"مذكرة التفاهم" بين واشنطن وطهران: ماذا بعد الـ 60 يومًا؟

على الرغم من أن التفاهم يحدّ من احتمالات المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران على المدى القصير، إلا أنه لا يرسخ بالضرورة الركائز الأساسية لنظام إقليمي مستقر، بل قد يؤدي، إلى تآكل تدريجي لسياسة الردع الأمريكية، ولا سيما أنه يعزز الانطباع بقدرة إيران على الصمود وفرض شروطها ضمن مذكرة التفاهم، خلافًا لصيغة التنازلات والإملاءات التي رُوِّج لها منذ انطلاق جولات التفاوض الأولى في مسقط منتصف أبريل 2025.

الكاتب ستراتيجيكس
  • تاريخ النشر – ٢٨‏/٠٦‏/٢٠٢٦

أعلنت الولايات المتحدة وإيران في 14 يونيو 2026 عن التوصل إلى مُذكرة تفاهم لوقف الحرب والانخراط في مسار تفاوضي يمتد حتى 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي. حيث جرى التوقيع عليه افتراضياً ودخل حيز التنفيذ في 17 يونيو، بعد أن وقع عليه الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزيكشيان. وفي الوقت الذي يُنظر فيه إلى هذه المذكرة كبديل عن استمرار التصعيد أو تجدد المواجهات العسكرية المباشرة، إلا أم مؤشراتها الأولى لا تُشير إلى انعكاس إيجابي على المشهد الأمني الإقليمي، بل قد تفتح المسار أمام موجة جديدة من عدم الاستقرار، وسط توقعات بمعارضة من قبل بعض حلفاء واشنطن الإقليميين وخاصة إسرائيل على غرار ما شهده اتفاق عام 2015.

"مذكرة التفاهم" البنود والسياق

جاءت مُذكرة التفاهم المُوقع بين الولايات المتحدة وإيران في 14 بنداً، وتتضمن إنهاءً فورياً للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، والتزام الطرفين في التوصل إلى اتفاق نهائي خلال مُدة أقصاها 60 يوماً قابلة للتمديد، إلى جانب ضمان إيران المرور الآمن للسفن التجارية في مضيق هرمز وعدم فرض رسوم لحين التوصل إلى اتفاق نهائي، مُقابل رفع الولايات المتحدة الحصار عن الشواطئ الإيرانية على بحر العرب والخليج العربي خلال 30 يوماً من تاريخ التوقيع على المذكرة.

كما تتضمن المذكرة، تعهدات أمريكية فورية وبعيدة المدى؛ من بينها حصول إيران على إعفاءات تسمح لها بتصدير النفط ومشتقاته فور التوقيع، وإتاحة الأموال والأصول الإيرانية المجمدة مع بدء تنفيذ بنودها. أما على المدى البعيد فقد تعهدت واشنطن بإعادة إعمار إيران وتنميتها اقتصادياً بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، ورفع جميع أنواع العقوبات المفروضة على إيران، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وقرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجميع العقوبات الأمريكية الأحادية، الأولية والثانوية. في المُقابل؛ نؤكد إيران أنها لن تسعى إلى حيازة أو تطوير أسلحة نووية، والحفاظ على الوضع القائم لمنشآتها وبرنامجها النووي لحين التوصل إلى اتفاق نهائي. وفي حال التوصل إليه؛ سيتم اعتماده بموجب قرار مُلزم يصدر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

مذكرة-التفاهم-بين-واشنطن-وطهران-ماذا-بعد-الـ-60-يوماً-in-2.jpg

ويأتي توقيع المذكرة بعد مرور نحو 68 يوماً على إعلان الهُدنة الهشة التي دخلت حيز التنفيذ في 7 أبريل 2026، ورغم ما أعقبها من انخراط الطرفين في جولات إسلام أباد التفاوضية منذ 11 أبريل، إلا أن الهدنة التي حُددت بأسبوعين قبل تمديدها، شهدت خروقات عدة، حيث استمرت الأنشطة العسكرية الإيرانية ضد السُفن التجارية في مضيق هرمز من بينها تعرض سفينة الشحن التابعة لشركة HMM الكورية إلى هجوم في الخليج العربي مطلع مايو، وتلاها في 4 مايو استهداف ناقلة نفط أثناء عبورها مضيق هرمز، ثُم إعلان الحرس الثوري ومقر "خاتم الأنبياء" رسمياً في 10 يونيو إغلاق مضيق هرمز "أمام جميع السفن"، كما لم توقف إيران اعتداءاتها على دول الجوار. في المُقابل واصلت الولايات المتحدة عمليات الرد عبر توجيه ضربات عسكرية محدودة، واتخاذ تدابير لحماية حركة الملاحة البحرية في المضيق ففي أواخر مايو أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تنفيذ عملية "مشروع الحرية" بهدف مرافقة وتوجيه السُفن عبر مضيق، بالتوازي مع فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية المُطلة على بحري العرب والخليج العربي.

