قراءة عامة لأبعاد الأزمة الاقتصادية في لبنان

تتناول المادة قراءة عامة لأبعاد الأزمة الاقتصادية في لبنان، والتي انعكست على شكل احتجاجات شعبية واسعة النطاق شملت كل الجغرافيا اللبنانية تقريبا، وأيضا على شكل أزمة فراغ سياسي، بعد استقالة سعد الحريري من منصب رئيس الحكومة، وما تلاها من أحداث أحاطت بتشكيل حكومة حسان دياب.

الكاتب ستراتيجيكس
  • الناشر – STRATEGEICS
  • تاريخ النشر – ١٧‏/٠٢‏/٢٠٢٠

"إلى متى سيستطيع لبنان تمويل عجوزاته؟"؛ هو عنوان التقرير الذي أصدره البنك الاستثماري الأمريكي "Goldman Sachs" في مطلع عام 2019 والذي تضمن اقتراحا بشطب 65% من قيمة السندات المصدرة بالعملة الصعبة "اليوروبوند"* لتكون النتيجة تحصّل الدائنين على 35 سنت لكل دولار؛ وذلك في حال تعثر لبنان عن السداد؛ حيث يفترض التقرير أن لبنان قادر على تمويل العجوزات في الميزان التجاري وميزان المدفوعات وغيرهما خلال السنتين أو الثلاث سنوات القادمة كحد أقصى.

ونال التقرير المذكور تغطية  أو – بالأحرى – ضجة إعلامية كبيرة، لجانبين أساسيين؛ هما:

الأول: هو الذعر الذي أصاب الدائنين المتخوفين على قيمة استثماراتهم بالدين اللبناني.

والثاني: هو التخوف من استمرار انخفاض الثقة بالاقتصاد اللبناني على جميع المستويات؛ بالأخص بعد قرار وكالة "ستاندرد آند بورز" للتصنيف الائتماني بإبقاء تصنيف لبنان على ما هو عليه عند "B" مع نظرة سلبية؛ فيما خفّضت وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني تصنيف لبنان مرتبة واحدة من "B-" إلى "CCC".

أين الدولار؟

لقد اعتمد لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية على التدفقات المالية من الخارج لضمان استمرار دوراته الاقتصادية، وبالتالي رُبطت مسألة استقرار الاقتصاد اللبناني بمدى استقرار الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة؛ فعلى سبيل المثال انخفض متوسط الاستثمار الأجنبي المباشر في لبنان من 3.9 مليار دولار في الفترة ما بين (2006-2010) إلى 2.8 مليار دولار في الفترة ما بين (2011-2017)؛ وهذا الاستثمار انحصر في شراء الدين الحكومي من خلال تملك السندات أو عبر شراء العقارات؛ وهذا الأخير تمتع بالإقبال الكبير من قبل مواطني الخليج العربي إلا أن وتيرته بدأت بالانخفاض توازياً مع بدء انخفاض أسعار النفط في 2014، بالإضافة إلى انخفاض حوالات العاملين في الخارج بسبب التوترات الأمنية والسياسية الإقليمية، زد على ذلك تكلفة اللجوء السوري إلى لبنان الذي خفض  النمو الاقتصادي بنسبة 3%؛ بحسب أرقام البنك الدولي.

ولا يجوز غض النظر عن التجاذب في المشهد السياسي الذي تعاني منه الساحة اللبنانية، وأثره على المنح والمساعدات التي كان يتم رفد لبنان بها من بعض دول المنطقة.

إن الأسباب الخارجية المذكورة آنفاً توحي بأن الأزمة الحالية كانت ستأتي لا محالة؛ إلا أن بنية الاقتصاد اللبناني الداخلية يجب أن تحظى باهتمام خاص، وبتبيان دورها في ما وصل إليه الوضع؛ ففي ورقة صادرة في منتصف نوفمبر 2019 عن مؤسسة "بيت المستقبل" البحثية ومقرها بيروت؛ تحت عنوان "تشريح الأزمة النقدية"، رأى الخبير الاقتصادي، توفيق كسبار، أن السبب الأساسي للأزمة يتمثل بعدم وجود إنفاق استثماري من قبل الدولة؛ حيث أن النفقات الحكومية بين عامي (1993- 2018) بلغت 244 مليار دولار؛ خُصص 8% فقط منها للاستثمار، ترافق ذلك مع تضخم القطاع العام ليحتضن 25% من القوى العاملة؛ مما عمل على استنزاف الموازنة من خلال الإنفاق الجاري.

كما احتل لبنان المرتبة الـ 28 على مؤشر مدركات الفساد لعام 2018 للسنة السادسة على التوالي؛ مما يكلف الدولة مبالغ هائلة تتسرب بالهدر المالي.

