سيناريوهات استئناف العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران

تٌطرح عدة سيناريوهات للمواجهة الأمريكية-الإيرانية في ظل تعثر المفاوضات وتصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية المتبادلة، وتباين الحسابات السياسية بشأن استئناف العمليات العسكرية. حيث تستعرض الورقة التحديات الداخلية في إيران وحسابات واشنطن وتل أبيب، واحتمالات الانتقال إلى مواجهة عسكرية مفتوحة أو استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم".

الكاتب ستراتيجيكس
  • تاريخ النشر – ٠٥‏/١١‏/٢٠٢٦

تتجه المواجهة الأمريكية-الإيرانية نحو مرحلة من الغموض الاستراتيجي، في ظل تعثر المسار التفاوضي واستمرار حالة "اللاحرب واللاسلم"،بالتوازي مع تصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية المتبادلة. وفي الوقت الذي تعكس فيه التحركات الأمريكية والإسرائيلية استعداداً لاحتمال استئناف العمليات العسكرية، تواجه طهران تحديات داخلية وخلافات بشأن أولوية التفاوض أو التصعيد. وفي المقابل، تتباين الحسابات داخل الإدارة الأمريكية وإسرائيل بشأن كلفة العودة إلى المواجهة وتوقيتها وأهدافها. وفي ضوء ذلك، تبرز عدة سيناريوهات محتملة لمسار المواجهة، تتراوح بين استئناف العمليات العسكرية أو استمرار الضغوط الموازية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

حراك دبلوماسي مكثف ونتائج غير مضمونة

فمنذ 30 أكتوبر، دخلت قطر على خط الوساطة عبر إجرائها اتصالات مكثفة مع واشنطن وطهران، أعقبتها اجتماعات لوفد إيران التفاوضي في الدوحة استمرت ثلاثة أيام، قبل مغادرته في 2 نوفمبر. وتتمحور هذه المفاوضات حول ثلاث قضايا مترابطة، تتمثل في مطالبة الولايات المتحدة بإعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، والتي تربط طهران استعادتها بتلبية شروطها، إلى جانب اشتراط واشنطن تقديم إيران تنازلات نووية قبل استئناف المفاوضات. وتستند الشروط الإيرانية إلى ما يُعرف بـ"خطة الأيام السبعة"، التي طرحتها طهران في سبتمبر الماضي، وتنص بنودها على إنهاء الحصار البحري الأمريكي مقابل إعادة فتح المضيق، ورفع العقوبات الاقتصادية، والإفراج عن الأموال المجمدة، ووقف الحرب، وتأجيل الملفات المعقدة، وفي مقدمتها الملف النووي، إلى مراحل لاحقة من المفاوضات.

داخلية-1.jpg

وهو ما يتعارض مع نهج التفاوض الأمريكي القائم على مبدأ "الخطوة مقابل الخطوة"، إذ إن تنفيذ الشروط الإيرانية لن يتم دون الاتفاق على جدول زمني متبادل يثبت التزامات طهران المقابلة. فضلاً عن تمسك واشنطن بأن أي اتفاق، سواء أكان دائمًا أم مؤقتًا، يجب أن يتضمن التزاماً إيرانياً راسخاً بعدم إعادة بناء برنامجها النووي.

وفي سياق متصل، تحظى كل جولة من جولات المفاوضات باهتمام طرفيها ودعم إقليمي لوقف الحرب، ففي 2 نوفمبر أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مقابلة مع القناة 12 الإسرائيلية، أنه لم يتخذ قراراً نهائياَ بشأن شن عمل عسكري ضد إيران، في وقت تتواصل فيه المساعي الدبلوماسية، وفي المقابل، منح المرشد الإيراني مجتبي خامنئي الحكومة صلاحيات وخيارات لإجراء محادثات سلام ومفاوضات. كما أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الرسمية "إرنا" في 2 نوفمبر، أن طهران تسعى إلى حل الأزمة عبر الحوار.

ورغم التحركات الدبلوماسية المكثفة المرتبطة بالمفاوضات الأمريكية-الإيرانية، لا تزال المفاوضات عند نقطة البداية، إذ لا يزال الطرفان يبحثان عن توافق بشأن مبادئ عامة وتفاهمات أولية، دون أن تفضي هذه المفاوضات إلى استئناف المفاوضات حول البرنامج النووي أو التوصل إلى تفاهم بشأن شروط إنهاء الحرب. وفي أفضل الأحوال، ينحصر الحديث في إمكانية التوصل إلى "اتفاق مرحلي"، وليس تسوية شاملة. وقد أظهرت التجربة أن أي اتفاق بين الطرفين سيبقى هشاً ما لم يُدعَم بنتائج ميدانية أو تحولات داخلية، إذ سبق أن وقعت الدولتين "مذكرة تفاهم" دخلت حيز التنفيذ في 17 يونيو، بهدف وقف الحرب مُدة 60 يومياً لكنها لم تصمد سوى 20 يوماً، فقط قبل أن يعلن ترامب التخلي عنها في 7 يوليو.

