عن توتر المشهد السياسي في طهران

تتسم إيران ما بعد الثورة الإسلامية بحراك سياسي قل نظيره في المنطقة، من حيث حدة الاستقطاب السياسي وتفاعله مع هيكل النظام الثيوقراطي من الناحية المؤسسية، فكيف يبدو المشهد هناك في ظل التغيرات النوعية الجارية على الصعيدين الإقليمي والدولي؟

الكاتب ستراتيجكس
  • الناشر – STRATEGIECS
  • تاريخ النشر – ٢٧‏/٠٢‏/٢٠٢١

يترقب النظام السياسي في طهران قرارات الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه العديد من القضايا في المنطقة التي يأتي على رأسها مسار الملف النووي الإيراني، إلا أن إدارة بايدن تنتظر من طهران العودة إلى تطبيق كامل التزاماتها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الموقّع عام 2015)، إلا أن المسؤولين الإيرانيين يطالبون برفع كافة العقوبات المفروضة على إيران من أجل تنفيذ المطلب الأمريكي.

إن عودة السجال الأمريكي الإيراني - وإن كان على مستوى جديد - لا يؤشر إلى عودة المحادثات السياسية الدبلوماسية في القريب العاجل، بالأخص بعد القرار الإيراني بتخصيب اليورانيوم بنسبة 20٪ والتلويح بإمكانية رفع هذه النسبة إلى 60%، والشروع في إعداد الدراسات والأبحاث لإنتاج اليورانيوم الطبيعي، وهذه الإجراءات التي تأتي في سياق ما تسميه القيادة الإيرانية بـ "الرد المتدرج" الذي بدأ منذ عام 2019، تؤكد على الموقف الإيراني الصلب الذي يعتبر المطالبات الأمريكية غير قانونية، ذلك لأن واشنطن قد انسحبت بالأساس من الاتفاق في عام 2018.

وما كان محط اهتمام واسع بين وسائل الإعلام المحلية في إيران وعلى المستوى الإقليمي والدولي مؤخراً، هو الخلاف الأخير بين مجلس الشورى الإيراني (ذو الأغلبية المحافظة)، والرئيس حسن روحاني، على خلفية اتفاق الأخير مع وكالة الطاقة الذرية في 21 فبراير الماضي على عدم إلغاء العمل بالبروتوكول الإضافي كلياً، والإبقاء على الحملات التفتيشية للمتشآت النووية الإيرانية مع استثناء تلك التي تتم على نحو مفاجئ، إلا أن البرلمان الإيراني –مجلس الشورى- رفض ذلك جملة وتفصيلا ولوح بتقديم روحاني للمحاكمة لمعارضته الصريحة لقانون "الإجراءات الاستراتيجية لإلغاء العقوبات الأمريكية" الذي يتضمن إلغاء العمل بالبروتوكول الإضافي بشكل تام.

وأيد المرشد الأعلى، علي خامنئي، قرار البرلمان وأشار إلى أن الأمور يجب أن تسير ضمن الإطار القانوني، وإلى أن الخارج يجب أن يستمعوا إلى "صوت واحد، وليس صوتين" في الداخل الإيراني على حسب تعبيره.

هذه الحادثة وغيرها تدعو الدارس أو المطّلع على الشأن الإيراني إلى قراءة العلاقة بين السياسة الخارجية الإيرانية وبين الاستقطابات والتوازنات التي تحكم الواقع السياسي المحلي ورؤية كل طرف أو تيار سياسي للملف المعني سواء أكان محلياً أم خارجياً، وهنا تتوجب الإشارة إلى أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين درجة استقرار وانسجام أقطاب النخبة السياسية الإيرانية وشكل ونوع المتغيرات الإقليمية والدولية القائمة، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لجميع الأنظمة السياسية إلا أنه على درجة عالية من الحساسية في الحالة الإيرانية؛ وذلك بسبب البعد الإقليمي للمشروع السياسي والاقتصادي الإيراني في مرحلة ما بعد الثورة الإسلامية.

