سيناريوهات العمليات العسكرية الإسرائيلية-الأمريكية وردود الفعل الإيرانية

تُعد العملية العسكرية الإسرائيلية - الأمريكية المشتركة ضد الأهداف الإيرانية في مراحلها الأولى، لكنها تأتي في سياق متصل بتطورات الحرب في قطاع غزة، في ظل تصاعد غير مسبوق للتوتر بين إسرائيل وإيران منذ تبادلهما الهجمات المباشرة في أبريل 2024 عقب استهداف مبنى القنصلية الإيرانية في سوريا، ثم تفاقم المشهد في أكتوبر من العام نفسه بعد اغتيال حسن نصر الله. وفي يونيو 2025 وسّعت إسرائيل عملياتها بإطلاق عملية عسكرية استهدفت القدرات الإيرانية، أعقبها تنفيذ الولايات المتحدة عملية "مطرقة منتصف الليل" في 22 يونيو 2025، والتي استهدفت ثلاث منشآت نووية رئيسية هي فوردو ونطنز وأصفهان.

الكاتب ستراتيجيكس
  • تاريخ النشر – ٢٨‏/٠٢‏/٢٠٢٦

ملاحظة المحرر: كتبت هذه الورقة قبل تداول الأنباء التي تتحدث عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، والتي توقعتها الورقة في سياق توفير الولايات المتحدة بيئة مناسبة لتقديم بديل للحكم.

دخلت العمليات العسكرية الإسرائيلية-الأمريكية ضد القدرات الإيرانية مسارها الثالث، إذ أطلقت الدولتان في صبيحة 28 فبراير 2026 حملة عسكرية مشتركة ضد عدد من الأهداف العسكرية والقيادية الإيرانية، في هجوم يتوقع أن يشكل انطلاقة لحملة جوية واسعة النطاق تهدف بشكل رئيسي إلى إضعاف النظام الإيراني وتقويض قُدراته، ورُبما تغيير نهجه ومرجعيته السياسية والدينية المُتشددة. تأتي هذه الهجمات بعد أن عقدت الدولتان جولتين من المحادثات "شبه المباشرة" الأولى في سلطنة عُمان بتاريخ 6 فبراير، والثانية في 26 فبراير وعُقدت في سويسرا بمشاركة عُمانية. في الواقع؛ يُثير انطلاق العمليات العسكرية المشتركة ضد إيران، تساؤلات عدة، حول مُدتها وأمدها وأهدافها النهائية واليوم التالي لوقفها، وهو ما يضع منطقة الشرق الأوسط والعالم أمام مجموعة من السيناريوهات المفتوحة، وغير القابلة للتنبؤ بشكل واضح ودقيق؛ إذا أن سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشير إلى عنصر المفاجأة وحالة من الضبابية.

مؤشرات العمليات المشتركة والمتزامنة

تواجه إيران هجماتٍ أمريكيةً وإسرائيلية مشتركة ومتزامنة؛ عسكرية وسيبرانية واستخباراتية معقدة المستويات والعمق الاستراتيجي، استهدفت، وفق مسؤولين من الدولتين، عددًا من الأهداف في مدن إيرانية مختلفة، من بينها العاصمة طهران وأصفهان وقم، وطالت في موجاتها الأولى قواعدَ عسكريةً ومنظوماتِ دفاعٍ جويٍّ وشخصياتٍ بارزةً في المجالين السياسي والعسكري، إضافةً إلى المقرّ الرئيسي للمرشد الإيراني علي خامنئي. في المقابل، وجّهت طهران ضرباتٍ انتقاميةً بصواريخ باليستية وطائراتٍ مسيّرة، استهدفت إسرائيل وما تزعم أنه مصالح أمريكية في العديد من الدول الخليجية.

