المواقف العربية من الأزمة الأوكرانية بين الفُرص والتهديدات

يستعرض المقال التأثيرات التي شكلتها للأزمة الأوكرانية على الدول العربية، وما تطرحه من فرص وتحديات، في ضوء موقع النظام الإقليمي العربي من المُتغيرات على الساحة الدولية، ومكانة المنطقة في سوق الطاقة العالمي، بالإضافة إلى التداعيات المحتملة على ملف الأمن الغذائي، من أجل فهم طبيعة الموقف العربي من الأزمة تأثراً وتأثيراً

الكاتب محمد ثابت حسنين
  • الناشر – STRATEGIECS
  • تاريخ النشر – ٠٩‏/٠٥‏/٢٠٢٢

مقدمة

أصبحت تداعيات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، ملموسة في الدول العربية، بآثارها على الأمن الغذائي، وأسعار الطاقة، وأسواق العمل. وفي وقت تتخوف بعض الدول العربية من تأثيرات سلبية للأزمة الأوكرانية، تُهدد اقتصاداتها وخططها للتعافي من جائحة كوفيد-19، يبدو أن الأزمة تُشكل فرصاً سانحة لدول أخرى، وفي ملفات مُتعددة.

وعلى غرار العالم، فإن التأثير بشقيه السلبي والإيجابي، حاصل على الدول العربية وبأكثر من طريقة، فالمنطقة لا تزال مسرحاً هاماً للمُنافسة بين الدول العظمى، لا سيما الولايات المتحدة وروسيا. فضلاً عن مكانة المنطقة في سوق الطاقة العالمي، لاحتواءها على البعض من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، بالإضافة إلى اعتماد العديد من الدول العربية على روسيا وأوكرانيا كمصدرين رئيسيين للسلع الغذائية الاستراتيجية وعلى رأسها الحبوب، ما يُهدد بأزمة غذائية مُحتملة.

علاوة على ذلك، تُعيد الأزمة الأوكرانية تنظيم الاصطفافات الجيوسياسية حول العالم، حيث تنتظر الولايات المتحدة من حلفائها في المنطقة اتخاذ إجراءات لتحديد موقفها من العملية العسكرية الروسية، بل ومعاقبتها أيضاً. وفي غضون ذلك تجد الدول العربية نفسها مضطرة لاختيار ومواءمة سياستها مع إحدى القوتين، ولتفادي ذلك تُشكل دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، كتلة إقليمية خاصة لمقاومة الانجذاب العميق في مدار إحدى القوى الكبرى.

ما وراء الموقف العربي من الأزمة الأوكرانية

يُعد الشرق الأوسط أحد أقل الأقاليم تكاملاً في العالم، والذي وصف في أحيان عدة باعتباره "منطقة خالية من الإقليمية"، فالمؤسسات المشتركة ومُتعددة الأطراف ضعيفة الأداء وقليلة الفعالية، وغالباً ما تكون قراراتها ومخرجاتها غير مُلزمة، وتفتقر إلى الآليات لنفاذها. ولذلك نجد أن الدول العربية فرادى، مُنقسمة في موقفها من الأزمة الأوكرانية، سواء في المُستويين الرسمي والشعبي. ويُمكن التمييز بين المواقف الرسمية المُختلفة التي تعبر عنها حالة  الحياد، أو التناغم تجاه الموقف الأمريكي.

من ضمن هذه المواقف، رفضت الرياض زيادة إنتاج النفط بناء على طلب أمريكي وأوروبي لكبح الزيادة في أسعاره، لتؤكد التزامها باتفاق أوبك + مع روسيا عام 2020، بينما امتنعت الإمارات العربية المتحدة عن التصويت على مشروع أمريكي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لإدانة العملية العسكرية الروسية، ومطالبتها بالانسحاب. ويعكس موقف الدولتين، علاقتهما المُعقدة مع إدارة بايدن، ورغبة خليجية في تنويع العلاقات الدولية، بالتزامن مع تحويل واشنطن ثقلها الاستراتيجي لمواجهة الصين. وهذا التنويع شمل مجالات مُتعددة منها الاقتصادية والعسكرية والسياسية.