مُذكرة التفاهم من منظور الأولويات العاجلة

لا تعتبر مُذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران نتاجًا لتغيير جوهري في العلاقات بين البلدين، ولا تحل خلافاتهما الأساسية. بل هي مصممة بالدرجة الأولى لخدمة المصالح السياسية الداخلية العاجلة لكلا الجانبين. بالنسبة للولايات المتحدة، يُمثل الاتفاق فرصةً لإظهار إحراز إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نجاحاً دبلوماسياً كبير دون التورط في صراع عسكري واسع النطاق في الشرق الأوسط. وقد سارع الرئيس ترامب إلى مُقارنة مُذكرة التفاهم بالاتفاق الذي سبق أن أبرمته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عام 2015، وانسحب منه ترامب خلال إدارته الأولى عام 2018.

في الواقع؛ لا يُبدي الرأي العام الأمريكي رغبةً تُذكر في استمرار التدخل العسكري في المنطقة، فالاتفاق الذي يُفترض أن يُحقق الاستقرار، ويحمي حرية الملاحة، ويتجنب حربًا جديدة، يُعدّ أكثر قيمةً سياسيًا من حملة عسكرية طويلة، ومن مؤشرات ذلك؛ تصويت مجلس الشيوخ الأمريكي في 24 يونيو على قرار -غير مُلزم- يدعو إلى إنهاء العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران بأغلبية 50 صوت مُقابل 48، بعد أن كان مجلس النواب قد وافق عليه في وقت سابق. وفي الوقت نفسه، يُجادل الرئيس ترامب بأن الضغط المُوازي غير العسكري على إيران أجبر طهران على التفاوض من موقع ضعف.

بالنسبة إلى إيران، حيث تبدو المخاطر المُحيطة بها مُتفاقمة ومُدركة لدى النظام، من جهة الضغوط الهائلة التي يُواجهها اقتصادها، وحاجته إلى دعم مالي واستثمارات لتعزيز الاستقرار الداخلي. ونتيجة لذلك، يُنظر إلى الاتفاق في طهران على أنه فرصة اقتصادية وسياسية. مع ذلك، فإن الرسالة التي ستسعى إيران إلى إيصالها محلياً وإقليمياً بأن مُذكرة التفاهم جاءت كدليل على نجاح النظام في الصمود أمام ضغوط الولايات المتحدة وإسرائيل مع الحفاظ على قدراته الأساسية وإجبار واشنطن على التوصل إلى تفاهم.

من جهة أخرى؛ ترى طهران أن الاتفاق يخدم غرضاً إقليمياً أوسع، ففي ظل تزايد المؤشرات السابقة الدالة على قُرب التوصل إلى الاتفاق لا سيما الإعلانات المُتكررة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. سعت إيران إلى تثبيت استراتيجية "وحدة الساحات" التي تضررت بشدة أثناء الحرب، من خلال مُعادلة "الضاحية مُقابل الشمال"، والتي تربط أي استهداف إسرائيلي للضاحية برد إيراني يستهدف الشمال الإسرائيلي، وقد طبقت إيران تلك المعادلة في 8 يونيو 2026 عندما وجهت موجتين من الصواريخ على مناطق عدة في إسرائيل بعد ساعات من قصف إسرائيل للضاحية الجنوبية في بيروت. وفي الواقع تُحاول طهران خلق انطباع يتجاوز حربي يونيو 2025 وفبراير 2026، والعودة إلى قواعد الاشتباك السابقة لهما لا سيما في سلسلة الردود الإيرانية المحدودة ضد الهجمات الإسرائيلية في سوريا ولبنان على غرار الهجوم الإيراني في 13 أبريل 2024 بعد قصف إسرائيل قنصليتها في دمشق، ثُم الهجوم الإيراني مطلع أكتوبر 2024 للرد على اغتيال حسن نصر الله في 27 سبتمبر.

مذكرة-التفاهم-بين-واشنطن-وطهران-ماذا-بعد-الـ-60-يوماً-1.jpg

وبذلك؛ تُقدّم إيران الاتفاق كدليل على أن ما يُسمى "بمحور المقاومة" و"وحدة الساحات" قد صمد أمام ضغوط سياسية وعسكرية أمريكية-إسرائيلية شديدة، وفي لبنان فإن هذا الاتفاق يُترجم من قبل حزب الله وحاضنته السياسية والشعبية بأنه يُعزز من موقفه السياسي والعسكري، لا سيما في مُواجهة اتفاق "الإطار الثلاثي" بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان، الذي وُقع عليه في 25 يونيو 2026، والذي يتضمن ترتيبات أمنية تدريجية يفترض أن تنتهي بنزع سلاح حزب الله. ويحتفظ في الوقت نفسه بحرية العمل العسكري الإسرائيلي ضد التهديدات أو الرد على الهجمات، وهو ما دفع حزب الله إلى رفض الاتفاق معتبراً إياه "منعدم الوجود".

