التطلعات التركية لغاز شرق المتوسط

أصبحت تركيا بلا شك ممرا رئيسيا للطاقة يصل بين الشرق والغرب مما حقق لها بعض الميزات الجيواستراتيجية؛ إلا أن هذا كله لم يدفعها إلى الاكتفاء، بل على العكس توجهت إلى فرض نفسها كلاعب أساسي في مجال الطاقة دون امتلاك الموارد اللازمة لذلك؛ بحيث تسعى إلى إيجاد مكان لها في أي مشروع لاستخراج الغاز أو نقله في المنطقة؛ فهل ستنجح في ذلك؟

الكاتب STRATEGIECS Team
  • الناشر – STRATEGIECS
  • تاريخ النشر – Jun 28, 2020

تتأثر السياسات الخارجية للدول بشكل عام بعدة عوامل؛ منها: الموقع الجغرافي، والقوة العسكرية، وطبيعة النظام السياسي، والتكوين الاجتماعي، والموارد الاقتصادية، وغيرها، فكل عنصر من هذه العناصر من الممكن أن يشكل موطن قوة أو ضعف للدولة المعنية فيما يتعلق بتحديد موقعها أو تصنيفها من حيث النفوذ والقدرة على التأثير في الإقليم الذي يحيط بها وفي العالم بشكل عام.

يعلم الجميع بأن منطقة الشرق الأوسط تتميز باحتياطات هائلة من الوقود الأحفوري، الذي يحدد - كمورد طبيعي - جزءاً كبيراً من المسارات السياسية على مستوى العلاقات الدولية من تجاذبات وتنافرات بين دول المنطقة، والتي تتضمن - أي المسارات - سعي كل دولة إلى إيجاد حصة لها من إنتاج الوقود الأحفوري وتصريفه، وفي هذا السياق بدأت دول عديدة في المنطقة والعالم في إظهار الاهتمام باحتياطيات الغاز الطبيعي الموجودة في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، والبالغة نحو 3.45 تريليون متر مكعب؛ بحسب دراسة أعدها مركز الأبحاث الجيولوجية الأمريكية عام 2010.

في نوفمبر 2019، وقعت تركيا مع حكومة الوفاق الوطني الليبية بقيادة، فايز السراج، مذكرتي تفاهم للتعاون السياسي والأمني، وأخرى لترسيم الحدود البحرية، وتلخص مضمون الاتفاقين في شقين؛ هما:

الأول: أمني، حيث تعهدت تركيا بتزويد حكومة الوفاق بالإمدادات العسكرية لدعمها في الصراع المحلي الدائر هناك مع الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير، خليفة حفتر.

الثاني: اقتصادي، ويتضمن إنشاء منطقة ممتدة من الجنوب التركي إلى الشمال الشرقي الليبي، والتي من شأنها أن تسمح لتركيا بالتنقيب عن الغاز الطبيعي هناك.

وقوبلت هذه الخطوة التركية بتنديد عربي وأجنبي شمل عدداً من دول شرق البحر الأبيض المتوسط؛ مثل: إسرائيل، ومصر، واليونان، وقبرص، وغيرها، باعتبار أن تركيا تتعدى على مياه إقليمية متنازع عليها مع كل من: نيقوسيا وأثينا؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنها تستغل حالة الفوضى الأمنية والسياسية السائدة في الساحة الليبية منذ فترة طويلة، لتسهيل عملية تمرير مصالحها الاقتصادية.

ويرى البعض أن سعي تركيا إلى تأمين مصالحها فيما يتعلق بإمكانية التنقيب عن الغاز في حوض البحر الأبيض المتوسط، يأتي رداً على مصر التي عملت على تأسيس منتدى غاز المتوسط في يناير 2019، وضم 6 دول أخرى؛ هي: اليونان، وإيطاليا، والأردن، وإسرائيل، وقبرص، والسلطة الوطنية الفلسطينية، وتتركز رؤية هذا المنتدى في زيادة الاهتمام والتعاون لإيجاد أسواق تصريف للغاز الطبيعي، وما يترافق معه من العمل على التجهيزات المتعلقة بإنشاء البنى التحتية اللازمة لاستخراج الغاز ونقله.