عمليا، لا تزال العملية العسكرية المشتركة في بداياتها، مع ذلك تأتي هذه العملية بشكل مُتكامل مع سياق التطورات اللاحقة للحرب في قطاع غزة، منذ أن تبادلت كُل من إسرائيل وإيران الهجمات المباشرة الأولى في أبريل 2024، ثُم في أكتوبر من العام نفسه، وتوسعها في 13 يونيو 2025، بإطلاق إسرائيل عملية عسكرية ضد القدرات الإيرانية، والتي انتهت بتنفيذ الولايات المتحدة عملية "مطرقة منتصف الليل" والتي استهدفت في 22 يونيو 2025، ثلاث منشآت نووية إيرانية مركزية هي فوردو، ونطنز، وأصفهان.

في الواقع؛ تأتي العملية العسكرية المشتركة، بعد أن عززت الولايات المتحدة خمس مستويات رئيسية خلال الأسابيع الأخيرة، وفقاً للمؤشرات التالية:

المؤشر الأول: التهيئة العسكرية والعملياتية الميدانية؛ إذ عزّزت الولايات المتحدة خلال الأسابيع القليلة الماضية حضورها العسكري الواسع لأغراض دفاعية وهجومية، وهو الأكبر منذ حرب العراق عام 2003، وذلك عبر نشر منظومات دفاع جوي، وطائرات تزوّد بالوقود، وطائرات عسكرية في عدد من قواعدها بالمنطقة، إلى جانب نشر مجموعتين من حاملات الطائرات، وهما: يو إس إس أبراهام لينكولن (USS Abraham Lincoln)، ويو إس إس ثيودور روزفلت (USS Theodore Roosevelt)، فضلًا عن يو إس إس جيرالد آر فورد (USS Gerald R. Ford) في شرق البحر الأبيض المتوسط.

المؤشر الثاني: الحصول على "شرعية التنفيذ"، فمن وجهة النظر الأمريكية فشل الإطار التفاوضي الثاني الذي انطلق عام 2026. والذي أرادت من خلاله أن تقدم إيران تنازلات جوهرية في برنامجها النووي وبرنامجها البالسيتي والصاروخي، وذلك بناءً على النتائج العملياتية والميدانية اللاحقة لتطورات الحرب في قطاع غزة، فيما تمسكت إيران بالتفاوض وفق نمط المقترحات المتبادلة وتقريب وجهات نظر الطرفين، وهو نهج طويل الأمد أكدت الولايات المتحدة رفضها القاطع له.

المؤشر الثالث: وجود توافق أمريكي داخلي واسع حول النظام الإيراني، خاصة مع تجاه الخطاب الأمريكي في الأيام الأخيرة لربط التهديد الإيراني بالمصالح الأمريكية في المنطقة، بل وبالأراضي الأمريكية حيث أشارت التقديرات إلى اقتراب إيران من امتلاك صواريخ قادرة على الوصول إلى أمريكا.

المؤشر الرابع: من المفترض؛ أن الولايات المتحدة لم تباشر العمليات الجارية، دون معرفة واضحة باليوم التالي، والتي يُحتمل أن تكون في جزء منها تهيئة صعود تيار على حساب آخر، وقد ظهرت مؤشرات عدة لذلك خلال الأيام القليلة الماضية، من بينها إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة بمرجعتين، تتمثل الأولى بـ (بزيكشيان-عراقجي) والذين اتبعا استراتيجية الخطاب المعتدل والمحذر من تداعيات استمرار الوضع القائم الاستنزافي، والمرجعية الثانية المتمثلة بـ (خامنئي-لاريجاني)، والذي سعى للتمسك بخطاب وسردية القُوة الإيرانية، ويُعزز من ذلك؛ تقرير صحيفة "لو فيغارو"، الذي أشار إلى محاولة الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني ووزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف مطلع يناير 2026، التحرك لإبعاد المرشد علي خامنئي، مع الإشارة إلى العلاقة القوية بين وزير الخارجية الحالي عباس عراقجي مع كل من روحاني وظريف، حيث دفع كلاهما لمنح الأخير دوراً مباشراً في الاتفاق النووي عام 2015.