in-26.jpg

لكن هناك العديد من الدول العربية الأخرى، التي لا تزال عالقة وسط المُنافسة الأمريكية الروسية، وتتخذ خطواتها ومواقفها بحرص شديد، ومُوازن لعلاقاتها مع الدولتين. نظراً لتشابك قطاعاتها الحيوية والاقتصادية والعسكرية، وبالتالي يُمكن أن يؤدي اتخاذها لموقف تجاه طرف دون الآخر إلى زيادة التداعيات المؤدية لعدم الاستقرار في المنطقة.

ومن الواضح؛ بالنسبة للشرق الأوسط، أن النظام العالمي يعود بالفعل إلى التعددية القطبية، بيد أن مواقف الدول الحالية، لا سيما الدول العربية، ستعمق من توزيع القوة العالمية، وتعددية الأطراف الفاعلة في القضايا المصيرية، ونتيجة ذلك أن الدول العربية ستكون في المستقبل أكثر مرونة في اختيار مصالحها ومن يخدم تلك المصالح.

ملف الطاقة والخيارات المتاحة

لعل السؤال الذي يشغل بال القادة الغربيين اليوم، هو كيفية الحد من الاعتماد على الطاقة المستوردة من روسيا، خاصة بعد أن تخلفت أوروبا عن مواكبة الحظر الأمريكي على النفط الروسي، نظراً لاعتمادها بشكل كبير على هذه الواردات من روسيا. ما أفقد الحظر الأمريكي قيمته، لإمكانية روسيا توجيه الفاقد الأمريكي إلى أماكن أخرى من السوق العالمية، فمن دون مشاركة أوروبا، سيكون من الصعب التأثير على قطاعي النفط والغاز الروسيين.

مع ذلك، تسير الدول الغربية بجداول وبرامج واستراتيجيات للحد من اعتمادها على الطاقة الروسية، أو الاستجابة لمخاطر مواجهة مشاكل مُستقبلية في الإمدادات، وكلتا الحالتين؛ تُعززان مكانة الدول العربية المُنتجة للنفط، في سوق الطاقة العالمي، ناهيك عن دور الأزمة الأوكرانية في الارتفاع قصير المدى لأسعار الطاقة، ما يعني تدفقات مالية لم تكن مُتوقعة لخزائن الدول المنتجة لها. إذ دفعت الأزمة سعر الخام إلى أكثر من 100 دولار، علماً أن زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط، ستضيف 65 مليار دولار إلى عائدات صادرات النفط لدول مجلس التعاون الخليجي، وفقًا لتقديرات HSBC في فبراير؛ حيث يؤدي سعر برميل النفط عند 100 دولار إلى زيادة في الميزانية والحساب الجاري بنسبة، 10% و 15% على التوالي من الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي.

من الناحية الدبلوماسية؛ فإن العملية تتطلب أن تكون بالغة الدقة، من حيث توظيف الأزمة لصالح المزيد من المكاسب المالية والاقتصادية، وبشكل يُساهم في التعافي سريعاً من تداعيات جائحة كوفيد-19، حيث يتعلق قرار زيادة الإنتاج من عدمه، في تحقيق التوازن؛ بين عدم الإنصهار في الموقف الغربي من الأزمة الأوكرانية، وعدم إثارة رد فعل روسي يأتي على حسابها، كما حدث سابقاً مع إيران. وحقيقة أن أوروبا ستحدد بدائلها وخياراتها من الموردين المحتملين لها على المدى المُتوسط، ومن ضمنهم إسرائيل التي تسعى لإحياء المُناقشة حول خط أنابيب الغاز في شرق البحر الأبيض المُتوسط، خاصة بعد أن رجح موقفها من الأزمة الأوكرانية، كفة الدول الغربية.

