التحولات الاستراتيجية في إسرائيل وانعكاساتها الإقليمية

تشهد إسرائيل مرحلة تحولات سياسية وأمنية عميقة نتيجة تداخل الانتخابات مع تداعيات الحروب المستمرة وإعادة تعريف مفهوم الأمن، في ظل تراجع الدعم الدولي وتصاعد التحديات في غزة والضفة الغربية وإيران وساحات إقليمية أخرى. وتتمحور المرحلة حول الصراع على حدود القوة وتحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب استراتيجية، فيما تكشف الانتخابات المقبلة الانقسامات الداخلية بشأن تجنيد الحريديم، ومستقبل اليمين، ومرحلة ما بعد نتنياهو، والعلاقة مع واشنطن، ومستقبل القضية الفلسطينية، وسط بيئة إقليمية تتسم بالترقب وعدم الحسم.

الكاتب حازم سالم الضمور
  • تاريخ النشر – ٠٦‏/٠٨‏/٢٠٢٦

المقدمة

تتناول هذه الورقة التحولات السياسية والأمنية التي تمر بها إسرائيل في مرحلة يتداخل فيها الاستحقاق الانتخابي مع تداعيات الحروب الممتدة، وإعادة صياغة الرؤية الاستراتيجية للدولة، وتراجع تأييد الرأي العام الدولي تجاهها، وتصاعد التحديات المرتبطة بملفات قطاع غزة والضفة الغربية وإيران إلى جانب المستجدات في سوريا والاضطرابات في البحر الأحمر وتطورات العلاقة السعودية-الباكستانية. فضلاً عن التهديدات المتزايدة في الفضاء السيبراني والمجال الجوي المنخفض.

وتفترض الورقة أن جوهر المرحلة ليس انتقال إسرائيل من الحرب إلى ما بعدها، بل انتقالها من منطق إدارة الأزمات إلى الصراع الداخلي والخارجي حول مفهوم الأمن، وحدود القوة، وشروط تحويل الإنجازات العسكرية التكتيكية إلى مكاسب استراتيجية دائمة.

وتخلص الورقة إلى أن الانتخابات المقبلة ستعمل كعدسة مكبرة لكل التناقضات الإسرائيلية: أزمة تجنيد الحريديم، وعنف المستوطنين، ومستقبل تيارات اليمين الديني، واحتمالية صعود بدائل سياسية مثل غادي آيزنكوت، ومرحلة ما بعد نتنياهو داخل الليكود، والعلاقة المتقلبة مع واشنطن، وحدود القدرة على فرض ترتيبات على الفلسطينيين أو المنطقة والمسار نحو حل الدولتين والشرعية الإسرائيلية. كما تخلص إلى أن البيئة الإقليمية لا تتحرك بسرعة نحو حسم، بل تميل إلى الترقب المحافظ.

الخلفية والسياق العام

تتحرك إسرائيل في بيئة استراتيجية تتسم بارتفاع في منسوب حالة عدم اليقين. فالانتخابات المقبلة ليست عاملاً داخلياً منفصلاً عن التفاعلات الإقليمية، بل متغيراً مركزياً سيؤثر في ترتيب الأولويات الأمنية والسياسية، وفي قرارات التصعيد والتهدئة، وفي إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة والدول العربية. ومن ثم، فإن أي تقدير للمسار الاستراتيجي الإسرائيلي ينبغي أن يأخذ في الاعتبار الخريطة السياسية التي ستنتجها الانتخابات، وطبيعة الائتلاف الحكومي المقبل، وحدود قدرته على اتخاذ قرارات طويلة المدى.

في هذا السياق، لم يعد مفهوم "اليوم التالي للحرب" مفهوماً دقيقاً؛ إذ لا يوجد حسم واضح بشأن انتهاء الحرب أو تحديد أي حرب يُقصد بها: غزة، أم لبنان، أم إيران، أو الجبهات الأخرى المتداخلة أو المساندة. لذلك، تتعامل هذه الورقة مع المرحلة الراهنة بوصفها مرحلة انتقالية ممتدة، تتسم بتداخل المسار العسكري بالسياسي، والداخلي بالإقليمي، والدبلوماسي بالأمني.

