تفكك المشروع الإيراني ومعالم البديل العربي

مع تراجع بعض عناصر القوة التي استند إليها النفوذ الإيراني، تبحث الورقة في المساحة التي يتيحها هذا التحول أمام الدول العربية لإعادة تعريف حدود النفوذ الإيراني والتعامل مع أدواته وأسبابه، وصولاً إلى بناء ترتيبات أمنية واقتصادية أكثر استقلالاً.

الكاتب حازم سالم الضمور
  • تاريخ النشر – ٢٢‏/٠٩‏/٢٠٢٦

يشهد الوضع الجيوسياسي في المنطقة حالة واضحة من عدم اليقين؛ وبالرغم من ذلك علينا أن ندرك أن الصراع على ملئ الفراغ الجيوسياسي هو المحرك الرئيسي لكل الأحداث؛ فالقوى تعمل بكل طاقتها لتثبت وجودها، ولا تقبل بتسويات ركيكة أو ناقصة. وتسعى لإرساء مشهداً أكثر وضوحاً على المدى المتوسط؛ من حيث الأمن في نقاط الاختناق والاشتباكات العسكرية ودور الفواعل ما دون الدولة وسلاحها وكثير من القضايا ذات الاهتمام المشترك بين دول المنطقة والقوى العالمية ذات العلاقة. 

راكمت إيران خلال العقود الثلاثة الماضية نفوذاً واسعاً في المنطقة العربية، اتخذ أشكالاً متنوعة، شملت السلاح والمال والأحزاب والروابط المذهبية والمؤسسات الإعلامية والخدمية، فمنذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، استخدمت طهران أدوات متعددة للتأثير في الجمهور والرأي العام العربي والوصول إليه، إذ وظّفت مزيجًا من الأيديولوجيا والعقيدة ومفاهيم مثل "نصرة المستضعفين" و"تصدير الثورة"؛ بهدف بناء نفوذ إيراني يتجاوز الحدود الجغرافية، ويمنح طهران القدرة على إدارة صراعاتها بعيدًا عن أراضيها، ويتيح لها ممارسة الضغط والردع من داخل المجتمعات العربية.

إذ تحملت الدول العربية منذ عقود ووصولاً إلى تطورات لعام 2026، جانباً كبيراً من تبعات المشروع الإيراني؛ فقد لاقت السردية الإيرانية وخطابها السياسي، القائم على دعم القضية الفلسطينية ومناهضة الولايات المتحدة وإسرائيل، تأثيراً ملحوظاً في بعض المجتمعات العربية، ولا سيما في بعض البيئات الشيعية التي تأثرت بدرجات متفاوتة بالسياسات والأدوات الإيرانية، بما أسهم في بعض الحالات في انتقالها من أطر الاندماج الوطني إلى هويات سياسية ومجتمعية أكثر استقلالاً، كما يظهر في تجارب العراق ولبنان واليمن وسوريا سابقاً.

لكن الخطاب الإيراني لم يتوقف عند حدود الأقليات الشيعية، بل تقاطع أيضاً مع سرديات وأيديولوجيات أخرى؛ إسلامية وقومية ويسارية و"تيارات إسلامية ومتطرفة" مثل "القاعدة"، والتي رأت في طهران نموذجاً مُفترضاً لما يجب أن تكون عليه المواقف العربية تجاه كُل من إسرائيل والولايات المتحدة، حيث الأولى بوصفها تحتل أراضي عربية في الضفة الغربية وأجزاء من سوريا ولبنان، وتوسعت في ذلك بعد الحرب في 7 أكتوبر 2023، والثانية حيث تنتشر قواتها في عموم المنطقة ولديها سجل واسع من دعم إسرائيل وإثارة الصراعات في المنطقة لا سيما في سياق حربها ضد الإرهاب الذي أطاحت خلالها بالنظام العراقي السابق في عام 2003. إضافة إلى ذلك، تجد تلك التيارات في طهران تجسيداً لخطابها "المقاوم" و"الممانع"، إذ تُظهر قدرتها على الردع في مواجهة خصوم يفوقونها حجماً في ميزان القوى، وتواصل تطوير منظوماتها الدفاعية والهجومية، بما في ذلك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، رغم العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. ومن خلال هذا المدخل، استطاعت إيران توظيف قضايا جوهرية ذات حضور في الوعي العربي لتعزيز فاعليتها ونشاطها في الملفات الحساسة، واتخذت من هذا الرصيد الوجداني غطاءً لتمرير مشروعها الإقليمي وتوسيع نفوذها في مفاصل عدة دول عربية.