بخلاف هذا الافتراض، فإنه من غير الواضح كيف يمكن ترجمة خطابَي ترامب ونتنياهو، الداعين لإسقاط النظام، دون الدخول في معركة برية طويلة الأمد للسيطرة الميدانية على مفاصل الدولة الرئيسية العسكرية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية، أو ربما بالاعتماد على رد فعل الشارع والرهان على تحركه بمجرد إضعاف النظام، وهو رهان غير مؤكد، في ظل غياب دلالات واضحة على أن معارضي النظام والمتظاهرين في الشارع هم بالأصل حلفاء أو مناصرين للولايات المتحدة وإسرائيل. وهذا ما يحتاج إلى تدقيق شديد قبل الإقدام على هذه الحملة العسكرية التي يمكن للطرفين – واشنطن وتل أبيب – إيقافها في أي لحظة، إلا أن تداعياتها ستبقى حاضرة في اليوم التالي.

المؤشر الخامس: اتخاذ القرار والذي من الواضح أنه تم التوافق عليه وُحدد خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن في 12 فبراير.

سيناريوهات-العمليات-العسكرية-الإسرائيلية-الأمريكية-وردود-الفعل-الإيرانية-in-(1).jpg

الجاهزية الإيرانية وأطر الرد والتصعيد

بالنسبة إلى إيران، والتي من المؤكد أنها توقعت هذا الهجوم وعملت على تدعيم نظامها الداخلي بقدر المستطاع، وهذه المرة قد ترى طهران أن العملية الجارية تشكل تهديدا وجوديا للنظام الديني والدولة الشيعية المرجعية، وبشكل يستدعي رد فعل أعلى من حيث الوتيرة والكلفة مقارنة بما كان عليه في دورات القتال السابقة، ولذلك وضعت مجموعة من الخطط المختلفة لسيناريوهات الهجوم الأمريكي الإسرائيلي واستراتيجية الرد التي ستعتمدها؛ حيث تراهن على مجموعة مترابطة ومتشابكة من العوامل التالية:

العامل الأول: سعت إيران إلى الإستفادة القصوى من تجربة حرب الـ 12 يوم في يونيو 2025، وذلك بالعمل على منع حدوث فراغ قيادي أو شواغر عسكرية وسياسية، فقد عملت بشكل متزامن ومتسق على تأسيس هيكل قيادي متسلسل يصل إلى النائب والبديل الرابع أو الخامس لكل قيادي يحتمل اغتياله.

العامل الثاني: أن إيران تسعى قدر الإمكان للحفاظ على حياة ومحورية دور المرشد علي خامنئي، ففي أسوأ الأحوال يمكن لحماية المرشد أن تضمن قيادة البلاد ما بعد الحرب بشكل مشابه لدوره بعد الثورة عام 1979، إلى جانب أن بقاء المرشد يغلق الطريق أمام أي محاولة انقلابية داخلية سياسية أو عسكرية، ويسلبها شرعيتها، حتى وإن جاءت من داخل المنظومة السياسية القائمة والمرتبطة بالتيارات الإصلاحية. في المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل تحاولان فصل المرشد عن السياق العملياتي، وإحداث صعوبات أمنية وتحديات بشأن إشرافه المباشر على العمليات، وربما تسعيان لاغتياله كخيار رئيسي لتوفير بيئة أنسب للبدلاء.

العامل الثالث: تحاول إيران من خلال ردها الأولي الضغط على واشنطن من بوابة المصالح المتناقضة لحلفائها -إسرائيل ودول الخليج-، خاصة وأنها انتقلت من استهداف البنى التحتية إلى البنى المدنية كما حدث في واقعة الطائرة المسيرة التي أُسقطت فوق مطار الكويت، وأنباء عن سقوط صواريخ في المنامة والدوحة عواصم ومدن خليجية أُخرى. إلى جانب رفع كلف العملية العسكرية على كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، من خلال استهداف مراكز الثقل السكانية في إسرائيل، والمصالح الاقتصادية الحيوية للولايات المتحدة في عموم المنطقة.