مؤشرات استئناف العمليات العسكرية

تُقابل مؤشرات التوصل إلى اتفاق مرحلي مؤشرات موازية على استعداد الطرفين لاستئناف التصعيد، إذ تكثف الولايات المتحدة وجودها العسكري في المنطقة بشكل غير مسبوق؛ فقد بلغ عدد القوات الأمريكية المنتشرة فيها نحو 50 ألف جندي، ومن المقرر أن يُضاف إليهم قرابة 10 آلاف آخرين خلال نوفمبر الجاري. وحتى أواخر أكتوبر، تمركزت مجموعتان قتاليتان أمريكيتان في بحر العرب، هما المجموعة الضاربة لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن"، والمجموعة الضاربة لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج إتش دبليو بوش"، ومن المقرر أن تنضم إليهما مجموعة ثالثة تقودها حاملة الطائرات "يو إس إس ثيودور روزفلت"، التي غادرت قاعدتها في سان دييغو يوم 27 سبتمبر متجهة إلى الشرق الأوسط. كما تتجه إلى المنطقة مجموعة "يو إس إس ماكين آيلاند" البرمائية، التي تحمل الوحدة الاستكشافية الثالثة عشرة، لتصبح بذلك ثاني مجموعة برمائية في المنطقة، إلى جانب مجموعة "يو إس إس بوكسر" التي تحمل الوحدة الاستكشافية الحادية عشرة.

سيناريوهات-استئناف-العمليات-العسكرية-الأمريكية-الإسرائيلية-ضد-إيران-داخلية-2.jpg

وفي الواقع، تُشير هذه التعزيزات المكثفة إلى أن الولايات المتحدة تستعد لاحتمال استئناف العمليات العسكرية؛ فوفقاً للخُبراء يفوق هذا الحشد غايات الضغط أو حاجات الحصار، ويُعزز مؤشرات الاستعداد الميداني على المستويين الهجومي والدفاعي. ويتجلى ذلك في زيادة القدرات النارية وتنويعها، إلى جانب إنشاء طبقة إضافية من الدفاع الجوي والصاروخي البحري لحماية السفن وحاملات الطائرات، التي تعرضت لتهديدات صاروخية خلال جولة التصعيد السابقة. كما يتيح هذا الانتشار توزيع مهام الاعتراض بين المنظومات البحرية والبرية، بما يخفف الاعتماد على بطاريات باتريوت وثاد، ويسهم في الحفاظ على مخزون صواريخها الاعتراضية.

على الطرف المقابل، يبدو أن الاستعداد الإيراني لاستئناف الحرب يفوق تقديرها لجدوى المفاوضات، خاصة بالنظر إلى ما سبق؛ إذ تزامنت الضربات العسكرية التي استهدفت إيران في يونيو 2025 ثُم فبراير 2026، مع مسار تفاوضي نشط، وهو ما أسهم في تراجع ثقة القادة الإيرانيين بالمسارات التفاوضية، بل قد يدفعهم إلى النظر إليها باعتبارها جزءًا من عملية تضليل استراتيجي تهدف إلى توجيه ضربة استباقية ومفاجئة ضد إيران. وفي الفترة الأخيرة، ارتفعت نسبة البيانات والتقارير المنسوبة إلى المرشد مجبتي خامنئي؛ ففي أواخر أكتوبر، اجتمع مع كبار المسؤولين العسكريين، ووفقاً لبيان صادر عن مكتبه، أصدر المرشد تعليمات بالرد على أي هجوم دون قيود جغرافية. وفي 4 نوفمبر، اتسم بيان المرشد بنبرة أكثر تشاؤمًا، إذ أشار إلى أن إيران لن تقدم أي تنازلات للولايات المتحدة، وحذر من أن أي جولة جديدة من الهجمات أو التصعيد ضد إيران ستؤدي إلى حرب أوسع نطاقًا بكثير في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، تشير التهديدات الصادرة عن الحرس الثوري والقادة العسكريين إلى أن المواجهة المقبلة لن تقتصر على منطقة غرب آسيا، وربما تمتد إلى المحيط الهندي.