انتخابات عام 2020 كوحدة تحليل

أنتجت انتخابات مجلس الشورى التي عُقدت في فبراير 2020 برلماناً أصولياً، فقد حظي التيار الأصولي - بمختلف تدرجاته - بـ 221 مقعداً مقابل 16 مقعداً للإصلاحيين و53 مقعداً للمستقلين من أصل 290 مقعداً، وقد يقول البعض إن سبب هذه النتيجة هو قرار مجلس صيانة الدستور استبعادَ (منع) آلاف المرشحين المحسوبين على التيار الإصلاحي من خوض السباق الانتخابي، وهذا العامل صحيح من حيث المبدأ إلا أنه ليس رئيسياً في حد ذاته.

إن عدم نجاح السلطة الإيرانية في التوصل إلى صيغة معينة لتسيير شؤونها الخارجية وحلحلة التعقيدات التي تعتريها بما فيها القضايا الخلافية مع المحيط الإقليمي والدولي، ساهم في تدهور الوضع الاقتصادي لغالبية الإيرانيين وبالتالي تراجع الثقة بجميع مؤسسات النظام السياسي، وهذا ما يدلل عليه تسجيل الانتخابات الأخيرة أدنى نسبة مشاركة لها تاريخياً وهي 43%، كما أن المؤسسة الرئاسية المدعومة من التيار الإصلاحي منذ عام 2013 لم تَسْلَم من السخط الشعبي.

وعليه، فإن نتائج انتخابات مجلس الشورى أشارت بشكل واضح إلى عدم الرضا الشعبي عن أدائه، مع العلم أن الرئيس الإيراني، حسن روحاني، لا ينتمي إلى هذا التيار، وإنما إلى التيار الاعتدالي، الذي يسعى إلى التوسط بين التيارين الأساسيين على الساحة السياسية الإيرانية. في هذا السياق يمكن فهم القرار المذكور المتخذ من قبل مجلس صيانة الدستور - الذي يتم تعيينه و إقالته من قبل المرشد الأعلى - على أنه سعي إلى الحفاظ على الثقة الشعبية بالنظام السياسي والتي يمكن وصفها بغير المستقرة نظراً للواقع المعيشي الصعب الذي زاد من سوئه تفشي فيروس كوفيد-19.

عند كل مفترق سياسي في المشهد الإيراني، يتم العودة إلى دراسة حيثيات هذا المشهد من حيث طبيعة الفاعلين فيه وقاعدتهم الاجتماعية وتطلعاتهم ومشاريعهم المستقبلية تجاه الدولة والنشاط الإقليمي وغيرهما، وبذلك يتم التخلي بشكل تدريجي عن الفكرة الخاطئة التي تُشبّه النظام السياسي الإيراني بأنه بنية صمّاء متجانسة لا تتخللها تناقضات وخلافات مصلحية مثلها مثل أي نظام سياسي آخر.

وبالشكل العام فإن التيار الأصولي هو محافظ من الناحية الاجتماعية ومتمسك بتقاليد وتعاليم الثورة الإيرانية وشكل النظام السياسي وما يحمله من مبدأ "ولاية الفقيه" الرئيسي، في المقابل يدعو التيار الإصلاحي إلى التخلي عن التشدد في ميدان العلاقات الخارجية وعدم التدخل في الشؤون المحلية للدول المجاورة بشكل مباشر أو غير مباشر وهذا ما شهدته فترة رئاسة كل من هاشمي رفسنجاني، ومحمد خاتمي، في الفترة الممتدة ما بين 1989-2005.