لا تمتلك تركيا موارد محلية ذات شأن من الغاز الطبيعي، بل تعتبر من أكبر المستوردين له في المنطقة. فعلى سبيل المثال، قامت باستيراد نحو 23.29 مليار متر مكعب في أول 7 أشهر من عام 2019. وعلى الرغم من اكتشاف 286 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي في إقليم "تراقيا" شمال غرب تركيا في نوفمبر 2019، فإن هذه الكمية تبقى ضئيلة نسبياً مقارنة بـ 850 مليار متر مكعب من الغاز الموجود في حقل "ظهر" المصري المكتشف عام 2015 والذي بلغ إنتاجه اليومي حوالي 764.5 مليار متر مكعب مع نهاية عام 2019، أو بالمقارنة مع حقل "ليفياثان" الإسرائيلي الذي تقدر احتياطاته بنحو 620 مليار متر مكعب، بالإضافة إلى العديد من حقول الغاز الأخرى المتنازع عليها بالأخص مع لبنان، حتى أن قبرص البلد الصغير من حيث المساحة يمتلك حقل "أفروديت" الذي تقدر احتياطاته بـنحو 160 مليار متر مكعب.

أنقرة تبحث عن مخرج

رأت القيادة التركية أنه من الواجب عليها التفكير بخيار يضمن لها عدم الخروج من سوق الغاز الطبيعي في حوض البحر الأبيض المتوسط، فكان البديل هو جعل البلاد مضيفاً لأنابيب الغاز، وهذا ما عملت عليه أنقرة منذ مطلع القرن الحالي، حيث قامت بافتتاح خط الغاز الروسي التركي "Blue Stream" عام 2005 بشراكة روسية تركية وإيطالية، وسبق ذلك دخول خط الغاز الإيراني التركي "تبريز – أنقرة" إلى حيز الخدمة عام 2002، وهناك أيضاً خط غاز "باكو - تبيليسي - أرضروم" الذي يصل أذربيجان بتركيا عبر جورجيا، والذي بدأ في العمل عام 2007.

وتواصل التعاون الأذري التركي من خلال المشروع الضخم المعروف بـاسم "خط أنابيب الغاز عبر الأناضول - TANAP" والذي افتتح في يونيو 2018، ومن خلاله تم مد أنابيب الغاز من الحدود الجورجية التركية لتمر بـ 20 ولاية تركية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية، وتم ربط هذا المشروع بأنابيب الغاز عبر اليونان والبحر الأدرياتيكي وصولاً إلى الأراضي الإيطالية.

وتكللت شبكة أنابيب الغاز العابرة للأراضي التركية، بافتتاح خط غاز "ترك ستريم" في يناير 2020 الذي ينقل الغاز الروسي عبر البحر الأسود مروراً بإسطنبول ومنها إلى بلغاريا؛ تمهيداً لتصريفه في دول جنوب وشرق أوروبا.

ومن دون شك، فقد أصبحت تركيا ممراً رئيسياً للطاقة يصل بين الشرق والغرب مما حقق لها ميزة جيواستراتيجية تتمثل في تحصيل إيرادات جمركية من مرور الغاز عبر أراضيها، إلى جانب تأمين احتياجاتها منه بأسعار تفضيلية؛ إلا أن هذا كله لم يدفعها إلى الاكتفاء، بل على العكس توجهت إلى فرض نفسها كلاعب أساسي في مجال الطاقة دون امتلاك الموارد اللازمة لذلك؛ بحيث تسعى إلى إيجاد مكان لها في أي مشروع لاستخراج الغاز أو نقله في المنطقة.

وفي هذا السياق، لم تعترف أنقرة باتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي وقعت بين قبرص ومصر عام 2013؛ ما أدى إلى تأسيس قاعدة التوتر الاقتصادي مع القاهرة، التي سبقها شقاق سياسي سببه الموقف التركي من التغيرات الاجتماعية التي حدثت في مصر في يونيو 2013.