تحولات داخلية وأولويات مركبة

تشهد الإدارة الأمريكية انقساماً داخلياً بشأن أولوية الحرب أو المفاوضات أو الاستمرار في استخدام أدوات الضغط. ففي حين يبدو الرئيس الأمريكي أقرب إلى خيار استئناف الحرب، يبرز تيار فانس-روبيو الذي يفضل منح المفاوضات أولوية استراتيجية وتجنب الانخراط في جولة جديدة من العمليات العسكرية. ورغم أن نتائج انتخابات التجديد النصفي لا تؤثر بصورة مباشرة في الصلاحيات الدستورية لترامب بشأن استئناف الحرب، فإنها كشفت بوضوح الكلفة السياسية والاقتصادية لاستمرار المواجهة، وحجم المعارضة الشعبية لتداعياتها. كما أظهرت الانتخابات تبايناً واضحاً في تقديرات أطراف الإدارة الأمريكية؛ إذ رفض ترامب اعتبار الحرب على إيران سببًا رئيسيًا للهزيمة الانتخابية، مؤكدًا أنه كان سيتخذ القرار نفسه مجددًا، في حين حمّل فانس الحرب مسؤولية خسارة الجمهوريين، معتبرًا أن قرار إنهائها كان التوجه الصحيح.

على الطرف الآخر؛ فإن حالة "اللاحرب واللاسلم" تفرض على إيران كلفة اقتصادية متزايدة بفعل استمرار الضغوط والعزلة وعدم اليقين، لكنها، في المقابل، تؤجل استحقاقات داخلية أكثر تعقيداً قد تبرز مع توقف الحرب، وتتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وشرعية المرشد الثالث، وحدود العلاقة بين المؤسسة التنفيذية والمؤسسة العسكرية، فضلاً عن مراجعة حصيلة السياسة الخارجية الإيرانية خلال العقود الماضية، التي أعطت أولوية للنفوذ والتمدد الإقليمي على حساب المصالح الاقتصادية ومتطلبات التنمية الداخلية. وفي هذا السياق، لا تقتصر أهمية المسار الذي سينهي حالة "اللاحرب واللاسلم" على تحديد مستقبل المواجهة مع الولايات المتحدة، بل تمتد إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل النظام الإيراني. فمن جهة، قد يعزز التوصل إلى تسوية عبر المفاوضات موقع السلطة التنفيذية والقوى الداعية إلى احتواء التصعيد وإعطاء الأولوية للتعافي الاقتصادي، على حساب نفوذ المؤسسة العسكرية والحرس الثوري. ومن جهة أخرى، قد يؤدي إنهاء المواجهة عبر الحسم العسكري أو استمرار التصعيد إلى تعزيز دور المؤسسة العسكرية في إدارة الدولة، لكنه ينطوي على كلفة اقتصادية وأمنية وسياسية مرتفعة، وقد يفاقم التحديات الداخلية التي تواجه النظام. ومن هذا المنطلق، تتباين الحسابات داخل طهران بشأن أولوية المفاوضات أو الاستعداد لجولة جديدة من التصعيد. ويعكس استمرار هذا التباين دون حسم غياب موقف واضح من المرشد ويطرح تساؤلات حول قدرته على توحيد مراكز القرار وفرض توجه استراتيجي واضح. وهو ما يُفقد البلاد استراتيجية تفاوضية محددة، بما ينعكس على صلاحيات الوفد التفاوضي، ويُبقيه محدود القدرة على اتخاذ القرارات أو التحرك وفق أهداف واضحة واستراتيجية متفق عليها.

سيناريوهات الحرب-التفاوض بين واشنطن وطهران

في ظل حالة عدم اليقين، وتراجع فرص التوصل إلى اتفاق، وتزايد التعقيدات الداخلية المرتبطة باستئناف الحرب، تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية على النحو الآتي:

السيناريو الأول: استئناف العمليات العسكرية

إلى جانب المؤشرات العسكرية الداعمة لهذا السيناريو وتراجع فرص نجاح المفاوضات، يطرح الواقع الميداني تساؤلًا بشأن الكيفية التي يمكن أن تنتهي بها حالة "اللاحرب واللاسلم"، التي تُكبد دول المنطقة وطرفي الحرب تكاليف باهظة، وتُبقي على حالة التأهب الهجومي والدفاعي، وما يرتبط بها من استنزاف متواصل. وفي الوقت نفسه، يبدو كسر حلقة الجمود غير ممكناً دون حدوث تغيرات ميدانية أو تحولات في موازين القوى، أو بروز تحولات داخلية مؤثرة تدفع أحد الطرفين إلى التراجع، إما بوقف واشنطن الحرب أو بتقديم طهران تنازلات.