ينادي التيار الإصلاحي في العموم بتوسيع حيز المجتمع المدني والحد من تدخل الدولة في الاقتصاد، كما يذهب البعض منهم للمطالبة بإعادة النظر في سلطات المرشد الأعلى للثورة بحيث يتم تحديد هذه السلطات، لكن لا يوجد طيف سياسي يرفض النظام السياسي ببنيته الدستورية رفضاً شاملاً، وهذا لا يعني أن هذه الأحاديث والرؤى السياسية لا يتم تداولها في الغرف المغلقة خوفاً من الإقصاء والقمع.

in-(1)-the-tense-political-landscape-in-tehran.jpg

التيار الإصلاحي على مفترق طرق

في أعقاب اغتيال العالم النووي الإيراني، محسن فخري زاده، في 27 نوفمبر 2020، أقر مجلس الشورى قانون "الإجراءات الاستراتيجية لإلغاء العقوبات الأمريكية" الذي يدعو للتنصل تدريجياً من التزامات إيران المنصوص عليها في الاتفاق النووي كوسيلة ضغط على الأطراف الأخرى للعودة لتنفيذ التزاماتها، وصادق مجلس صيانة الدستور (الذي يمكن اعتباره غرفة ثانية للبرلمان الإيراني) على القانون باعتباره لا يمس الدستور أو الشريعة الإسلامية.

في المقابل وصفت حكومة الرئيس الإيراني، حسن روحاني، على لسان مدير مكتبه، محمود واعظي، بأن هذا القانون يعرقل سير عمل الحكومة وذلك بهدف سعي الأصوليين إلى الفوز في الانتخابات الرئاسية المقرر عقدها في 18 يونيو من العام الجاري. بعبارة أخرى، أخذ الخلاف السياسي يطفو على السطح، ولم يعد بالإمكان إخفاؤه سواء أمام الرأي العام المحلي أو المراقبين في الخارج، لكن الأهم من ذلك هو أن التيار الأصولي حاصر الإصلاحيين سياسياً، بعد مراهنة هؤلاء على التغيرات السياسية الحاصلة في واشنطن التي تتلخص بعودة الديمقراطيين إلى البيت الأبيض، ما دفعهم إلى "التأني" في الرد على اغتيال زاده، مما أظهر الرئيس روحاني ومن خلفه الإصلاحيين في موقف "المهادن" على حساب اسم كبير مثل زاده.

إن هذا الخلاف وربما الشقاق السياسي لم ينحصر بين المعسكرَيْن التقليديين، وإنما امتد ليشمل التيار الإصلاحي ومؤسسة الرئاسة، حيث اعتبر العديد من القيادات في هذا التيار أن روحاني ما زال يتنكر لدور الإصلاحيين في إيصاله إلى سدة الرئاسة، إذ لم يتم تحقيق الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي المنتظر، فالعلاقة مع الغرب لم تُنتج إلا اتفاقاً نووياً لم يُفضِ إلى أي نتيجة، على الأقل هذا ما فهمه الرأي العام الإيراني، وبالتالي حُمّل التيار الإصلاحي جزءاً كبيراً من المسؤولية عن تردي الواقع المعيشي في البلاد.

وفي الرد على ادعاءات التيار الإصلاحي، صرّح واعظي أنه على الإصلاحيين تقديم الشكر لحكومة روحاني عوضاً عن مهاجمتها ذلك لأن هناك العديد من عناصر وشخصيات التيار شغلت وما زالت تشغل مناصب في الجسم التنفيذي للدولة، لكن يرى البعض أن روحاني ليس لديه مشكلة في التخلي عن الإصلاحيين كسند سياسي لأنه سيغادر منصبه على كل حال بعد عدة أشهر ولكي لا يتحمل الوزر السياسي والاقتصادي الذي نتج عن فترته الرئاسية لوحده.