إن العوامل الداخلية والخارجية هذه؛ أدت إلى شح العملة الصعبة، وما زاد الوضع سوءا هو قيام المواطنين بسحب ودائعهم واكتنازها في المنازل أو إرسالها إلى خارج البلاد، وبلغ العجز في ميزان المدفوعات، بحسب بيانات مصرف لبنان في سبتمبر 2019، ما مقداره 4.4 مليار دولار مع احتساب قيمة سندات اليوروبوندز التي يحملها والمستحق دفعها على الحكومة.

إن عجز ميزان المدفوعات يؤشر ببساطة إلى أن الأموال التي تعبر الحدود إلى الخارج على شكل سداد للديون الحكومية ودفعات والتزامات دولية هي أكثر من الأموال التي تدخل البلاد بما في ذلك حركة البضائع المستوردة والمصدرة؛ لكن يجب الأخذ بعين الاعتبار أن هذا النوع من العجز ليس جديدا في لبنان؛ إذ يقدّر العجز التراكمي في هذا الميزان، بين عامي 2011 وسبتمبر 2019، بنحو 22.5 مليار دولار.

سياسياً

نتج عن الأزمة الاقتصادية الحادة وبموازاتها "أزمة حكم" تمثلت بفراغ وفوضى سياسيين مع عدم وجود أفق للحل؛ وهذا ما تجلى تحديداً بعد استقالة رئيس الوزراء السابق، سعد الحريري، بعد عدم الالتفات الشعبي إلى ورقته الإصلاحية الصادرة في 3 أكتوبر 2019 إثر الاحتجاجات المنتشرة على طول الجغرافيا اللبنانية.

إلا أن هذه الرؤية في أغلب جوانبها، وبحسب العديد من المراقبين، كانت ستُعمق الأزمة لو كُتب لها التطبيق؛ وذلك لأسباب عدة؛ منها: إعلان الحكومة  – السابقة – أنه سيتم تخفيض عجز الموازنة العامة في 2020 من 7.6% (كما ورد في الرؤية السابقة للحكومة) إلى حوالي 1% بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي؛ وهذا سيعني بحسب ما ذكره الكاتب الاقتصادي، محمد زبيب، أن مصرف لبنان (البنك المركزي اللبناني) سيقوم بطباعة ما يقارب الـ 4.5 آلاف مليار ليرة لبنانية من أجل تسديد القروض والفوائد السنوية المستحقة بالليرة فقط، ومنطقياً فإن هذه الخطوة ستؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وأسعار السلع بشكل كبير.

كما وطرحت الخطة فرض ضرائب على المصارف بمقدار 400 مليار دولار يتم دفعها لمرة واحدة، بالإضافة إلى خصخصة شركة الاتصالات اللبنانية "أوجيرو" وعدد من القطاعات الاقتصادية التابعة للقطاع العام؛ وكانت النتيجة المعروفة هي رفض هذه الورقة من قبل المحتجين والقوى السياسية في الشارع؛ مما أدى في نهاية المطاف إلى استقالة الحكومة التي استغرق تشكيلها 250 يوماً.

الأُفق

سدد مصرف لبنان قيمة سندات اليوروبوندز المستحقة بتاريخ 28 أكتوبر 2019 والبالغة 1.58 مليار دولار؛ وهذا ما دفع العديد من المراقبين إلى اتهام النظام المصرفي بأنه يراعي مصالح الدائنين على حساب المودعين الذين تمتنع البنوك عن تسديد الفائدة على ودائعهم، بالإضافة إلى وضع قيود على السحب اليومي على العملة الصعبة بما لا يتجاوز الـ 1000 دولار أسبوعيا في إطار خطة مصرف لبنان وجمعية المصارف اللبنانية لما يسمى بإدارة السيولة؛ التي تشددت في أساليبها خلال الأسبوع الماضي بالأخص بعد إعلان الأمين العام لجمعية المصارف، مكرم صادر، بأن 54% من الودائع مجمدة لشهر واحد وأن 16% منها مجمدة لثلاثة أشهر، وهذا ما دفع العديد من المواطنين إلى الاحتجاج أمام عدد من المصارف اللبنانية وأمام البنك المركزي بطبيعة الحال، معتبرين أن ودائعهم (مدخراتهم) هي الوسيلة الوحيدة لمواجهة تداعيات الأزمة المالية التي تتضمن ارتفاع في معدل التضخم وغلاء السلع الأساسية. وحددت نقابة الصرافين في لبنان في 21 يناير 2020 سعر شراء الدولار الأمريكي بــ 2000 ليرة لبنانية كحد أقصى بالتنسيق مع البنك المركزي اللبناني الذي ضبط سعر الدولار حول الـ 1510 ليرة.