من جهة أخرى؛ أظهرت التطورات اللاحقة لاندلاع الحرب في قطاع غزة، مُستوى المخاطر المرتفعة للمشروع الإيراني، والتي لا تتوقف عند حدود تواجد ذلك النفوذ في عدد من الدول العربية، بل تمتد تداعياتها إلى الاستقرار في المنطقة ككل. فأول ما كشفته الحرب كان حدود استراتيجية "وحدة الساحات"، حيث انخرطت مختلف أطراف "المحور" في جولات التصعيد والصراع وفقاً للحسابات والمصالح الإيرانية، متجاوزة بذلك التباينات الكبيرة في الظروف والمصالح والاعتبارات المحلية والوطنية لتلك الأطراف، ويأتي هذا الترابط في إدارة الأزمات كأول تطبيق عملي لما ترسخ في الأدبيات السياسية لما يُسمى "محور المقاومة"، كما عبر عنه الأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصر الله، في خطابه بمناسبة الذكرى الأربعين للثورة الإيرانية في فبراير 2019، حين أكد بوضوح أن "مستقبل المنطقة مرتبط بنظام ولاية الفقيه".

كما أبرزت تداعيات الحرب الخطورة البالغة في اتخاذ قرارات الحرب والسلم خارج الأطر الدستورية والمؤسسية للدولة الوطنية، إذ دفعت هجمات الجماعات المسلحة دولها إلى الانخراط في سياق الحرب دون أدنى اعتبار للمصالح والأولويات الوطنية والأكثر خطورة ما كشفته هذه التطورات أنها برهنت أن المشروع الإيراني لا يُعادي خصوماً تقليديين مثل الولايات المتحدة وإسرائيل فحسب، فقد طال تهديد إيران ووكلائها الدول العربية ومواردها الاستراتيجية والحيوية؛ بالرغم من حيادها في سياق الحرب الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة ضد إيران، ودعمها للإطار التفاوضي بين واشنطن وطهران.

مع ذلك، أفرزت الحرب تحولات مهمة؛ إذ تراجعت السردية الإيرانية بصورة جوهرية، وتضررت مقدرات طهران وشبكة وكلائها الإقليمية بشكل ملحوظ. ويفتح هذا التحول الاستراتيجي أمام الدول العربية مساحة أوسع للتحرك الاستباقي، في ضوء الواقع الإقليمي المتغير، ولا سيما عبر إعادة تعريف حدود القوة والنفوذ الإيراني بصورة أكثر واقعية، والمبادرة إلى تفكيك أدوات هذا النفوذ وأشكاله، ومعالجة أسبابه والعوامل الكامنة وراءه، وصولاً إلى تعزيز الاستقرار الشامل وصياغة معادلات أمنية واقتصادية عربية أكثر استقلالاً.

بُنية المشروع الإيراني ما بين الأبعاد والوظائف

يتكون المشروع الإيراني من طبقات عدة؛ تعمل كل طبقة بوظيفة محددة ومختلفة، لكنها تُشكل معاً استراتيجية متكاملة وشمولية، وتمثل الجماعات المسلحة الطبقة الأبرز والأكثر تأثيراً في هذه المنظومة؛ نظراً لدورها المحوري في ترسيخ النفوذ الإيراني في دول رئيسية مثل لبنان، والعراق، واليمن وسوريا سابقاً، فضلاً عن توظيفها كأداة ردع استراتيجية في الصراع الإقليمي مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع مرور الوقت، تجاوزت تلك الجماعات مهامها العسكرية التقليدية حيث اندمجت بعمق داخل مجتمعاتها المحلية، وأصبحت تتخذ أشكالاً مؤسسية متقدمة تتسم بالهيكل التنظيمي، والأذرع الإعلامية، ومشاركة سياسية فاعلة تمنحها نفوذاً في مراكز صنع القرار السياسي والأمني. وفي الحالة اليمنية على وجه التحديد، أسس الحوثيين بعد انقلابهم على الحكومة الشرعية كياناً مُوازياً في شمال وغرب اليمن، ويقع ضمن نطاق سيطرتهم ما بين 70% إلى 80% من إجمالي السكان؛ ما يعادل نحو 20 إلى 25 مليون نسمة من إجمالي تعداد اليمن البالغ نحو 32 مليون نسمة.