إلى جانب ذلك تراهن إيران على إغراق كامل المنطقة بالهجمات الصاروخية والمسيرة، وذلك بهدف انهاك الدفاعات الجوية الإمريكية المنتشرة في أكثر من قاعدة، خاصة في ظل التقارير التي تشير إلى معاناة منظومات الدفاع الجوي الأمريكي من نقص في المخزون الاستراتيجي، الذي استنزف في الحرب منذ السابع من أكتوبر، ومن قبل في أوكرانيا. وقد أعلنت إيران بالفعل استهداف 14 قاعدة عسكرية للولايات المتحدة في المنطقة ما يشير إلى كثافة الإطلاق في اليوم الأول من الحرب

في المقابل، من المحتمل أن تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل على تحقيق تفوق وحرية عملياتية في المجال الجوي الإيراني، وتحديدًا واشنطن، حيث تمتلك القدرة على إبقاء طائراتها فوق إيران بالاعتماد على التعزيزات الكبيرة لطائرات التزوّد بالوقود، بما يؤدي إلى مهاجمة مصادر ومنصات إطلاق الصواريخ الإيرانية قبل إطلاقها، إلى جانب توقع انخفاض مخزون إيران السريع من الصواريخ، خاصة الفرط الصوتية، بشكل قد يؤدي إلى انخفاض وتيرة إطلاقها في الأيام القادمة. من جهة أخرى، تتحرك إيران حاليًا ضمن خطط معدة مسبقًا، ومع التغير المستمر في بيئة العمليات وزيادة تعقيدها مع مرور الوقت، وفي ضوء الاستهدافات المستمرة للقادة الإيرانيين، قد يؤدي ذلك إلى تعقيد الرد الإيراني ونقله من خانة الفعل المدروس إلى العشوائي.

علاوة على ذلك، فإن استهداف إيران لدول الخليج والأردن، بل ووضع البنى المدنية في تلك الدول ضمن قائمة أهدافها بالهجمات المسّيرة والصواريخ، قد يؤدي إلى تغيير موقف الدول العربية والإقليمية والذي كان سابقا يعارض أي عملية عسكرية أمريكية وإسرائيلية ضد إيران، ورفض معظهم استخدام أراضيهم منطلقا لأي هجمات عليها، بأن تصبح هذه الدول جزءاً من الحملة الإعلامية والدبلوماسية المطالبة بتقويض قدرات النظام الإيراني باعتبارها باتت تهديدا مباشرا لأمنها وسلامتها، وهذا بدوره قد يحرم إيران من الضغوط الإقليمية متعددة الأطراف لوقف الحرب.

العامل الرابع: تدرك إيران حساسية وهشاشة محيطها في دول مثل باكستان وأفغانستان، اللتين تخوضان منذ أيام اشتباكات متواصلة، إلى جانب الأعباء الاقتصادية والسياسية في العراق. ومن المحتمل أن يؤدي طول أمد الحرب إلى موجات من الهجرة والنزوح نحو دول الجوار، التي تعاني بالفعل من إشكاليات وتحديات قد تتفاقم في ضوء حالات الفوضى أو الاضطرابات في إيران، مما يزيد من تداعيات العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، ويرفع من تكلفتها في واحد من أكثر الأقاليم حساسية حول العالم.

سيناريوهات-العمليات-العسكرية-الإسرائيلية-الأمريكية-وردود-الفعل-الإيرانية-in-2.jpg

العملية من وجهة نظر أمريكية وإسرائيلية

يرى مسؤولون أمريكيون وإسرائيليين أن إيران دولة منظمة بالفعل، ومصممة لتغيير قادتها بطريقة منهجية. مع ذلك، فإن استبدال رئيس قُتل في حادث تحطم مروحية لا يُشبه بأي حال من الأحوال إقصاء معظم كبار المسؤولين، وبالتأكيد لا يُشبه إقصاء المرشد الأعلى أثناء الحرب. ولا ينبغي استخلاص أي استنتاجات وفقا لحادثة الرئيس الإيراني السابق "إبراهيم رئيسي"؛ فكل شيء يعتمد على الشعب الإيراني وسلوكه.