إن السجال بين روحاني (التيار الاعتدالي) والإصلاحيين، ليس وليد اللحظة بل يعود إلى عام 2017، عندما دار الخلاف حول تشكيل الحكومة بعد فوز الأول بولاية رئاسية ثانية، حيث إن الإصلاحيين يرون أن لهم الحق في تقاسم الحكم بسبب دعمهم المنقطع النظير، لكن هناك توازنات يجب أخذها بعين الاعتبار داخل المؤسسة الرئاسية مثل ضرورة تنسيق عملها مع هياكل أخرى في السلطة كمجلس تشخيص مصلحة النظام، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس خبراء القيادة الذين يتسمون بحضور واضح وقوي للأصوليين ناهيك - بالطبع - عن ولاية الفقيه إن جاز لنا وصفها بالمؤسسة.

على الرغم من أن حالة التيار الإصلاحي الإيراني يمكن وصفها على أنها سيئة بشكل غير مسبوق، إلا أن قادة هذا التيار لا يعلنوا استسلامهم بسهولة، حيث إنهم لا يزالون يراهنون على حلحلة العلاقات مع الإدارة الأمريكية وعلى أن هذه الأخيرة يمكن أن تشترط وجود من يمثل التيار في السلطة على غرار روحاني وغيره - لكن هذه الحقيقة تغيرت كما ذكرنا- ممّن يُكنّون نية تصالحية وليست تنافسية مع السياسات الغربية عموماً وفي المنطقة تحديداً، وقد تكون الدعاوى الأوروبية –الفرنسية تحديداً- للوساطة بين إيران والولايات المتحدة، دليلاً على ذلك وقراءة للواقع الصعب الذي يمر به التيار الإصلاحي قبل الاستحقاق الرئاسي.

لكن تجب الإشارة هنا إلى أن التيار الأصولي إن نجح في الوصول إلى رئاسة الجمهورية فلن يُعلن الحرب على المصالح الأمريكية في المنطقة كما يعتقد كثيرون، وهذا لا يعني أن التوترات العسكرية قد لا ترتفع إلى مستوى آخر، فما يُتوقع حدوثه هو التشدد بدرجة أكبر تجاه الغرب في مختلف القضايا والأجندات وذلك قد يكون لصالح العلاقة مع روسيا والصين، وهذا لا يعني أيضاً أن فكرة التفاوض مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية مرفوضة من قبل التيار الأصولي، علماً أنها محط جدل بين أعضاء هذا التيار.

يبدو أن المشهد السياسي الإيراني يمر في مرحلة انتقالية لإفراز شخصيات وتيارات جديدة لتولي زمام الأمور، فالتيار الإصلاحي يعاني ما يعانيه، والتيار الأصولي سيخوض امتحاناً صعباً جداً إذا ما فاز في الانتخابات الرئاسية المقبلة، حيث يتوجب عليه التخفيف قدر الإمكان من وطأة الصعوبات الاقتصادية التي تواجه الشعب الإيراني ولن يحصل ذلك إلا من خلال إعادة صياغة السياسة الخارجية الإيرانية بشكل أكثر مرونة؛ وهذا من المستبعد أن يحدث.

وأخيراً، لا يمكن غض النظر عن احتمالية فوز شخصية من طراز الرئيس السابق، محمود أحمدي نجاد، الذي خرج من ثنائية الإصلاحيين الأصوليين، كتعبير شعبوي عن مصالح الفئات الشعبية المتضررة من السياسات المتواترة لكلا المعسكرَيْن، وفاز بفترتين رئاسيتين في الفترة الممتدة ما بين عامي 2005-2013.

وهناك أخبار تتحدث عن أن مجلس صيانة الدستور سيرفض ترشح نجاد بسبب خلافات سابقة مع خامنئي حول التعيينات الأمنية في الحكومة المرؤوسة من قبل الأول، لكن لا شيء يمنع أن يترشح العديد من حلفائه ومناصريه الآخذين في الاتساع شيئاً فشيئاً والرافضين بطبيعة الحال للوضع الراهن على جميع المستويات.

 

 

 

ستراتيجكس

فريق تحليل السياسات