ورغم ممارسة هذه الجماعات وظائف متنوعة وواسعة، تبقى قدرتها على التأثير الأيديولوجي خارج نطاق بيئاتها محدودة. وهنا تبرز أدوار وسائل التأثير الإعلامي الإيراني، بدءاً من القنوات الإعلامية، مثل قناة "العالمية" التي تملكها هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية منذ عام 2003، وصولاً إلى الاستثمار الواسع في منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتحرك في هذا المجال بوصفه طبقة أكثر مرونة تضم مواقع وصفحات وحسابات وشخصيات افتراضية، غالباً ما تخفي منشأها أو مصادر تمويلها. وفي الربع الأخير من عام 2024، أعلنت مجموعة تحليل التهديدات في غوغل إنهاء قنوات وحجب نطاقات مرتبطة بعمليات تأثير منسقة ذات صلة بإيران، كان بعض محتواها باللغة العربية، وتناول قضايا فلسطين وإسرائيل والوجود العسكري الأمريكي، إلى جانب قضايا سياسية واجتماعية من اتجاهات متعددة.

ويضاف إلى ذلك طبقة ثالثة تتحرك داخل المؤسسات الاجتماعية والدينية والخدمية وشبكات الأعمال، لتشكل القوة الناعمة الإيرانية، بدلاً من الاكتفاء بالأدوات العسكرية. وتُعد هذه الطبقة  الأعمق وأكثر أدوات النفوذ الإيراني استدامة، في هندسة نفوذها وتصدير الأيديولوجيا والمفاهيم المرتبطة بالثورة. وتنشط ضمنها شبكة مؤسسية واسعة ومتخصصة ومتداخلة، لتنفيذ أجندة دينية واجتماعية في الإقليم وخارجه، من بينها المؤسسات التعليمية والدعوية، مثل جامعة المصطفى العالمية، ومنظومة الحوزات الدينية في إيران وخارجها، التي تستقطب الطلاب وتنشر تعاليم الفقه المذهبي والخطاب المرتبط بنظرية "ولاية الفقيه". وإلى جانب ذلك، تنشط واجهات إنسانية وخدمية، مثل "لجنة الإمام الخميني للإغاثة"، التي تمتلك مكاتب في لبنان والعراق وسوريا سابقاً، وتنشط في قطاع غزة، فضلاً عن المؤسسات الخيرية المرتبطة بالعتبات المقدسة، التي تقدم خدمات اجتماعية وإغاثية في دول وبيئات مختلفة.

قراءة-3.jpg

في الواقع؛ فإن التشابك ما بين تلك الطبقات يخلق واقعاً معقداً في مسارات تقويض النفوذ الإيراني، إذ تتبلور عبر الأنشطة الخدمية منظومة اعتماد معيشي يومي تتحول تدريجياً إلى روابط ولاء سياسي وأمني صلبة، وينتج عن هذا المسار بنية مجتمعية موازية تحتكر فيها التنظيمات الوظائف الحيوية لتلبية الاحتياجات، وهندسة مصادر الوعي، وتوفير الحماية لأعضائها. وعليه، فإن أي مقاربة تعتمد على نزع السلاح الخاص بوكلاء إيران بصورة مجردة ستبقى منقوصة دون أن تتزامن مع خطة استعادة السيادة الوطنية والإحياء الفوري لكفاءة الدولة ووظائفها الخدمية.

هل يمكن تقييم واقع المشروع الإيراني الحالي؟

تعرضت إيران وبُنية مشروعها لأضرار واسعة منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة وتطوراتها اللاحقة؛ فقد تعرضت الفصائل المسلحة الفلسطينية في القطاع، ولا سيما حركتا الجهاد الإسلامي وحماس، لضربات أضعفت بشدة قدراتهما العسكرية، وعقّدت قدرة حماس على مواصلة إدارة قطاع غزة، خاصة في المناطق الواقعة داخل حدود "الخط الأصفر"، بينما تسيطر إسرائيل على منطقة تُقدر بنحو 70% من مساحة القطاع. وفي لبنان، أسفرت الضربات الإسرائيلية التي استهدفت الهيكل القيادي لـ"حزب الله" عن مقتل أمينه العام حسن نصر الله وخليفته المحتمل هاشم صفي الدين، إلى جانب عدد من قادة الأركان وقادة الوحدات الثلاث في الحزب (بدر ونصر وعزيز)، فضلاً عن عدد من القادة المسؤولين عن ملفات الصواريخ والمسيرات والاستخبارات. كما تُشير بعض المصادر إلى أن الحزب فقد نسبة تتراوح بين 70% إلى 80% من قدراته الصاروخية الإجمالية، بِمَا في ذلك منصات الإطلاق ومخازن الصواريخ الدقيقة والموجهة، والتي كانت تمثل أحد أهم مكونات قوته وأدوات ردعه في مواجهة إسرائيل.

