سيناريوهات استئناف العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران
تٌطرح عدة سيناريوهات للمواجهة الأمريكية-الإيرانية في ظل تعثر المفاوضات وتصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية المتبادلة، وتباين الحسابات السياسية بشأن استئناف العمليات العسكرية. حيث تستعرض الورقة التحديات الداخلية في إيران وحسابات واشنطن وتل أبيب، واحتمالات الانتقال إلى مواجهة عسكرية مفتوحة أو استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم".
الكاتب ستراتيجيكس
- تاريخ النشر – ٠٦/١١/٢٠٢٦
تتجه المواجهة الأمريكية-الإيرانية نحو مرحلة من الغموض الاستراتيجي، في ظل تعثر المسار التفاوضي واستمرار حالة "اللاحرب واللاسلم"، بالتوازي مع تصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية المتبادلة، وفي الوقت الذي تعكس فيه التحركات الأمريكية والإسرائيلية استعداداً لاحتمال استئناف العمليات العسكرية، تواجه طهران تحديات داخلية وخلافات بشأن أولوية التفاوض أو التصعيد. وفي المقابل، تتباين الحسابات داخل الإدارة الأمريكية وإسرائيل بشأن كلفة العودة إلى المواجهة وتوقيتها وأهدافها. وفي ضوء ذلك، تبرز عدة سيناريوهات محتملة لمسار المواجهة، تتراوح بين استئناف العمليات العسكرية أو استمرار الضغوط الموازية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
حراك دبلوماسي مكثف ونتائج غير مضمونة
فمنذ 30 أكتوبر، دخلت قطر على خط الوساطة بإجرائها اتصالات مكثفة مع واشنطن وطهران، أعقبتها اجتماعات لوفد إيران التفاوضي في الدوحة استمرت ثلاثة أيام، قبل مغادرته في 2 نوفمبر. وتتمحور هذه المفاوضات حول ثلاث قضايا مترابطة، تتمثل في مطالبة الولايات المتحدة بإعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، والتي تربط طهران استعادتها بتلبية شروطها، إلى جانب اشتراط واشنطن تقديم إيران تنازلات نووية قبل استئناف المفاوضات. وتستند الشروط الإيرانية إلى ما يُعرف بـ"خطة الأيام السبعة"، التي طرحتها في سبتمبر الماضي، وتنص بنودها على إنهاء الحصار البحري الأمريكي مقابل إعادة فتح المضيق، ورفع العقوبات الاقتصادية، والإفراج عن الأموال المجمدة، ووقف الحرب، وتأجيل الملفات المعقدة، وفي مقدمتها الملف النووي، إلى مراحل لاحقة من المفاوضات.

وهو ما يتعارض مع نهج التفاوض الأمريكي القائم على "الخطوة مقابل الخطوة"، حيث تنفيذ الشروط الإيرانية لن يتم دون الاتفاق على جدول زمني متبادل يثبت التزامات طهران المقابلة. فضلاً عن تمسك واشنطن بأن أي اتفاق سواء دائم أو مؤقت يجب أن يتضمن التزاماً إيرانياً راسخاً بعدم إعادة بناء برنامجها النووي. وعلى المنوال نفسه، في كُل جولة من جولات المفاوضات، تلقى اهتماماً من طرفيها ودعماً إقليمياً لوقف الحرب، ففي 2 نوفمبر أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مقابلة مع القناة 12 الإسرائيلية أنه لم يتخذ قراراً نهائياَ بشأن شن عمل عسكري ضد إيران، في وقت تتواصل فيه المساعي الدبلوماسية. على الجانب الآخر منح المرشد الإيراني مجتبي خامنئي الحكومة صلاحيات وخيارات لإجراء محادثات سلام ومفاوضات. وفي 2 نوفمبر أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في تصريحات نُقلت عن وكالة الأنباء الرسمية "إرنا"، أن طهران تسعى إلى حل الأزمة عبر الحوار.