واشتد صخب الأصوات التي تنادي بشطب نسبة معينة من الدين اللبناني بالعملة الصعبة والذي تمثله بشكل رئيسي، سندات "اليوروبوندز" البالغة قيمتها 29.8 مليار دولار واجبة السداد حتى عام 2037؛ إلا أن المسألة ليست بالسهولة التي تُصوّر بها؛ حيث أن 2.5مليار دولار منها ستكون مستحقة خلال العام الجاري.

ستقوم المؤسسات المصرفية العملاقة المشاركة في إقراض الدولة اللبنانية بكل ما في وسعها من أجل الحول دون إفلاسها؛ لأن هذا سيعني تبخر أرباحها الناتجة من شراء السندات اللبنانية؛ وعليه فسيكون الخيار الأول هو إعادة هيكلة الدين والذي سيرافقه حزمة تقشفية تفرضها الحكومة اللبنانية بالتنسيق مع المؤسسات المذكورة وصندوق النقد الدولي؛ أما الخيار الثاني – والمستبعد إلى حد كبير – فهو إعلان الحكومة القادمة الامتناع عن السداد وهذا ما سيدل على إفلاسها مالياً؛ إلا أن ذلك سيكون له تداعيات خطيرة مثل اختفاء ما تبقى من ثقة بالقطاع المالي اللبناني.

لكن لا بد من الإشارة هنا إلى أن الإجراءات التقشفية التي من الممكن اتباعها في إطار أي عملية إعادة هيكلة مستقبلية للدين العام؛ ستؤثر لا محالة على قيمة الاستهلاك العام، وبالتالي على حجم العائد الضريبي في الخزينة؛ مما سيؤدي إلى تباطؤ أو حتى إلى تعثر عملية إعادة الهيكلة بالأخص أننا نتكلم عن اقتصاد ذي طابع خدمي وصغير نسبياً مثل الاقتصاد اللبناني.

تشكيل الحكومة

كان يجادل البعض قبل تشكيل الحكومة الحالية أن المخرج الممكن للأزمة هو من خلال تشكيل حكومة خبراء (حكومة تكنوقراط).

وقد أعلن رئيس الوزراء المكلف، حسان دياب، في تاريخ 21  يناير 2020 عن تأليف حكومته التي لا تضم رموزا تنتمي لعدد من التيارات السياسية المهمة الموجودة على الساحة اللبنانية، بسبب اعتراض قادتها على اللون السياسي المؤطر لهذه التشكيلة الوزارية. ونالت حكومة دياب الصفة الدستورية بتصويت 63 نائبا لصالح منح الثقة مع معارضة 20 نائبا وامتناع نائب واحد عن التصويت؛ وذلك خلال جلسة البرلمان التي عُقدت في 11 فبراير 2020، والتي امتازت بأجواء غاية في التوتر، سواء داخل القبة من خلال السجالات الحادة التي نشبت حول بنود البيان الوزاري، الذي لم يتضمن من وجهة نظر البعض حلاً للمشكلات المعقدة التي تواجهها البلد، أو خارج القبة. وسبقت جلسة منح الثقة جلسة وُصفت بالتاريخية بحسب العديد من الشخصيات السياسية مثل: النائب عن كتلة المستقبل، سمير الجسر، ورئيس حزب الكتائب اللبنانية والنائب في البرلمان، سامي جميّل، وغيرهم الكثير، وجرى في الجلسة إقرار موازنة 2020 المقترحة من قبل حكومة الحريري والتي وقع عليها، حسان دياب، قبل حصول حكومته على الثقة النيابية.

وتجدر الإشارة إلى أنه سيكون أمام هذه الحكومة في آذار موعد مع دين واجب السداد قيمته 1.2 مليار دولار، في ظل حالة من التنافر السياسي، وبالتالي عدم الاتفاق على صيغة معينة وآليات محددة لإدارة المرحلة القادمة.

إن شكل عناصر النظام السياسي وتفاعلها في لبنان –كما في أي دولة أخرى – يعبر عن شكل القاعدة الاقتصادية ومضمونها، إلا أن تشعب العلاقات السياسية الخارجية لمختلف القوى والتيارات بمعزل عن الإطار الدبلوماسي والرسمي، سيؤدي إلى مزيد من التعقيد في إيجاد حل للمشاكل الاقتصادية والسياسية التي تواجه المجتمع اللبناني. 

*اليوروبوند: هي نوع خاص من السندات؛ تقوم الدولة أو المؤسسات الخاصة بإصدارها بعملة مغايرة لعملة البلد الأصلية، وعلى الرغم من أن هذه السندات تحمل اسم "اليورو" إلا أنها غير متعلقة بالعملة الأوروبية حصراً وإنما كلمة "يورو" تدل على البعد الخارجي للعملة فقط.

المصدر: Investopedia

ستراتيجيكس

فريق تحليل السياسات