يضر أيضاً بهيكل صناعتها النفطية وقطاعها اللوجستي.

وفي الغالب، تلجأ الدول، في حالات اضطراب الإمدادات، إلى تخفيض إنتاج النفط. ومع اندلاع الحرب، سارعت دول الخليج والعراق إلى إجراء تخفيضات قياسية في إنتاجها النفطي بلغت نحو 6.7 مليون برميل يومياً، بما يعادل ثلث إنتاجها.

أما في حالة إيران، فإن التحدي الهيكلي لأزمة الحصار لا يكمن في تأمين إمدادات الإنتاج، بل في الشلل شبه الكامل لقدرتها التصديرية، إذ تسبب الحصار في انخفاض صادراتها النفطية بنحو 80%. وفي ظل هذه المعطيات، لا يُعتبر تخفيض مستويات الإنتاج حلاً عملياً لتفادي سيناريو "الإغلاق القسري لآبار النفط"، الذي باتت مؤشراته الميدانية تشير إلى اقتراب وقوعه.

فقد سارعت طهران، خلال الأيام الأولى من الحصار، إلى استيعاب النفط المنتج عبر ضخه في المستودعات والخزانات الأرضية في جزيرة خرج الاستراتيجية. ومع وصول تلك المنشآت إلى طاقتها الاستيعابية القصوى، وفقاً لتقارير وكالة بلومبرغ، اتجهت شركة النفط الإيرانية نحو "التخزين العائم" مستعينة بأسطولها من ناقلات النفط في بحر العرب. وتشير بيانات منظمة "متحدون ضد إيران النووية" إلى أن عدد ناقلات النفط المستخدمة كمستودعات تخزين عائمة ارتفع من 29 ناقلة قبل الحصار إلى 49 ناقلة حالياً، وهي محملة بما يقارب 42 مليون برميل من النفط الخام غير المصروف.

in-1مضيق-هرمز-والسقف-الزمني-للمناورة-الإيرانية-للوصول-لاتفاق-أو-حافة-الانهيار1.jpg

وبالرغم من أن خيار التخزين العائم يمثل شكلاً من أشكال إدارة الأزمة، فإنه يترتب عليه كُلف مالية مرتفعة واستنزاف تشغيلي، فضلاً عن كونه إجراءً مؤقتاً تنتهي فاعليته بمجرد بلوغ الناقلات سعتها القصوى. كما أن تخزين النفط محكوم بجدول زمني، إذ إن ركوده لفترات طويلة داخل الناقلات أو الخزانات الأرضية يؤدي إلى "ترسب الحمأة"، وتعرضه للتآكل الميكروبي والكيميائي نتيجة احتوائه على نسب من الماء والأملاح والكبريت، ما يحفز نمو البكتيريا المختزلة للكبريت، التي تنتج غاز كبريتيد الهيدروجين "شديد السمية".

وتزداد هذه المعضلة عند اضطرار إيران إلى مواجهة سيناريو "الإغلاق القسري"، الذي قد تترتب عليه تداعيات فنية وتشغيلية تُحدث أضراراً جيولوجية طويلة الأمد، وربما دائمة، في آبار النفط الإيرانية، إضافة إلى الأضرار التي قد تصيب المعدات والمكامن نتيجة تراكم الترسبات الصلبة داخل الأنابيب، وتغير الضغط الطبيعي، وتسرب المياه الجوفية إلى المكمن، ما يؤدي إلى تلف البنية التحتية، ويتطلب إصلاحها عمليات طويلة ومكلفة.

علاوة على ذلك، فإن إغلاق آبار النفط في إيران ستكون له انعكاسات مباشرة أخرى، إذ سيتوقف، بالتبعية، إنتاج الغاز الطبيعي المصاحب له، وهو الغاز الذي تعتمد عليه البلاد بشكل كامل في توليد الكهرباء وتشغيل المصانع والمنازل.

سيناريوهات أزمة المضيق بين الولايات المتحدة وإيران

تُعد أزمة المضيق الحالية واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في تاريخ الملاحة الدولية، حيث تتداخل فيها الجوانب القانونية والعسكرية مع التحديات الجغرافية واللوجستية، وتُلقي بتداعياتها على مختلف دول العالم والاقتصاد العالمي. وبذلك، تقف أزمة مضيق هرمز أمام أربعة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: التنازل والقبول بالمطالب الأمريكية

يبدو هامش المناورة الإيراني تجاه المفاوضات وتعنتها المستمر محكوماً بسقف زمني محدود للغاية. فمن الناحية الاستراتيجية، يمثل الحصار أداة ضغط قابلة للرصد والقياس الكمي؛ فكلما انحسر الأفق الزمني أمام إيران واقتربت من الإغلاق القسري، تضاءلت قدرتها على الصمود، بما قد يدفعها، وفقاً للحسابات العقلانية، إلى تبني مواقف أكثر مرونة تجاه المطالب الأمريكية. ويدعم هذا السيناريو أن المؤشرات حول قرب التوصل إلى اتفاق قد تزايدت، خاصة مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 23 مايو 2026 استكمال التفاوض على معظم بنود اتفاق مع إيران، بالتزامن مع المؤشرات الدالة على وصول صناعة النفط الإيرانية إلى حافة الانهيار.

السيناريو الثاني: استمرار الاستنزاف المقيَّد لإيران

هناك احتمال لاستمرار الوضع الراهن، عبر مواصلة الولايات المتحدة حصارها على الموانئ الإيرانية مع السماح لها بتصدير هامشي ومدروس للنفط، بما يُبقي مخاطر الإغلاق القسري قائمة، لكنه يؤجلها. وبالفعل، تسمح الولايات المتحدة بمرور محدود لبعض سفن النقل المحملة بالنفط الإيراني، وتحديداً السفن الصينية، عبر المضيق. كما قد تتمكن إيران من إيجاد طرق بديلة لتخفيف الضغط على بنيتها النفطية، سواء عبر تصدير النفط إلى الصين براً، أو عبر لجوء الناقلات إلى إطفاء أجهزة التتبع، أو تزوير مواقعها، أو الإبحار تحت أعلام مزيفة.

السيناريو الثالث: دخول إيران في حالة "الإغلاق القسري"

قد تلجأ الولايات المتحدة إلى تشديد الحصار وفرضه بشكل كامل، لتسريع وصول إيران إلى حالة "الإغلاق القسري"، بحيث يصبح الحصار الأمريكي بديلاً عملياً عن تجدد الحرب، أو على الأقل بديلاً عن تنفيذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته بضرب البنية التحتية للطاقة والكهرباء، في حال استمر التضييق الإيراني على حركة المرور عبر مضيق هرمز.

السيناريو الرابع: تجدد الحرب وعودة العمليات العسكرية

يبقى احتمال تجدد الحرب قائماً؛ فمن جهة، تضيف العمليات العسكرية ضغطاً أقصى على إيران، بما قد يدفعها إلى القبول بالمطالب الأمريكية. ومن جهة أخرى، قد تشمل العمليات العسكرية تنفيذ عمليات واسعة للسيطرة العملياتية على مضيق هرمز أو الجزر المحاذية له، بهدف حرمان إيران من الميزة الجغرافية التي تتيح لها تهديد حرية الملاحة في المضيق. وقد تكون هذه العمليات جزءاً من عمل عسكري أمريكي منفرد، أو ضمن تحالف دولي أوسع.

 

ستراتيجيكس

فريق تحليل السياسات