الفكرة المركزية

تتمثل الفكرة المركزية للورقة في كيفية قراءة التحولات الجارية في إسرائيل، داخلياً وإقليمياً، واستخلاص مسارات سياسة عملية في ظل اقتراب الانتخابات، وغياب رؤية استراتيجية إسرائيلية واضحة، وتصاعد تحديات الأمن والشرعية والعلاقات الإقليمية. وتسعى الورقة إلى الإجابة عن سؤال رئيسي: ما الخيارات المتاحة أمام الفاعلين العرب والدوليين للتعامل مع إسرائيل في مرحلة انتقالية مفتوحة، مع تقليل مخاطر التصعيد وتعظيم فرص الدفع نحو ترتيبات أكثر استقراراً؟

 التحليل الاستراتيجي

1. الانتخابات كعامل مهيمن في صنع القرار الإسرائيلي

تبدو الانتخابات المقبلة مرشحة لأن تكون المحدد الأبرز للسلوك الحكومي الإسرائيلي في المدى القريب. فالاعتبارات المرتبطة ببقاء الائتلاف، وتوازنات الأحزاب، ونتائج استطلاعات الرأي، ستؤثر في طريقة الحكومة الإسرائيلية لإدارة ملفات التصعيد والتهدئة. وعلى هذا الأساس، ينبغي قراءة القرارات الإسرائيلية المقبلة باعتبارها نتاج تفاعل بين تقديرات أمنية فعلية وحسابات سياسية داخلية.

2. القضية الفلسطينية كمركز ثقل استراتيجي

تؤكد المعطيات أن القضية الفلسطينية عادت إلى موقعها بوصفها تحدياً استراتيجياً بنيوياً لإسرائيل، بعد سنوات من محاولات حسمها أو تجاوزها. ويعني ذلك أن أي اختراقاً إقليمياً، بما في ذلك التطبيع مع السعودية أو بناء ترتيبات أمنية واقتصادية متعددة الأطراف، سيظل محدود الأثر ما لم يرتبط بمسار سياسي موثوق تجاه مستقبل الفلسطينيين. ومن منظور سياسي، لم يعد تجاهل الملف الفلسطيني خياراً منخفض التكلفة، بل أصبح مصدراً لتقييد مساحة إسرائيل للمناورة في المجتمع الدولي وتقييد قدرتها على بناء شراكات إقليمية مستدامة.

3. الضفة الغربية وعنف المستوطنين

لا تشير المؤشرات إلى تصعيد واسع النطاق في الضفة الغربية يتجاوز الأنماط الأمنية المعتادة، إلا أنها توضح أكثر قابلية الساحة للاشتعال نتيجة التداخل الجغرافي والديمغرافي وغياب الحدود الواضحة. ويشكّل عنف المستوطنين عاملاً مضاعفاً للمخاطر، لأنه يفرض أعباء إضافية على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ويضر بصورة إسرائيل دولياً، وقد يتحول إلى قضية انتخابية تعمّق الاستقطاب الداخلي وتزيد هشاشة المشهد الأمني.

4. غزة وخطة النقاط العشرين

يستمر قطاع غزة بوصفه الساحة الأكثر ارتباطاً بالضغوط الأمريكية وبحسابات الانتخابات الإسرائيلية. ولا يزال الإطار السائد هو خطة الرئيس ترامب ذات النقاط العشرين، وأن التحدي لا يكمن في تعدد قنوات الوساطة بقدر ما يكمن في جمود القناة الأمريكية وفي مدى استعداد إسرائيل للانخراط في مراحل تنفيذ إضافية. لذلك، ستبقى غزة اختباراً مركزياً لمدى قدرة إسرائيل على الانتقال من إدارة الحرب إلى بناء ترتيب سياسي وأمني قابل للاستمرار.

5. إيران وتفكك استراتيجية وحدة الساحات

تراجعت استراتيجية "وحدة الساحات" عسكرياً، لكنها لم تتفكك استراتيجياً بالكامل، خصوصاً في ظل استمرار التهديد الإيراني ووجود احتمالات لظهور أنماط جديدة من التنسيق الإقليمي، بما في ذلك احتمال بروز دور تركي مختلف. كما أن العلاقة الأمريكية بإيران ستؤثر مباشرة في هامش المناورة الإسرائيلي، وقد يؤدي أي مسار تفاوضي أمريكي- إيراني إلى إعادة ترتيب أولويات إسرائيل وسلوكها الإقليمي.