ما بعد مُذكرة التفاهم: 60 يوم من السيناريوهات المفتوحة

على الرغم من أن الاتفاق يحد من احتمالات المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران على المدى القصير، إلا أنه لا يضع بالضرورة الركائز الأساسية لنظام إقليمي مُستقر، بل على العكس من ذلك؛ قد يؤدي إلى تآكل تدريجي لسياسة الردع الأمريكية، خاصة وأنه يُعزز انطباعاً بقدرة إيران على الصمود ووضع شروطها ضمن مذكرة التفاهم على النقيض من صيغة التنازلات والإملاءات التي تم تصويرها منذ أولى جولات التفاوض في مسقط منتصف أبريل 2025. مع ذلك؛ أمام مُذكرة التفاهم التي تم توقيعها سيناريوهين إثنين:

السيناريو الأول: قد تشهد المنطقة فترات من الاستقرار التكتيكي إلى جانب استمرار عدم الاستقرار الاستراتيجي، مما يُبقي العديد من الظروف التي غذّت الصراع والتطرف لعقود دون حل، وتبدو مؤشرات ذلك حاضرة؛ حيث تستمر طهران باستهداف دول الجوار حتى بعد توقيع مُذكرة التفاهم، ففي 26 يونيو هاجمت إيران سفينة باستخدام طائرة مسيرة، بعد ساعات من تحذير الحرس الثوري للسفن العبور بغير المسارات التي تُحددها طهران، ما دفع القيادة الوسطى الأمريكية إلى الرد باستهداف مواقع عسكرية داخل إيران وفي محيط مضيق هرمز، وفي 28 يونيو تعرضت كُل من الكويت والبحرين إلى اعتداءات إيرانية بصواريخ وطائرات مُسيرة ألحقت أضراراً مادية.

وفي ضوء ذلك، فمن المتوقع أن يظل التلازم بين مساري التفاوض الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، والاشتباكات العسكرية المتقطعة، سائداً حتى التوصل إلى صيغة نهائية للاتفاق -إن حدث-. في المقابل، فإن استمرار الاعتداءات الإيرانية، في ظل القلق الإسرائيلي المتزايد من مخرجات الاتفاق الأخيرة، إلى جانب عدم انعكاس تقدم المفاوضات على علاقات حسن الجوار بين إيران والدول العربية والخليجية، يدفع طهران إلى تكثيف ضغوطها بهدف فرض شروطها وتثبيت معادلة إقليمية وترتيبات بحرية جديدة، كما يرسخ قناعة لدى الجميع بضرورة وأهمية مواصلة الولايات المتحدة الضغط العسكري على إيران بوصفه أداةً لا غنى عنها لتحقيق الردع.

السيناريو الثاني: أن تدفع المكاسب المباشرة التي يتطلع لها الجانبين الأمريكي والإيراني على المديين القصير والمتوسط، وفي مقدمتها تجنب العودة إلى الصراع العسكري، نحو إبرام اتفاق نهائي خلال 60 يوماً أو أكثر، خاصة وأن مذكرة التفاهم حصرت التوصل إلى اتفاق في البرنامج النووي الإيراني دون تضمينه قضايا خلافية أخرى مثل برنامج إيران الباليستي، لا سيما بعد تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 17 يونيو 2026 عن تفهمه لامتلاك إيران صواريخ باليستية طالما تمتلكها دول أخرى. وفي هذا السياق لا يكمن السؤال الجوهري في مدى صمود الاتفاق من الناحية الفنية بل في استمرار صلاحيته لخدمة المصالح السياسية والاقتصادية للطرفين. من جهة تمكن الرئيس ترامب من تسويق الاتفاق كإنجاز دبلوماسي مع تفادي الانخراط في حرب طويلة. ومن جهة أخرى حصول إيران على تدفقات مالية وعوائد اقتصادية تؤمن بها استقرار النظام مع حفاظها في الوقت نفسه على سردية الصمود والانتصار.

مع ذلك؛ فإن هذا التوجه قد يُرسخ على المدى البعيد انطباعاً لدى دول المنطقة بتراجع النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، لا سيما لدى شركائها الاستراتيجيين ومن بينهم إسرائيل، حيث ظهر الخلاف بين الدولتين بشكل علني وانعكس في تصريحات قادتهم ومسؤوليهم. ولعل سياق مذكرة التفاهم واستمرار إيران في اعتداءاتها بالرغم من التهديدات الأمريكية المتكررة بالردع، يطرح تساؤلاً حول رغبة أو قدرة واشنطن على فرض إرادتها. ومن هذا المنظور فإن الاتفاق إن حدث لم يُقرأ باعتباره دليل قُوة، بل بأنه انعكاس لتجنب واشنطن المخاطرة والانخراط في عمليات عسكرية أو تفاوضية طويلة الأمد، فضلاً عن كونه إلا يُقدم حلولاً لمعالجة الدوافع الأيديولوجية والسياسية والأمنية للمحور التابع لإيران بخلاف ما كان متوقعاً من أن الوقت مناسب للوصول إلى اتفاق شامل يضمن تنازلات إيرانية جوهرية في ثلاثة ملفات رئيسية وهي البرنامج النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية ودعمها لوكلائها.

ستراتيجيكس

فريق تحليل السياسات