من الأردن... بداية نهاية عزلة سوريا

لم تتبلور محاولة دولية أو إقليمية واضحة المعالم للتعامل مع الأزمة السورية، لذلك كان لا بد من نهج استراتيجي جديد قائم على المصلحة الذاتية، يُنزل المجتمع الدولي كله عن الشجرة، ويسمح بكسر جليد يتراكم منذ عشر سنوات على طريق دمشق، ولا تمتلك أي دولة في المنطقة القدرات والمؤهلات والميزات اللازمة لتأدية هذه المهمة الشائكة، مثلما يفعل الأردن.

الكاتب حسن إسميك
  • الناشر – النهار العربي
  • تاريخ النشر – ١١‏/١٠‏/٢٠٢١
منذ أواخر عام 2018، يشهد الجو العربي والدولي بالعموم تغيرات كثيرة من ناحية التعامل مع سوريا ومع حكومة دمشق، حيث تراجعت كثيراً تلك الأصوات التي كانت تطالب بتغيير النظام، وبدأ الحديث يكثر عن إعادة العلاقات وتطبيعها، أو على الأقل فتح قنوات تواصل مع دمشق، للوصول في النهاية إلى حلول ناجعة لإنهاء الأزمة السورية وحربها التي مازالت تعصف بالبلاد منذ قرابة عقد، كانت أبو ظبي الرائدة والسباقة في هذا السياق، حيث أعادت افتتاح سفارتها في دمشق. والحق يُقال إن هذه الخطوة كانت قراراً شجاعاً، ولكن على ما يبدو أن التدخلات والضغوطات الدولية، حالت دون تقدم هذا المسار، وبتأثير هذه الضغوطات ولم نشهد تطوراً لاحقاً على مستوى العلاقات الاقتصادية، فقد اقتصر التواصل على المساعدات الإنسانية والدعم الكبير والسخي خلال أزمة كورونا، وبعض المجاملات عبر تصريحات رسمية وتغريدات على تويتر.
 
إذن، لم تتبلور محاولة دولية أو إقليمية واضحة المعالم للتعامل مع الأزمة السورية، لذلك كان لا بد من نهج استراتيجي جديد قائم على المصلحة الذاتية، يُنزل المجتمع الدولي كله عن الشجرة، ويسمح بكسر جليد يتراكم منذ عشر سنوات على طريق دمشق، ولا تمتلك أي دولة في المنطقة القدرات والمؤهلات والميزات اللازمة لتأدية هذه المهمة الشائكة، مثلما يفعل الأردن.
 
تلقى العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني اتصالاً هاتفياً يوم الأحد 3 تشرين الأول(أكتوبر) 2021 من الرئيس السوري بشار الأسد، في أول محادثة بين الزعيمين بعد عقد من التوتر سببته الحرب الدائرة في سوريا. وجاء هذا الاتصال تتويجاً لسلسلة من المحادثات واللقاءات رفيعة المستوى والإجراءات الإيجابية والتي تُسهم في بناء الثقة بين البلدين، حيث جاءت المحادثة الهاتفية بعد أربعة أيام فقط من إعادة فتح الأردن لمعبر "جابر–نصيب " الحدودي شمال شرقي المملكة، وهو شريان حياة تجاري للبلدين، حدث ذلك بعد أقل من أسبوع من محادثات أردنية–سورية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبدوره جاء هذا اللقاء في نيويورك بعد أربعة أيام فقط من اجتماع رئيس أركان الجيش الأردني (19 أيلول/سبتمبر)، يوسف الحنيطي، مع وزير الدفاع السوري، علي أيوب، في عمان خلال زيارةٍ استمرت يومين.
 
استضاف الأردن مطلع شهر أيلول (سبتمبر) الماضي، اجتماعاً رباعياً بين وزير طاقته ونظرائه المصري واللبناني والسوري، نوقش فيه إحياء "خط الغاز العربي". كما وصل المملكة يوم الإثنين 27 من الشهر ذاته وفد سوري رفيع المستوى، ضم وزراء الموارد المائية، والزراعة، والكهرباء، والاقتصاد، وكانت في استقبالهم وزيرة الصناعة والتجارة الأردنية مها علي على رأس وفد رسمي في معبر "جابر". كما تمَّ في الشهر ذاته أيضاً الإعلانُ عن استئناف شركة الطيران الأردنية الحكومية رحلاتها إلى دمشق.
 