6. العلاقات العربية والتطبيع مع السعودية

لا تبدو فرص التطبيع السعودي- الإسرائيلي ناضجة في المدى القريب ما لم تتوافر ظروف مناسبة وواضحة، وفي مقدمتها مسار موثوق تجاه الفلسطينيين وضمانات تتصل بالبرنامج النووي المدني وبالعلاقة مع الولايات المتحدة. ورغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يرى في التطبيع إنجازاً انتخابياً حاسماً، فإن السعودية تبدو أكثر ميلاً لتجنب التدخل في الانتخابات الإسرائيلية وربط أي تقدم بشروطها ومصالحها طويلة الأمد.

7. الاقتصاد والطيران والبحر الأحمر والصناعات الدفاعية

تكيف الاقتصاد الإسرائيلي نسبياً مع اضطراب طرق الشحن في البحر الأحمر، وأن تحولات أولوية الحوثيين واحتمالات التصعيد المتصل بالسعودية تبدو منخفضة. غير أن تعليق رحلات الطيران وتراجع السياحة يلحقان ضرراً مباشراً بالاقتصاد الإسرائيلي وباقتصادات دول مجاورة كالأردن ومصر. وفي الوقت نفسه تستفيد إسرائيل من تعدد الأزمات العالمية عبر توسيع حرية الحركة وتعظيم مكاسب الصناعات الدفاعية، ما يجعل الاقتصاد الأمني جزءاً من معادلة القوة لا مجرد نتيجة للحرب.

8. التكنولوجيا والمسيّرات والأمن السيبراني والعملية الانتخابية

تُظهر حادثة المسيّرات والتهديدات المتزايدة في المجال الجوي المنخفض أن إسرائيل تواجه جيلاً جديداً من التهديدات الرخيصة وسريعة التطور، بما يفرض إعادة تعريف الأمن الداخلي وحماية الشخصيات والمنشآت. وبالتوازي، توجد محاولات داخلية وخارجية للتأثير في نزاهة الانتخابات، بما في ذلك تهديدات إيرانية سيبرانية محدودة لكنها قائمة. ورغم امتلاك إسرائيل قدرات استخباراتية وسيبرانية متقدمة، فإن اتساع نطاق التهديدات يجعل الأمن الانتخابي والسيبراني جزءاً أصيلاً من التقدير الاستراتيجي المقبل.

9. السياسة الداخلية: التجنيد واليمين الديني ومرحلة ما بعد نتنياهو

لا تنفصل السياسة الخارجية الإسرائيلية عن الاستقطاب الداخلي حول هوية الدولة. فقضية تجنيد الحريديم تتحول من خلاف يمين ويسار إلى خط انقسام بين الأحزاب الحريدية ومعظم النظام السياسي. كما أن قرار المحكمة العليا المتعلق باعتقال المتهربين من الخدمة يعكس صراعاً أعمق حول القضاء والشرعية والمؤسسات. وفي المقابل، يبدو الحزب الصهيوني الديني متمسكاً بخطه رغم تراجع فرصه الانتخابية، بينما تتحول مسألة عنف المستوطنين إلى قضية انتخابية يستثمرها منافسون سياسيون. أما داخل الليكود، فتعزز الأزمة موقع نتنياهو على المدى القصير، لكنها تفتح على المدى البعيد سؤال الخلافة ومرحلة ما بعده.

10. سوريا وباكستان وتحوّلات المسرح الإقليمي الأوسع

تبدو إسرائيل مرتاحة نسبياً للوضع الراهن في سوريا، حيث التهديدات محدودة والاستثمار المطلوب منخفض، كما أن جهود إعادة إدماج سوريا دولياً تُقيّم غالباً وفق جدواها واتساقها مع المصالح الإسرائيلية. أما باكستان بوصفها دولة نووية – وفقاً لمصادر متطابقة تحفظت على ذكر اسمها- تجري حواراً سرياً مع إسرائيل، فتضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المعادلة الإقليمية؛ إذ تراقب إسرائيل هذا الانخراط من خلف المظلة الأمريكية وتقيّم تداعياته. ويعني ذلك أن المسرح الإقليمي لم يعد محصوراً بالجبهات التقليدية، بل يتوسع نحو فاعلين نوويين ومسارات دبلوماسية غير معلنة.

التحولات-الاستراتيجية-في-إسرائيل-وانعكاساتها-الإقليمية-in-2.jpg

السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: استمرار الوضع الرمادي

- وصف السيناريو: يستمر التصعيد عند مستويات محدودة ومنضبطة نسبياً في معظم الساحات، مع بقاء التوتر في غزة والضفة والملف الإيراني دون تحوّله إلى مواجهة إقليمية واسعة.