على الجانب الآخر، أوجدت الأزمة الأوكرانية، نفقات أعلى على دول عربية أخرى لتأمين الطاقة والغذاء، وقد اتخذت العديد من حكوماتها بالفعل مجموعة من التدابير التقشفية، لتعويض الزيادة الكبيرة الحاصلة في أسعار الطاقة وخاصة في المراحل الأولى من العملية العسكرية الروسية.

الأمن الغذائي ومؤشرات تصعيد الجوع

مع استمرار الأزمة الأوكرانية، فإن آثار ارتفاع المواد والسلع الغذائية، ونقص المحاصيل الأساسية والاستراتيجية، أصبح محسوساً بالفعل في العديد من الدول العربية، وتتأثر بها الدول الأكثر ضعفاً وفقراً، وقد حذر الصندوق الدولي للتنمية الزراعية التابع للأمم المتحدة، من أن الصراع المستمر سيؤدي إلى تصعيد الجوع والفقر في العالم.

ففي الواقع، تحظى كل من روسيا وأوكرانيا بحصة كبيرة من صادرات القمح العالمية، منها 40% تستوردها دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وهي المنطقة الجغرافية التي تعاني بالفعل من تأثير التغيرات المناخية، وتزايد المخاطر على الأمن المائي والغذائي لهذه الدول، وقد دفعت الأزمة بأسعار الغذاء إلى الإرتفاع، ويُظهر تحليل الصندوق الدولي للتنمية الزراعية أن الزيادات في أسعار الأغذية الأساسية والوقود والأسمدة وغيرها من الآثار المتتالية للنزاع لها تأثير وخيم على أفقر المجتمعات الريفية. على سبيل المثال:

- في الصومال، يعاني ما يقدر بنحو 3.8 مليون شخص بالفعل من انعدام الأمن الغذائي الشديد، حيث ارتفعت تكاليف الكهرباء والنقل بسبب ارتفاع أسعار الوقود. وهذا له تأثير غير متناسب على صغار المزارعين والرعاة الفقراء الذين يعتمدون، في مواجهة عدم انتظام هطول الأمطار والجفاف المستمر، على الزراعة التي تحتاج لآليات الري التي تعمل بمحركات الديزل الصغيرة.

in-16.jpg

- في مصر، تصاعدت أسعار القمح وزيت عباد الشمس بسبب اعتماد مصر على روسيا وأوكرانيا في 85% من إمدادات القمح و 73% من زيت عباد الشمس.

- في لبنان، 22% من العائلات تعاني من انعدام الأمن الغذائي ونقص الغذاء أو زيادة الأسعار. إذ تستورد البلاد ما يصل إلى 80% من قمحها من روسيا وأوكرانيا، لكن لا يمكنها تخزين سوى حاجة شهر واحد من المحصول في كل مرة بسبب الانفجار الذي وقع في ميناء بيروت في عام 2020 والذي دمر صوامع الحبوب الرئيسية في البلاد.

وفي الختام؛ يعتبر النظر في العوامل المحلية أمرًا مهمًا للغاية في مواقف الدول العربية من الأزمة الأوكرانية، من حيث آثارها المُحتملة من النواحي الإيجابية والسلبية، وخاصة على الصعيد الاقتصادي المُتعلق بأسعار الطاقة على وجه التحديد، والصعيد الغذائي والمخاوف المُرتبطة بأزمة غذاء قادمة، إلى جانب كل ذلك، أبرزت الأزمة الأوكرانية فهماً استراتيجياً حديثاً في مواقف الدول العربية، تجاه السياسات الدولية، في سياق أنها تتجه إلى الحياد عندما يتعلق الأمر في توازنات القوى على مستوى العالم. ما يُظهر إدراكاً بأن النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة والغرب، آخذ بالتفكك.

 

*تُعبر هذه الدراسة عن وجهة نظر كاتبها، ولا يتحمل مركز ستراتيجيكس أي مسؤولية ناتجة عن موقف أو رأي كاتبها بشأن القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخرى، ولا تعكس بالضرورة موقف و/أو وجهة نظر المركز.

محمد ثابت حسنين

باحث في العلاقات الدولية