عندما تحدث الملك عبد الله الثاني والرئيس الأسد هذا الشهر لأول مرة منذ عقد، ناقشا "تعزيز التعاون لمصالح البلدين والشعبين". وأوضح الديوان الملكي الأردني أن الزعيمين تحدثا عن العلاقات "الأخوية" بين الأردن وسوريا و"سبل تعزيز التعاون بينهما"، فيما تعهد الملك الأردني بدعم "جهود الحفاظ على سيادة سورية واستقرارها وسلامة أراضيها وشعبها".
 
استيعاب الأسد ونظامه كان يمكن أن ينجح قبل عشرين عاماً، حين كان العرب مشغولين بتدمير العراق. الآن هو في حضن إيران والأوان قد فات.
يثير هذا التقارب الأردني السوري زوبعة من ردود الأفعال، لكن غير الرسمية، إذ يحاول الباحثون والمحللون السياسيون تقصي خلفياته وما سيؤثر به في مستقبل العلاقات بين البلدين، وبالتالي مستقبل علاقات سوريا مع محيطها العربي أولاً والدولي تالياً. يصيب بعضهم، ويخطئ آخر، خاصة أولئك الذين يقولون إن استيعاب النظام السوري أضحى مستحيلاً اليوم وأن الأوان قد فات لأنه بات "في حضن إيران"!
 
يناقش المحللون أيضاً ما إذا كانت هذه الإجراءات الأردنية مدعومة بضوء أخضر أمريكي، خاصة وأن التعاون بين الجارين اقتصادي بالدرجة الأولى، ما يعني تعارضاً مباشراً مع قانون قيصر الذي يفرض عقوبات اقتصادية على الحكومة السورية وعلى كل من يتعامل معها، أم أنه مجرد "غضِّ نظر" عن الأردن كاستثناء، نظراً لظروفه الاقتصادية وتصاعد حدّة الأزمات التي فاقمتها عوامل كجائحة فيروس كورونا، وتراجع الدعم الغربي والعربي له رغم استضافته لأعداد كبيرة من اللاجئين السوريين.
 
لا أميل نحو السيناريو الثاني كثيراً، فقد عبر الأردن في عدة مناسبات عن رغبته في التدخل والوساطة في الملف السوري، حيث أعلن، الملك عبد الله الثاني خلال زيارة إلى واشنطن أواخر تموز(يوليو) 2021، عن مبادرة للحوار بين الجهات الفاعلة في سوريا والحكومة في دمشق، معتبراً أن دفع الحوار بشكل منسق أفضل من ترك الأمور على ما هي عليه الآن. أفادت وسائل إعلام أردنية أن مبادرة الملك عبد الله الثاني سعت لتخفيف العقوبات الأمريكية على سوريا وإعادة دمشق إلى النظام العربي. كما أشاروا إلى تنسيق أردني روسي عميق.
 
وبعد نحو شهر فقط، وتحديداً في 23 آب(أغسطس) 2021، توجه العاهل الأردني إلى موسكو ليلتقي نظيره الروسي فلاديمير بوتين. واستعرض الجانبان، وفق الموقع الرسمي للديوان الملكي الأردني، التطورات في سوريا، وأكدا على أهمية "العمل على التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية، بما يضمن وحدة أراضي سوريا وسيادتها والعودة الآمنة للاجئين". ربما تعني هذه المؤشرات أن روسيا في صدد العمل على تقليص النفوذ الإيراني الذي قد يعرقل أي تقدم نحو تسوية سياسية في سوريا، بينما يسعى الأردن بدوره لإزالة العقبات العربية والأمريكية.
 
إذن، لا تبدو الخطوات الأردنية وكأنها محدودة وقصيرة الأجل، بل هي أقرب لأن تكون جزءاً من استراتيجية أوسع، لكن وفي كلا الحالتين، يبعث هذا التقارب على التفاؤل، فحتى لو بدأ كاستثناء خاص للأردن، إلا أنه سيتطور بلا شك إلى خطوات أوسع، تضم أطرافاً أكثر. فمن خلال إعادة تطبيع العلاقات مع سوريا، يهدف الأردن بالطبع إلى الاستفادة من عوائد التجارة عبر الحدود، وسط الصعوبات الاقتصادية التي يعيشها أردنيون كثر نتيجة قطع التعاون مع الجانب السوري. لكن في الواقع ليس الأردن هو المستفيد وحده، بل لدى العديد من الدول الأخرى في الشرق الأوسط الكثير لتكسبه اقتصادياً من عودة سوريا إلى الحظيرة الدبلوماسية العربية. أوضح الدكتور جوشوا لانديس، الخبير بالملف السوري في جامعة أوكلاهوما، هذه النقطة بالقول: «لكي يعود الاقتصاد الإقليمي إلى الحياة، يجب أن تستعيد سوريا مكانتها الطبيعية داخل العالم العربي [...] إنه أمر حيوي للصحة الاقتصادية للأردن ولبنان والعراق وكذلك مصر». ومن المحتمل أن يشارك العديد من الدول العربية في الضغط على واشنطن لرفع قانون قيصر، وإذا لم تكن إدارة بايدن مستعدة للقبول اليوم، إلا أنها ستقبل يوماً لا محال، خاصة إذا بدأ هذا الموضوع يخلق توترات مع أصدقائها في المنطقة العربية، أولئك الذين يريدون ترك الماضي وبدء صفحة جديدة مع دمشق.
 