كما قوضت الحرب استراتيجية "وحدة الساحات" إذ قطعت طرق الإمداد بين الأطراف لتكبح قدرتها على التصعيد المتزامن والمتكامل، بالرغم من تفاوتت الأضرار بين ساحة وأخرى، وانشغال كُل ساحة بالضغوط العسكرية أو الاقتصادية المفروضة عليها، ولعل التغيير الأبرز في سياق "وحدة الساحات" تمثل في خسارة إيران الجغرافيا السورية، التي شكلت الحلقة الأهم في الممر البري الذي سعت طهران لعقود في تثبيته، ويمتد من طهران عبر بغداد ودمشق وصولاً إلى بيروت، وعبره كانت طهران تقدم الدعم اللوجستي والإمداد لحزب الله في لبنان، ما يعقد حالياً قدرة إيران في دعم تعافي الحزب من تبعات الحرب. بالإضافة إلى مهاجمة أصول شبكة حزب الله اللبناني المالية والتجارية في فنزويلا على مدار الأربعة الأعوام السابقة.  

مع ذلك؛ امتدت تداعيات الحرب نحو "العمق الاستراتيجي" لمحور المقاومة ووحدة الساحات، حيث تعرضت إيران لضربات عسكرية مُباشرة، من إسرائيل في يونيو 2025، في جولة تصعيد انتهت بتوجيه الولايات المتحدة ضربات عسكرية ضد منشآتها النووية الرئيسية في نطنز وفرودو وأصفهان في 22 يونيو 2025، ثم واجهت من جديد ضربات أمريكية-إسرائيلية مشتركة أواخر فبراير 2026، قضت على أبرز قادتها في مقدمتهم المرشد علي خامنئي والرجل الأبرز في صناعة القرار في إيران أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني الذي تم تصفيته في 17 مارس 2026، فضلاً عن الاغتيالات التي طالت عدداً من كبار قادة الحرس الثوري. 

قراءة-1.jpg

وبعد مضي أشهر من الحرب تواجه إيران عقوبات اقتصادية متصاعدة تضغط على المجتمع الإيراني وتهدد بتقويض قدرة النظام من الحفاظ على كفاءته وسيطرته. وسط ذلك تحولت إيران من الاعتماد على "استراتيجية وحدة الساحات" إلى استراتيجية "الضغط عبر المضيقين" فقد دفعت الحوثيين، الوكيل الأقوى حالياً، للتصعيد ضد الحكومة الشرعية والوصول إلى مضيق باب المندب في منتصف سبتمبر 2026، لتنقل الضغط عليها إلى دول العالم كاملة حيث تزيد من محاولة إحكام سيطرتها على نقاط الاختناق المائية الأهم في العالم لتزيد من تعقيد وتعطل سلاسل التوريد العالمية. وبالتالي انتقال الضغط المباشر وغير المباشر إلى الاقتصاديات في المنطقة والعالم.

انكشاف المشروع الإيراني: الهشاشة البنيوية ووهم القوة

على الرغم من اتساع نطاق النفوذ الذي بناه المشروع الإيراني، أثبتت التطورات الميدانية الأخيرة أن هذا الحضور الوهمي شهد تضخيماً إعلامياً واسعاً؛ إذ لم يترجم وقت الاختبار الفعلي إلى قوة عسكرية حقيقية أو صلبة، لا على مستوى الدولة الإيرانية نظامياً ولا عبر شبكة وكلائها الإقليميين؛ فمنذ اندلاع الحرب لحق بمشروعها خسائر متتالية، وتراجع موقع طهران الاستراتيجي من معادلة "الردع" إلى "القدرة على الإضرار في الأخر". وفي حين كان الردع يستند إلى أدوات قوة وطنية وهجينة على حد سواء، باتت طهران تتصرف خارج أطر القانون الدولي وأعراف حسن الجوار، مستهدفة حتى الدول المحايدة والوسيطة؛ وهو سلوك يعكس في جوهره حالة من الانكشاف والضغط المتزايد وسلوك الدول المارقة. ولتعويض هذا القصور البنيوي والعسكري، كثفت آلة التأثير الإيرانية حملاتها وسردياتها الممنهجة الموجهة نحو الشعوب العربية، في محاولة لتأليب الرأي العام ضد الشراكات الاستراتيجية واتفاقيات الدفاع المشترك مع الولايات المتحدة والدول الغربية.