أما بخصوص مسألة الصواريخ، فيعتقدون أن عددها ومدى تأثيرها وقوتها أقل مما تصفه إيران. صحيح أنها تُطلق، في سياق حرب إقليمية، على كل نقطة أمريكية في المنطقة وعلى إسرائيل، لكن القدرة التقنية على الاعتراض أقوى. فهي غير قادرة على إحداث أضرار جسيمة.

أما المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران. فكان متعثراً منذ البداية لأن مطالب الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل كانت بعيدة كل البعد عما وافق الإيرانيون على تقديمه. وعليه أقنع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الحرب وحدها كفيلة بتضييق الفجوات، وربما تغيير النظام. لذا تم التفكير في الفجوات الكبيرة لا فيما تقدمه إيران. حتى أن الاجتماع الفني يوم الأربعاء المقبل هو من جهة تضليل، ومن جهة أخرى فرصة لاستئناف المحادثات تحت ضغط شديد، كما فعلوا مع حماس في غزة.

لكن لا يمكن تجاهل أن هذه الحرب هي إقليمية؛ لكنها بعيدة كل البعد عن الحرب الشاملة. والقدرات الإيرانية ليست على مستوى القدرات الأمريكية والإسرائيلية، باستثناء أن لديها قدرة على إطلاق صواريخ كمفهوم.

وهناك ثمة من يرى أن القضية الرئيسية ستنعكس في سؤالين محوريين، وستؤثر الإجابة عليهما على السؤال الذي يقلق الرئيس الأمريكي وقادة المنطقة أكثر من غيره، وهو: لقد بدأنا بداية جيدة، ولكن كيف ستنتهي الأمور؟ وأهم هاتين القضيتين هما:

- تأثير الحرب على أسعار النفط وعلى الاقتصاد العالمي عمومًا.

- سلوك الشارع في إيران وفرص احتمالية تغيير النظام، إذ هناك تصور أن النظام الإيراني لن يسقط بسهولة رغم مقتل قادته.

حيث سيؤدي استمرار العملية المشتركة إلى الإضرار بالاقتصادات الغربية، وخاصة الولايات المتحدة. في ظل هذه الظروف، من المتوقع كسيناريو مُفضل أن تقوم واشنطن بإنهاء هذه العملية في غضون أسبوع، وربما لفترة أطول قليلًا، وحتى ذلك الحين، لن تتوقف المخاوف في إسرائيل من زيادة التورط في هذه العملية.

سياقات العملية العسكرية المُشتركة وأهدافها

لا يمكن القول إن سياق أهداف العملية العسكرية المُشتركة غير واضح أو مُعلن؛ إذ تأتي هذه العملية في ظل سياقين مرتفعي الترابط والتداخل، وهُما:

السياق الأول: تُعتبر العملية من الناحية المفاهيمية استكمالًا للحرب ضد استراتيجية "وحدة الساحات"، التي بدأت إسرائيل تنفيذها بعد هجمات حركة حماس ضد قواعد ومستوطنات غلاف غزة في 7 أكتوبر 2023. وذلك يعني أن مسار العمليات العسكرية ضد إيران منذ يونيو 2025 يهدف إلى إحداث تغيير جوهري يُفضي إلى إزالة المخاطر والتهديدات المرتبطة بإيران، سواء تلك المتعلقة بالنظام نفسه، أو بقدرتها على الاستمرار في دعم وكلائها في المنطقة وإعادة تنظيم صفوفهم. وهذا يضع أهداف العملية الجارية بنفس نسق نفسه أهداف العمليات العسكرية في كل من قطاع غزة ولبنان، حيث تستمر في تنفيذ ضرباتها بهدف إنهاء أي قدرات لحركة حماس وحزب الله اللبناني، بما يشمل توجيه الضربات ضد أصولهما العسكرية وكبار قادة المنظمتين.