وفي ظل عدم حدوث تلك التحولات بصورة حاسمة، يصبح خيار العودة إلى الحرب أكثر حضورًا، لا سيما أن التعزيزات العسكرية الأمريكية تشير إلى سعي واشنطن لتكثيف وجودها البحري والبرمائي، مقارنةً بحجم الحشد الذي رافق العمليات العسكرية في فبراير 2026. وهو ما قد يعني أن واشنطن تخطط لعمليات من شأنها تغيير موازين القوى والواقع الميداني لصالحها، عبر توسيع خياراتها الهجومية لتشمل القصف الصاروخي وتنفيذ عمليات برية محدودة بواسطة الجيش الأمريكي.

السيناريو الثاني: نجاح مفاوضات الدوحة

في حين يبدو هذا السيناريو مستبعدًا، نظرًا إلى تعقيد القضايا المطروحة في المفاوضات واتساع الفجوة بين الطرفين، تطرح سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس الأمريكي خيارًا ثانيًا أمام الإدارة الأمريكية. فمن جهة، يتمتع الرئيس بصلاحيات شن الحرب، إلا أن ممارستها تخضع لقيود قانونية، من بينها تحديد مدة العمليات العسكرية بـ90 يومًا دون موافقة الكونغرس. ومن جهة أخرى، قد تعزز تلك النتائج أولوية مبدأ "أمريكا أولًا" داخل الإدارة الأمريكية، وتدفعها إلى التركيز على الانتخابات الرئاسية المقبلة، بدلًا من المجازفة بخوض حرب طويلة مع إيران، وبالتوازي مع ذلك، تشهد إسرائيل تحولات سياسية موازية؛ فمع خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في مجلسي الكونغرس الأمريكي، تراجعت فرص نتنياهو في تشكيل الحكومة مجددًا، مقابل تزايد احتمالات تشكيل حكومة بتركيبة سياسية مختلفة، تقودها قوى جديدة بقيادة غادي آيزنكوت، الذي اتفقت قوى المعارضة الرئيسية على دعمه لتشكيل الحكومة.

ومع ذلك، حتى في حال نجاح مفاوضات الدوحة، فمن غير المرجح أن تفضي إلى مسار مستدام أو نتائج مضمونة؛ إذ قد تسفر، في أحسن الأحوال، عن اتفاق مرحلي أو إطار للمبادئ، وهو ما قد يعيد المشهد إلى السيناريو الأول.

السيناريو الثالث: اعتماد الضغوط الموازية واستمرار حالة "اللاحرب-اللاسلام"

يقوم هذا السيناريو على تجنب الولايات المتحدة وإيران العودة المباشرة إلى المواجهة العسكرية، دون التوصل في الوقت نفسه إلى اتفاق مرحلي ينهي حالة "اللاحرب واللاسلم"، واستبدال ذلك بتكثيف أدوات الضغط المتبادل، بما يُبقي احتمالات استئناف الحرب قائمة ويُستخدم لتحسين الشروط التفاوضية. فمن جانب واشنطن، قد يتخذ ذلك شكل استمرار الحصار البحري، وتشديد العقوبات الاقتصادية، وتعزيز الوجود العسكري في المنطقة، إلى جانب توظيف الضغوط الدبلوماسية لزيادة عزلة طهران. وفي المقابل، قد تلجأ إيران إلى توظيف أوراقها الإقليمية، واستمرار تهديدات الملاحة في مضيق هرمز، وتوسيع نطاق الضغوط الأمنية والاقتصادية على المصالح الأمريكية وحلفائها. ومع ذلك فإن هذا المسار مرتبط بالعامل الزمني؛ ففي وقت يُقلل فيه الكلف المباشرة، فإنه يزيد من كلف ومخاطر الاستنزاف طويل الأمد، ولا يوفر ضمانات باحتواء المواجهة أو منع تحول الضغوط إلى اشتباك عسكري أوسع نتيجة سوء التقدير أو محاولة أي من الطرفين كسر حلقة الجمود. ما يُشير إلى حالة غير مستدامة قد تعيد المشهد إلى مربع السيناريو الأول.

ستراتيجيكس

فريق تحليل السياسات