إلا أن هذا الضخ الإعلامي الواسع فشل في خلق قاعدة تأييد شعبية خارج البيئات المحدودة أو التيارات المتقاطعة أيديولوجياً مع طهران؛ وتعكس الأرقام التباين الشديد بين حجم النفوذ المفترض والقبول الشعبي له، فقد أظهرت مسوحات الباروميتر العربي لعام 2025 أن ما لا يقل عن 6 من كل 10 مشاركين في غالبية الدول المشمولة يعتبرون النفوذ السياسي الإيراني تهديداً مباشراً، وتجاوزت نسبة القلق من البرنامج النووي الإيراني حاجز 70% في دول وازنة مثل الأردن، ومصر، وسوريا، لتتوافق هذه المعطيات مع مؤشر الرأي العربي لعام 2025، الذي أشار إلى أن 53% من المستطلعة آراؤهم يرون في السياسات الإيرانية تهديداً لأمن واستقرار المنطقة العربية، وفي مؤشر دال على عمق الرفض حتى داخل مناطق السيطرة والنفوذ المباشر، أظهرت بيانات استطلاع غالوب (Gallup) مستويات سلبية بالغة الوضوح تجاه القيادة الإيرانية؛ حيث بلغت نسبة عدم الموافقة 86% في العراق من بينها 83% بين الشيعة تحديداً، و80% في اليمن، و73% في لبنان. وتكشف هذه المؤشرات عن أن المشروع الإيراني، مهما بلغت أدوات توغله وتضخيمه الإعلامي، يفتقر إلى الشرعية الشعبية والقبول الإقليمي، عاكساً أزمة بنيوية في تحويل السيطرة القسرية إلى نفوذ ناعم مستدام.

وأمام استطلاعات الرأي، نجد صورة أخرى بالغة الأهمية، تتمثل في الكلف المترتبة على المستويات البشرية والإنسانية الباهظة عن الحرب، ففي قطاع غزة بلغ عدد النازحين نحو 2.15 مليون نازح فلسطيني يعيشون ظروفاً إنسانية كارثية، من بينهم أكثر من 800 ألف نازح يقيمون في خيام مهترئة وغير صالحة للحياة الإنسانية، وفي لبنان وثقت وزارة الشؤون الاجتماعية نزوح أكثر من 1.1 مليون شخص، وسط انهيار شبه تام للبنى التحتية والقطاعات الحيوية، وإلى جانب أن بعض تلك النسب تعكس تجاوز إسرائيل للمعايير الإنسانية في الحرب، فإنها تكشف عن سعي إيران الدائم لتقديم الإنسان العربي ضحية في سبيل خدمة مصالحها الاستراتيجية ومطامعها الإقليمية، فحتى في المناطق الأقل ضرراً من الحرب مثل اليمن تشير تقديرات الحكومة إلى بلوغ نسبة انعدام الأمن الغذائي نحو 60% طالت إجمالي السكان، بينما تتراوح معدلات الفقر في مناطق سيطرة الحوثيين بين 80% إلى 90%.

قراءة-2.jpg

ولا يتوقف حجم المأزق الإيراني عند حدود التداعيات الإقليمية للحرب فحسب، بل امتد ليتفاعل في الداخل الإيراني ذاته؛ إذ صعدت هذه النتائج من أصوات التيار المعارض والمنتقد لسياستها الخارجية، في مقابل مواصلة النظام تهميش ملفات التنمية والرفاه الداخلي لصالح المغامرات العابرة للحدود. وأمام هذا العجز الهيكلي المتفاقم عن تقديم نموذج تنموي حقيقي أو معالجة الأزمات المعيشية الملحة، عمدت طهران إلى محاولة تعويض قصورها عبر استهداف النماذج الناجحة ومحاصرتها إقليمياً، لاسيما في دول الخليج العربي. ويترجم هذا التوجه عبر مساعٍ ممنهجة لتقويض مواردها وإمكانياتها الحيوية، وتضييق الخناق على أمنها الاقتصادي من خلال افتعال الاضطرابات في الممرات والمضائق الدولية، واستهداف سفن نقل النفط، وشن الهجمات التخريبية المباشرة على المصافي والحقول والبنية الاستراتيجية والحيوية.