من جهة أخرى، يبدو واضحًا أن هناك إدراكًا أمريكيًا وإسرائيليًا بأن الإنهاء الكامل للأطراف الإيرانية الوكيلة في قطاع غزة ولبنان واليمن والعراق غير ممكن دون توجيه ضربة حاسمة للنظام الإيراني الداعم لتلك الأطراف. وهذا لا يعني قطع شريان الإمداد العسكري والأيديولوجي للوكلاء فحسب، بل يمنحهم مساحة لتقدير أوضاعهم وتقديم تنازلاتهم دون ضغوط إيرانية كانت تمنعهم من ذلك حتى اللحظة. ويظهر من مؤشرات ذلك الربط بين الاستهداف الحالي لإيران ووحدة الساحات، والهجمات المتزامنة التي تطال كل من حزب الله اللبناني والحشد الشعبي في العراق، حيث استهدفت الضربات قيادته الرئيسية في العاصمة العراقية بغداد.

السياق الثاني: أن العملية من الناحية العملياتية، تُعتبر استكمالاً للمسارات العسكرية التي بدأتها إسرائيل في يونيو 2025، بعملية "الأسد الصاعد" والتي استهدفت قادة عسكريين إيرانيين، وعُلماء نوويين، والقدرات الدفاعية والهجومية الإيرانية. والتي توقفت بعد 13 يوماً، بتوجيه الولايات المتحدة ضربات قوضت ورُبما أنهت كما تُشير التصريحات الأمريكية، برنامج إيران النووي. ويُشير هذا المسار إلى أن الهجمات الحالية؛ قد لا تضع أهدافاً محدودة ضد قُدرات مُعينة فحسب، بل تأتي في سياق تدمير كامل وممنهج للقدرات العسكرية الإيرانية سواء الهجومية أو الدفاعية، لا سيما الصاروخية والباليستية والبحرية، وهذا يعني إضعاف النظام وإحداث فراغ استراتيجي من خلال اغتيال كبار قادته ومنظريه بما قد يُؤدي مستقبلاً إلى تقويض قدرة النظام على الصمود خاصة في ظل الحراك الاحتجاجي في الشارع والمستمر منذ أواخر 2025.

سيناريوهات-العمليات-العسكرية-الإسرائيلية-الأمريكية-وردود-الفعل-الإيرانية-in-3.jpg

سيناريوهات العملية العسكرية المُشتركة

تدخل العمليات العسكرية المشتركة في يومها الأول وسط تساؤلات وحالة من الضبابية والغموض حول مآلاتها وأهدافها وأمدها، وهو ما يضعها ضمن مجموعة من السيناريوهات كالآتي:

السيناريو الأول: عملية عسكرية بسقف زمني محدود

من المحتمل أن تستمر العملية الجارية لأيام ورُبما أسابيع قليلة قادمة، وفي ضوء هذا السيناريو؛ فإن العمليات العسكرية محدودة المُدة، يعني أنها ضيقة الأهداف، وربما تتمحور أهدافها حول واحدة من النقاط التالية:

أولاً: تقويض قدرات النظام الإيراني، خاصة الصاروخية طويلة المدى منها، ومنعه من ممارسة أي ردع أو تنفيذ أي رد. ورغم أن إيران نشطت خلال اليوم الأول في تنفيذ ضربات مضادة استهدفت دولًا مختلفة في المنطقة، إلا أنه من المتوقع أن تبدأ قدراتها ونشاطها الواسع في توجيه الصواريخ والطائرات المسيرة بالانخفاض تدريجيًا خلال الأيام القادمة، وتوجهها إلى أهداف قريبة منها في دول مجلس التعاون الخليجي. وهذا ما يزيد الضغط على واشنطن بسبب تضرر حلفائها.