ورغم التحركات الدبلوماسية المكثفة المرتبطة بالمفاوضات الأمريكية-الإيرانية، لا تزال المفاوضات عند نقطة البداية، إذ لا يزال الطرفان يبحثان عن توافق بشأن مبادئ عامة وتفاهمات، من دون أن تفضي هذه المفاوضات إلى استئناف المفاوضات حول البرنامج النووي أو التوصل إلى تفاهم بشأن شروط إنهاء الحرب. وفي أفضل الأحوال، ينحصر الحديث في "اتفاق مرحلي" وليس تسوية شاملة. وقد أظهرت التجربة أن أي اتفاق بين الطرفين سيبقى هشاً دون دعمه بنتائج ميدانية أو تحولات داخلية، فقد سبق أن وقعت الدولتين "مذكرة تفاهم" دخلت حيز التنفيذ في 17 يونيو، بهدف وقف الحرب مُدة 60 يومياً لكنها لم تصمد سوى 20 يوماً فقط قبل أن يُعلن ترامب التخلي عنها في 7 يوليو.
مؤشرات استئناف العمليات العسكرية
تُقابل مؤشرات التوصل إلى اتفاق مرحلي مؤشرات موازية على استعداد الطرفين لاستئناف التصعيد، إذ تكثف الولايات المتحدة وجودها العسكري في المنطقة بشكل غير مسبوق؛ فقد بلغ عدد القوات الأمريكية المنتشرة فيها نحو 50 ألف جندي، ومن المقرر أن يُضاف إليهم قرابة 10 آلاف آخرين خلال نوفمبر الجاري. وحتى أواخر أكتوبر، تتمركز مجموعتان قتاليتان أمريكيتان في بحر العرب، هما المجموعة الضاربة لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن"، والمجموعة الضاربة لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج إتش دبليو بوش"، ومن المقرر أن تنضم إليهما مجموعة ثالثة تقودها حاملة الطائرات "يو إس إس ثيودور روزفلت"، التي غادرت قاعدتها في سان دييغو يوم 27 سبتمبر متجهة إلى الشرق الأوسط. كما تتجه إلى المنطقة مجموعة "يو إس إس ماكين آيلاند" البرمائية، التي تحمل الوحدة الاستكشافية الثالثة عشرة، لتكون المجموعة الثانية من هذا النوع، إلى جانب مجموعة "يو إس إس بوكسر" التي تحمل الوحدة الاستكشافية الحادية عشرة.

وفي الواقع؛ تُشير هذه التعزيزات المًكثفة أن الولايات المتحدة مُقبلة على استئناف العمليات العسكرية، فوفقاً للخُبراء بفوق هذا الحشد غايات الضغط أو حاجات الحصار، ويُعزز احتمالية الاستعداد الميداني الهجومي والدفاعي، من حيث زيادة القدرات النارية وتنويعها، وكذلك إنشاء طبقة دفاع جوي وصاروخي بحرية إضافية لحماية السفن وحاملات الطائرات التي تعرضت لتهديدات صاروخية خلال جولة التصعيد السابقة، ولتوزيع مهام الاعتراض بين المنظومات البحرية والبرية بما يتيح تخفيف الاعتماد على بطاريات باتريوت وثاد، والمحافظة على مخزون صواريخها الاعتراضية.
على الطرف المُقابل؛ يبدو أن الاستعداد الإيراني لاستئناف الحرب بفوق تقديرها لجدوى المفاوضات، خاصة بالنظر إلى ما سبق؛ حيث تزامنت الضربات العسكرية ضدها في يونيو 2025 ثُم فبراير 2026 مع مسار تفاوضي نشط، فإن القادة الإيرانيون أصبحوا فاقدين للثقة في المسارات التفاوضية بل قد يقدرونه باعتباره جزء من عملية تضلي استراتيجية لتوجيه ضربة استباقية ومفاجئة ضدها. وفي الفترة الأخيرة؛ ارتفعت نسبة البيانات والتقارير المنسوبة إلى المرشد مجبتي خامنئي، ففي أواخر أكتوبر اجتمع مع كبار المسؤولين العسكريين، ووفقاً لبيان صدر عن مكتبه أصدر المرشد تعليمات بالرد على أي هجوم دون قيود جغرافية. وفي 4 نوفمبر بدا أن بيان المرشد أكثر تشاؤمية، مشيرا إلى أن إيران لن تقدم أي تنازلات للولايات المتحدة، وحذر من أن أي جولة جديدة من الهجمات أو التصعيد ضد إيران ستؤدي إلى حرب أوسع نطاقاً بكثير في الشرق الأوسط، وفي هذا السياق تُشير التهديدات الصادرة عن الحرس الثوري والقادة العسكريين، بأن المواجهة القادمة لن تقتصر على منطقة غرب آسيا وربما تتوسع نحو المحيط الهندي.