إن التسابق بين مصر وتركيا على صدارة مركز تجارة الطاقة في حوض البحر الأبيض المتوسط، يشهد مرحلة حساسة للغاية لا تخلو من المؤشرات التي تدل على إمكانية اندلاع صدام عسكري؛ إذ تصر أنقرة على التنقيب عن الغاز الطبيعي في المياه الإقليمية لقبرص الأوروبية؛ لاقتناعها بأن جمهورية شمال قبرص التركية - التي تحظى باعتراف أحادي بها كدولة من قبل أنقرة فقط - لها حق في غاز الجزيرة القبرصية ونفطها.

وبقيام تركيا بالتنقيب عن الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط برفقة طائرات وسفن حربية عام 2019، قد تكون بذلك أقدمت على خطوة غير مسبوقة في التاريخ المعاصر،  وهذا ما أثار حفيظة الدول الأوروبية، حيث أعلن مجلس العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي في أغسطس 2019 عن توقيعه على وثيقة تتضمن قيود اقتصادية قد يتم فرضها على تركيا في حال استمرت في "الاعتداء" على المياه الإقليمية لقبرص.

في المقابل، فمن الممكن أن تشكل الأنشطة التركية المذكورة، خطراً مفصلياً على المصالح الحيوية المصرية، وبالأخص بعد اتفاق القاهرة مع نيقوسيا عام 2018 على توريد الغاز القبرصي من حقل "أفروديت" ليتم تسييله في مدينة "إدكو" المصرية، ومن ثم تصديره إلى دول مختلفة، وهذا ما يفاقم من حدة التوتر بين البلدين.

حالة من اللايقين

وقعت السلطات في كل من: أثينا، ونيقوسيا، وتل أبيب، على الاتفاق النهائي لإنشاء خط غاز "إيست ميد" الذي من المفترض أن يتم انتهاء العمل فيه عام 2025، وهو عبارة عن أنبوب يبلغ طوله قرابة الـ 1900 كم، وينقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر قبرص واليونان، إلا أن هذا الأنبوب سيمر حتماً من المنطقة البحرية التي اتفقت أنقرة على اقتسامها مع طرابلس، علماً بأن الخارجية التركية أعلنت بعد ساعات قليلة على توقيع الاتفاق المذكور عن رفضها للمشروع، في إشارة قوية إلى أن أي رؤية لاستخراج أو/و نقل الطاقة في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، ستنتهي بالفشل في حال لم يتم إشراك تركيا فيها أو إطلاعها عليها - على الأقل.

تستند أنقرة في تطلعاتها المتعلقة بالطاقة على عاملين؛ هما:

الأول: حراك عسكري نشط في كل من: العراق وسوريا وليبيا، يمكنها إلى حد ما من تعقيد الملفات الإقليمية، وبالتالي اضطرار القوى الفاعلة الأخرى - الدولية تحديداً - المنخرطة في أزمات المنطقة إلى التفاهم المعلن أو المبطن مع الطرف التركي لصياغة بوادر لحل هذه الأزمات.

والثاني: هو قدرة تركيا على التحكم بما يسمى بـ "أمن الطاقة" الخاص بها، وذلك من خلال تنويع وارداتها من الغاز الطبيعي وعدم اقتصارها على دولة بعينها، ودليل ذلك تقليص الواردات من الغاز الروسي بواقع 35٪ خلال عام 2019، وذلك لصالح الغاز الأمريكي والقطري المسال وغيرهما، وبذلك تضمن تركيا العلاقة المرنة مع موسكو التي لا تستطيع - حالياً - التخلي عن مصالحها الاقتصادية مع تركيا في قطاع الطاقة، ناهيك عن علاقة موسكو المتوترة مع غالبية دول أوروبا الشرقية؛ ما يجعل الخيار التركي كمنفذ لتصريف الغاز الروسي في أوروبا هو الخيار الأمثل في الوقت الراهن. 

كلما زاد التنافس في مجال تصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا التي تعتبر أكبر سوق استهلاكية للغاز في العالم، دون وجود محددات وضوابط لهذا التنافس، فإن الفرص ستكون أكبر لدخول المنطقة في حالة من الفوضى الناتجة عن توترات أمنية قد تتصاعد لتصل إلى مستوى الصدام العسكري المباشر.

 

STRATEGIECS Team

فريق البحث والتحليل