ثانياً: عملية عسكرية متدرجة، بحيث ستكون كل جولة على مدى يوم إلى يومين، مع فترات توقف لإعادة التقييم وتحديد أضرار المعركة، وفقًا لمسؤول أمريكي لـ CNN بالتالي، قد تشهد فترات من التصعيد وأخرى من التهدئة، ويأتي الغرض من ذلك مزامنة الفعل العسكري مع المسار التفاوضي، خاصة وأن وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، استبق العملية بتصريحاته التي تشير إلى احتمالات وإمكانات مقبولة للتوصل إلى اتفاق، محاولًا إحاطة العالم ودول مجلس التعاون الخليجي بمجريات المفاوضات، والتأكيد على أن أي عمل عسكري لا يتوافق مع مسار المفاوضات الجارية. واليوم عبر في تدوينة على موقع "إكس": "أنا مُحبط (مصدوم)، لقد تم مرة أخرى تقويض مفاوضات جارية وجادة"، مذكّرًا بالهجوم الإسرائيلي السابق على إيران في حين كانت المفاوضات بين طهران وواشنطن جارية في العاصمة العمانية مسقط، مضيفًا أن هذا لا يخدم مصالح الولايات المتحدة ولا قضية السلام العالمي.

السيناريو الثاني: عملية عسكرية مفتوحة المدة ومحددة الأهداف

إن دخول الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية واسعة النطاق، ومُحددة الأهداف، قد يعني اتساع تلك الأهداف وبشكل يتعدى تقويض قدرات عسكرية بعينها مثل القدرات الصاروخية، والذهاب نحو عملية طويلة الأمد لإسقاط النظام وإحداث فراغ سياسي وأمني استراتيجي في منظومة الحُكم التي يقودها المرشد والحرس الثوري الإيراني. وهو ما يُشير إلى أن التدخل العسكري قد يكون مُتتالياً أو متقطعاً، وقد يكون شاملاً أو انتقائياً. مع ذلك فإن حدوث فراغ في منظومة الحكم مسألة غير واضحة، لا سيما وأن الدستور يحدد اجراءات تحول دون فراغ سيادي واتخذت البلاد إجراءات استباقية باختيار النائب الخامس والرابع لكل مسؤول، ما يشير الى صعوبة شغور أي منصب دون بديل، وما يعني عمليا استبعاد هذا الفراغ دون حدوث انقلاب داخلي أو ثورة تطيح بالنظام برمته دستوريا ومؤسسيا.

السيناريو الثالث: عملية عسكرية محددة واسعة النطاق ومتعددة الأهداف

من المحتمل بشدة؛ أن تكون العملية العسكرية الجارية، متعددة المراحل والمستويات والأهداف، تعمل على تقويض القدرات الإيرانية، والتوجه إلى عمليات عسكرية متتالية لإنهاء نفوذ وقدرات وكلائها سواء الفصائل المسلحة العراقية وحزب الله اللبناني ورُبما الحوثيين في اليمن. وقد يشير تصريح زعيم الأغلبية الديمقراطية تشاك شومر، بعد إيجاز قدمه البيت الأبيض لقادة في الكونجرس ومجلس للنواب، بشأن خطورة الأمر وضرورة مصارحة الشعب الأمريكي، بأن العمليات العسكرية الجارية ربما طويلة الأمد وذات كلف محتملة كبيرة.

السيناريو الرابع: الجمود العملياتي ودخول الحرب مرحلة zero sum

هناك احتمال ألا تؤدي العمليات إلى أي تغيير جوهري في إيران، سواء على مستوى تغيير النظام أو نهجه، أو دفعه لتقديم تنازلات تفاوضية. وفي هذه الحالة، فإن كل من الولايات المتحدة وإسرائيل يخاطران بإنتاج واقع تكون فيه إيران ضعيفة ومهددة، لكنها خطيرة في الوقت نفسه، حيث يصبح التصعيد أو التصدي لأي فعل يُقدَّر أنه يمثل تهديدًا داخليًا أو خارجيًا عليها حدثًا متكرّرًا في النهج الإيراني، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية تغذي قوة المتشدّدين الذين سيسارعون لتصوير الوضع باعتباره انتصارًا في الحرب.

ستراتيجيكس

فريق تحليل السياسات