إلى جانب المزاج المتغير نحو الأفضل في معظم العواصم العربية تجاه سوريا، تستكشف الدول الأوروبية، مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا ورومانيا وجمهورية التشيك، احتمالات إعادة فتح سفاراتها في دمشق، وأعتقد أن خطوات كهذه تعتمد كثيراً على مدى نجاح العلاقات الأردنية السورية، وكيف سيكون رد فعل النظام السياسي هناك على هذه المرحلة الأولى من إعادة إحياء العلاقات. وسيحقق الأردن فوائد كثيرة من هذا الانفتاح، ويمنح في الوقت نفسه سوريا فرصة ذهبية للمضي قدماً، فرصة نتوقع أن تتعامل دمشق معها ببراغماتيتها المعهودة، بالدرجة الأولى من ناحية طمأنة الأردن –وبقية المجتمع الدولي– بشأن المخاوف من التسلل الإيراني على حدوده. هذه الفرصة تعني وضع حد للأزمة السورية دون الحاجة للجوء إلى توافقات كبيرة، فتطبيع العلاقات مع الأردن، سيجعل مصر هي التالية، ما يعني مكاسب سياسية كبيرة لسوريا، ومن الجيد ألا ننسى هنا أن القمة العربية المقبلة ستُعقد في الجزائر التي تدعم بوضوح عودة سوريا إلى الجامعة.
 
تدرك دول الإقليم أن معظم المشاريع، وعلى رأسها "الشام الجديد" الذي يضم الأردن والعراق ومصر، لن يكون لها قيمة إذا لم تكن سوريا ولبنان جزءاً منها، ويدرك الأردن تحديداً أهمية أن يلعب أدواراً نشطة في هذه المرحلة، وتدرك القيادة الأردنية أن الملف السوري هو مدخل بالغ الأهمية لا يقل في ثقله عن ملف الصراع العربي الإسرائيلي، وأن الحضور الوازن في هذا الملف يعني حضوراً في معظم ملفات الإقليم، كما أنه سيثبت قدرة عمّان على لعب دور "الوسيط" القادر على إخراج الجميع من مآزقهم، وربما تكون الخطوة التالية –ولمَ لا– محادثات سلام مع سوريا من خلال وسيط أردني وروسي. في المقابل.. يتطلب الأمر أيضاً الكثير من الشجاعة السياسية والمرونة من الجانب السوري. لن يكون القادم من الخطوات سهلاً فالطريق وعر وصعب، لكن كلنا أمل أن يؤدي تضافر الجهود بهذا التقارب الأردني السوري ليكون فاتحة الوصول إلى حل الأزمة السورية المأمول والمنتظر.
 
ويتمتع الأردن بالعديد من الميزات النسبية التي سمحت له بأن يخطو هذه الخطوة المهمة قبل غيره، لكن دولاً عربية عديدة، مثل الإمارات والبحرين وعُمان – التي أعادت افتتاح سفاراتها في دمشق- ومصر والجزائر مهتمة كثيراً بعودة سوريا للحاضنة العربية، وتبذل جهوداً حثيثة على المستوى الدولي لتقريب وجهات النظر، ولتحصيل استثناءات من قانون قيصر تسمح لها بالتعامل مع سوريا دون أن تعرض مصالحها ومؤسساتها لخطر العقوبات الأميركية. أما بقية الدول التي لم تحسم أمرها بعد، فأنا أدعوها لتحذو حذو الأردن، وأن تبدأ بفتح ما أمكن من طرق التواصل مع دمشق، وقد يبدأ ذلك بخطوات بسيطة من قبل السماح لمواطنيها بزيارة سوريا على سبيل السياحة، كونها تشكل رافعة جيدة من روافع الاقتصاد السوري. لقد لعبت دول عربية أدواراً في تأزيم الوضع في سوريا، وهي اليوم قادرة على لعب دور معاكس، والمساهمة في إنهاء هذا الأزمة وتخفيف معاناة الشعب السوري الشقيق.
 
 

 

 

 

حسن إسميك

رئيس مجلس أمناء STRATEGIECS