تحولات داخلية وأولويات مركبة
تشهد الإدارة الأمريكية انقساماً داخلياً حول أولوية الحرب أو المفاوضات أو الاستمرار في استخدام أدوات الضغط. ففي حين يبدو الرئيس الأمريكي أقرب إلى خيار استئناف الحرب، يبرز تيار فانس-روبيو الذي يفضل منح المفاوضات أولوية استراتيجية وتجنب الانخراط في جولة جديدة من العمليات العسكرية. وفي حين أن نتائج انتخابات التجديد النصفي لا تؤثر بصورة مباشرة في الصلاحيات الدستورية لترامب بشأن استئناف الحرب، فإنها كشفت بوضوح الكلفة السياسية والاقتصادية لاستمرار المواجهة، وحجم المعارضة الشعبية لتداعياتها. وفي الوقت نفسه، أظهرت الانتخابات تبايناً واضحاً في تقديرات أطراف الإدارة الأمريكية؛ فبينما رفض ترامب اعتبار الحرب على إيران سبباً رئيسياً للهزيمة الانتخابية، وأكد أنه كان سيتخذ القرار نفسه مجدداً، حمل فانس الحرب مسؤولية خسارة الجمهوريين، معتبراً أن قرار إنهائها كان التوجه الصحيح.
على الطرف الآخر؛ فإن استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم" يفرض على إيران كلفة اقتصادية متزايدة بفعل استمرار الضغوط والعزلة وعدم اليقين، لكنه في المقابل يؤجل استحقاقات داخلية أكثر تعقيداً قد تبرز مع توقف الحرب، وتتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وشرعية المرشد الثالث، وحدود العلاقة بين المؤسسة التنفيذية والمؤسسة العسكرية، فضلاً عن مراجعة حصيلة السياسة الخارجية الإيرانية خلال العقود الماضية، التي أعطت أولوية للنفوذ والتمدد الإقليمي على حساب المصالح الاقتصادية ومتطلبات التنمية الداخلية. وفي هذا السياق، لا تقتصر أهمية المسار الذي سينهي حالة "اللاحرب واللاسلم" على تحديد مستقبل المواجهة مع الولايات المتحدة، بل تمتد إلى إعادة تشكيل توازنات القوى داخل النظام الإيراني. من جهة أن التوصل إلى تسوية عبر المفاوضات قد يعزز موقع السلطة التنفيذية والقوى الداعية إلى احتواء التصعيد وإعطاء الأولوية للتعافي الاقتصادي، على حساب نفوذ المؤسسة العسكرية والحرس الثوري. في المقابل، فإن إنهاء المواجهة من خلال الحسم العسكري أو استمرار التصعيد قد يعزز دور المؤسسة العسكرية في إدارة الدولة، لكنه ينطوي على كلفة اقتصادية وأمنية وسياسية مرتفعة، وقد يفاقم التحديات الداخلية التي تواجه النظام. ومن هذا المنطلق؛ تتباين الحسابات داخل طهران بشأن أولوية المفاوضات أو الاستعداد لجولة جديدة من التصعيد، ويعكس استمرار هذا التباين دون حسم غياب موقف واضح من المرشد ويطرح تساؤلات حول قدرته على توحيد مراكز القرار وفرض توجه استراتيجي واضح، وهو ما يُفقد البلاد استراتيجية تفاوضية محددة، بما ينعكس على صلاحيات الوفد التفاوضي، ويُبقيه محدود القدرة على اتخاذ القرارات أو التحرك وفق أهداف واضحة واستراتيجية متفق عليها.
سيناريوهات الحرب-التفاوض بين واشنطن وطهران
في ظل حالة عدم اليقين، وتراجع فُرص التوصل إلى اتفاق وتزايد التعقيدات الداخلية المُرتبطة في استئناف الحرب، تبرز ثلاث سيناريوهات رئيسية كالآتي:
السيناريو الأول: استئناف العمليات العسكرية
إلى جانب المؤشرات العسكرية الداعمة لهذا السيناريو وتراجع فرص نجاح المفاوضات، فإن الواقع الميداني يطرح تساؤلاً عن الكيفية التي يُمكن أن تنتهي بها حالة "اللاحرب واللاسلام" والتي تُكبد دول المنطقة وطرفي الحرب كُلف باهظة، وتبقي على حالة الجاهزية الهجومية والدفاعية قائمة وما يتصل بذلك من استنزاف متواصل. في الوقت نفسه فإن كسر حلقة هذا الجمود يبدو غير ممكناً دون تغيرات ميدانية وفي موازين القوى أو تحولات داخلية مؤثرة تدفع بأحد الطرفين إلى التراجع فإما وقف الحرب من طرف واشنطن أو التنازل من قبل طهران. وفي ظل عدم حدوث تلك التحولات بشكل حاسم، فإن التوجه إلى الحرب يبدو خياراً تلقائياً لا يستطيع أي من الطرفين تفاديه، وتُشير التعزيزات العسكرية الأمريكية أنها تسعى لتكثيف وجودها البحري والبرمائي، مقارنة بالحشد الذي رافق العمليات العسكرية في فبراير 2026، ما يعني أن واشنطن رُبما تتخطط لعمليات تُغير موازين القوى والواقع الميداني لصالحها، من خلال اتاحة خيارات هجومية إضافية من حيث القصف الصاروخي والعمليات البرية المحدودة للجيش الأمريكي.