ركائز المواجهة الاستراتيجية والبدائل العربية 

بعد سنوات من مراقبة شكل وحالة النفوذ الإيراني في الدول العربية، فإن المواجهة الحتمية لهذا النفوذ تتطلب ثلاث ركائز أساسية: تتمثل في استعادة الدول العربية الخاضعة للنفوذ الإيراني لوظائفها السيادية، وبناء فضاء إعلامي شفاف لمواجهة شبكات التضليل وإطلاق سياسة عربية فاعلة تجاه القضية الفلسطينية. 

فمن جهة، تتطلب مواجهة النفوذ الإيراني مساعدة الدول العربية الأخرى على المضي قدماً في خطواتها لحصر السلاح واحتكار قرارات الحرب والسلم بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية وحدها، وقد خطت كل من العراق ولبنان خطواتها الأولى نحو تحقيق هذا الهدف، رغم التعقيدات المحيطة بكل من الحالتين. غير أن المعالجة الأمنية يجب أن تتزامن مع دعم حقيقي ومؤسسي لحكومات الدول التي تعاني من الهشاشة، لتمكينها من النهوض بمسؤولياتها الخدمية والتنموية، ويمكن أن يتحقق ذلك عبر مقاربة استراتيجية تستند إلى الشراكات والاستثمارات المربحة لمختلف الأطراف المعنية، بحيث توجه الاستثمارات نحو المشاريع الحيوية والبنى التحتية، بما يكفل توفير فرص العمل وتقديم الخدمات للمواطنين بمعزل عن أي وسائط اجتماعية أو فصائلية. فحين تقترن عملية حصر السلاح بتحقيق العدالة، وتطبيق القانون، ورفع مستوى المعيشة، فإن ذلك يغلق الفراغات التي استغلتها إيران في سياق توظيف حاجة المجتمعات المحلية إلى الحماية أو الرعاية.

من جهة أخرى، يجب تركيز جهود الاستجابة على تحصين الرأي العام العربي، عبر تطوير منظومة إعلامية عربية متقدمة، تتسم بأعلى معايير الحوكمة وتتمثل مهمتها في تفكيك استراتيجيات التأثير الممنهج والتضليل الرقمي الموجه، ويتطلب ذلك بناء صحافة تحقيقات مهنية قوية، وتعزيز التعليم الإعلامي الرقمي؛ لتمكين المواطن من رصد المصادر المشبوهة واكتشاف السلوكيات المصطنعة، والحد من مظاهر التعاطف مع إيران وسلوكياتها من قبل تيارات الإسلام السياسي التي تتقاطع أجنداتها مع إيران.

ويتكامل ذلك مع مسار آخر، يتمثل في صياغة سياسة عربية فاعلة وواضحة تجاه القضية الفلسطينية، تُقاس بالأفعال الملموسة، كالإغاثة الشفافة والضغط الدبلوماسي والمسارات القانونية، بما يحد من توظيف هذه القضية العادلة من قبل العديد من المتاجرين بها، وفي مقدمتهم إيران ومحورها وتيارات الإسلام السياسي على اختلاف توجهاتها ودرجات تطرفها.

وأخيراً؛ لا يمكن لأي استراتيجية أمنية، مهما بلغت دقتها، أن تحقق أهدافها بمعزل عن تقديم بديل عربي تنموي حقيقي وشامل؛ حيث حماية الأوطان وتحصين المجتمعات من اختراقات المشاريع الإقليمية يتحققان بشكل مستدام بتعزيز مسارات التكامل الاقتصادي، والدفاعي، والتكنولوجي بين الدول العربية، وتوطين المعرفة، وتعميم نماذج التنمية الناجحة التي تثبت قدرتها على إدارة الموارد وتحقيق الرفاه للإنسان.

حازم سالم الضمور

مدير عام المعهد/ باحث متخصص في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية‎