- درجة الترجيح: مرتفعة في المدى القريب، نظراً إلى رغبة معظم الأطراف في إدارة المخاطر دون دفع كلفة حرب شاملة قبل اتضاح نتائج الانتخابات الإسرائيلية.

- الدلالة السياسية: يتطلب هذا السيناريو تبني نهج المتابعة الحثيثة والاستعداد لتحول سريع في الأولويات.

السيناريو الثاني: تصعيد انتخابي محسوب

- وصف السيناريو: قد تتجه الحكومة الإسرائيلية إلى عمليات أمنية أو عسكرية محدودة إذا رأت أن ذلك يعزز موقعها الانتخابي أو يعيد ترتيب الأجندة الداخلية.

- درجة الترجيح: متوسطة، مع ارتفاعها في حال تدهور استطلاعات الرأي أو تصاعد الضغوط الائتلافية.

- المخاطر: يتمثل الخطر الرئيسي في أن يتحول التصعيد المحسوب إلى مسار خارج السيطرة بسبب تعدد الساحات وتشابك الفاعلين.

السيناريو الثالث: انفراج سياسي مشروط

- وصف السيناريو: يتحقق هذا المسار إذا تشكلت حكومة إسرائيلية أكثر قدرة على تبني رؤية استراتيجية، وانخرطت بجدية في إطار أمريكي ـ إقليمي يربط غزة والضفة والتطبيع السعودي ضمن حزمة سياسية أوسع.

- درجة الترجيح: متوسطة إلى منخفضة قبل الانتخابات، وترتفع فقط إذا أنتجت الانتخابات ائتلافاً قادراً على تجاوز ضغوط القوى المتطرفة.

- الدلالة السياسية: يفتح هذا السيناريو نافذة محدودة لبناء ترتيبات إقليمية أكثر استدامة.

السيناريو الرابع: تدهور متعدد الساحات

- وصف السيناريو: يتضمن هذا المسار اندلاع موجات عنف في الضفة، أو تعثر مسار غزة، أو تصعيداً مع إيران أو أحد الفاعلين المرتبطين بها، بالتوازي مع ضغوط دولية واقتصادية متزايدة.

- درجة الترجيح: أقل ترجيحاً من سيناريو استمرار الوضع الرمادي، لكنه الأعلى كلفة.

- التداعيات: قد ينعكس مباشرة على دول الجوار، والممرات التجارية، وقطاعي الطيران والسياحة، ومستوى الاستقطاب السياسي الإقليمي.

مؤشرات الإنذار المبكر

1- تحول استطلاعات الرأي لمصلحة أو ضد نتنياهو بصورة تدفع الحكومة إلى تصعيد منضبط أو تهدئة محسوبة.

2- تنامي خطاب انتخابي يربط الأمن القومي بالعودة إلى الحرب أو بتوسيع العمليات في غزة والضفة.

3- ارتفاع وتيرة عنف المستوطنين أو تحوله إلى قضية مركزية في الحملات الانتخابية.

4- تعثر تنفيذ خطة النقاط العشرين أو رفض إسرائيل الانتقال إلى مراحل إضافية في غزة.

5- تزايد تعليق الرحلات الجوية أو اتساع القيود على المجال الجوي والسياحة.

6- ظهور هجمات أو تهديدات مسيّرات في المجال الجوي المنخفض قرب شخصيات أو منشآت حساسة.

7- تصاعد مؤشرات تدخل سيبراني خارجي أو داخلي في العملية الانتخابية.

8- تدهور إضافي في الرأي العام الدولي تجاه إسرائيل، خصوصاً في بيئات سياسية ما بعد ترامب.

9- إشارات أمريكية إلى اعتبار إسرائيل عائقاً أمام تفاهم مع إيران أو ترتيبات إقليمية أوسع.

وأخيراً؛ تعكس المعطيات صورة إسرائيلية مركبة: قوة عسكرية واستخباراتية لها تأثيرها الفعال، لكنها تواجه أزمة رؤية، وضغطاً انتخابياً، وتراجعاً في نسب تأييدها دولياً، فضلاً عن عودة القضية الفلسطينية كعامل لا يمكن تجاوزه. ومن ثم، فإن السياسة الأكثر فاعلية تجاه المرحلة المقبلة هي سياسة تجمع بين الحذر الاستراتيجي، والانخراط المشروط، والاستعداد لسيناريوهات متعددة، مع رفض اختزال التحولات الجارية في لحظة عسكرية أو انتخابية واحدة.

حازم سالم الضمور

مدير عام المعهد/ باحث متخصص في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية‎