السيناريو الثاني: نجاح مفاوضات الدوحة
في حين يبدو هذا السيناريو مستبعدًا، نظرًا إلى تعقيد القضايا المطروحة في المفاوضات واتساع الفجوة بين الطرفين. ومع ذلك، تطرح سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس الأمريكي خيارًا ثانيًا أمام الإدارة الأمريكية؛ فمن جهة، يبدو أن الرئيس يتمتع بصلاحيات شن الحرب، إلا أن ممارستها تخضع لقيود قانونية، من بينها تحديد مدة العمليات العسكرية بـ90 يومًا دون موافقة الكونغرس. ومن جهة أخرى، يُمكن أن تؤدي تلك النتائج إلى تعزيز أولوية "أمريكا أولًا" داخل الإدارة الأمريكية، والتركيز على الانتخابات الرئاسية المقبلة دون المجازفة بخوض حرب طويلة مع إيران، وبالتزامن، تشهد إسرائيل تحولات سياسية موازية؛ فبالتوازي مع خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في مجلسي الكونغرس الأمريكي، تراجعت فرص نتنياهو في تشكيل الحكومة مجددًا، مقابل تزايد احتمالات تشكيل حكومة بتركيبة سياسية مختلفة، تقودها أطراف جديدة بقيادة غادي آيزنكوت، الذي اتفقت قوى المعارضة الرئيسية على دعمه لتشكيل الحكومة. ومع ذلك، حتى في حال نجاح مفاوضات الدوحة، فمن غير المحتمل أن تفضي إلى مسار مستدام أو نتائج مضمونة؛ ففي أحسن الأحوال، قد تسفر عن اتفاق مرحلي أو إطار للمبادئ، وهو ما قد يعيد المشهد إلى السيناريو الأول.
السيناريو الثالث: اعتماد الضغوط الموازية واستمرار حالة "اللاحرب-اللاسلام"
يقوم هذا السيناريو على تجنب الولايات المتحدة وإيران العودة المباشرة إلى المواجهة العسكرية، دون التوصل في الوقت نفسه إلى اتفاق مرحلي ينهي حالة "اللاحرب واللاسلم"، واستبدال ذلك بتكثيف أدوات الضغط المتبادل، بما يُبقي احتمالات استئناف الحرب قائمة ويُستخدم لتحسين الشروط التفاوضية. فمن جانب واشنطن، قد يتخذ ذلك شكل استمرار الحصار البحري، وتشديد العقوبات الاقتصادية، وتعزيز الوجود العسكري في المنطقة، إلى جانب توظيف الضغوط الدبلوماسية لزيادة عزلة طهران. وفي المقابل، قد تلجأ إيران إلى توظيف أوراقها الإقليمية، واستمرار تهديدات الملاحة في مضيق هرمز، وتوسيع نطاق الضغوط الأمنية والاقتصادية على المصالح الأمريكية وحلفائها. مع ذلك؛ فإن هذا المسار مرتبط بالعامل الزمني؛ ففي وقت يُقلل فيه الكلف المباشرة، فإنه يزيد من كلف ومخاطر الاستنزاف طويل الأمد، ولا يوفر ضمانات باحتواء المواجهة أو منع تحول الضغوط إلى اشتباك عسكري أوسع نتيجة سوء التقدير أو محاولة أي من الطرفين كسر حلقة الجمود. ما يُشير إلى حالة غير مستدامة قد تعيد المشهد إلى مربع السيناريو الأول.

ستراتيجيكس
فريق تحليل السياسات