وهم إدارة واشنطن للشرق الأوسط

مقال رأي|يتحدث المقال عن سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط ويجيب على عدد من الأسئلة من قبيل: هل ما زال الشرق الأوسط يعتبر الساحةُ المفضّلة لتسوية نزاعات القوى الكبرى، وميداناً للتفاعلات الدولية؟ وما هي مُحدّدات العلاقة التي تربط بين واشنطن وبين الدول الشرق أوسطية؟

الكاتب حسن إسميك
  • الناشر – إيلاف
  • تاريخ النشر – ١٠‏/٠٦‏/٢٠٢٠

لا يزالُ الشرقُ الأوسط معضلةً للسياسة الخارجية الأمريكية، فمنذُ أن ابتَدأت واشنطن بالالتفاتِ إلى المنطقة ووراثةِ النفوذ البريطاني وصياغةِ التحالفات، وهي في مأزقٍ يتعلّقُ بصعوبةِ وجودِ نمطٍ ثابثٍ لإدارة علاقاتها مع حلفائِها وخصومِها على السواء. فكلُّ حليف لواشنطن له خصوصيتُه السياسيةُ التي قد تختلف عن خصوصيةِ حلفاءٍ آخرين، كما أن كلَّ خصمٍ من خصومها له قضية قد تختلف عن قضية خصومٍ آخرين.

هذا الوضعُ - الذي يتضمن تعدّداً في مُحدّدات العلاقة التي تربطُ بين واشنطن وبين الدول الشرق أوسطية - يختلفُ عن ما هي عليه طبيعةُ العلاقة التي تربطُ بين الولايات المتحدة وأوروبا، إذ أن العلاقات الأمريكية الأوروبية متّسقة ومنظّمة ومؤسّسية، وتمَّ ويتمُّ تباحثُ أوجه العلاقات بينهما من خلال مؤسساتٍ راسخة، مثل: حلف الناتو، أو مؤسسات الاتحاد الأوروبي. كما أن الحليفَ الأوروبي ناضجٌ على الصعيدين: السياسي والإداري، لذا غلَب على التفاعلات الأمريكية الأوروبية طابعَ الوضوح والدقة، فعلى واشنطن العمل على توفير مظلّة أمنية ضد التهديد الروسي والصيني في المقابل تُوفّر أوروبا سوقاً استهلاكياً للسلع الأمريكية. وبذلك يختلفُ منطق العلاقات الأمريكية الأوروبية عن منطق العلاقات التي تربطُ واشنطن بحلفائها الشرق أوسطيين، فحتى الآن لا يبدو واضحاً ماهيّة الأمر الذي تريدُه السياسة الخارجية الأمريكية من هذا الإقليم - الشرق الأوسط.

إلا أنّهُ يمكنُ القولُ بأن نظرة الولايات المتحدة للمنطقة اتّسمت بمحدّدات رئيسية أبرزها؛أولاً: ضمانُ أمن إسرائيل، وثانياً: ضمانُ انسيابية النفط والسلع عبرَ المضائق الحيوية، كالخليج العربي وقناة السويس، وثالثاً: تلبيةُ المتطلبات الأمنية للحلفاء، ورابعاً: محاولةُ "دمقرطة المنطقة" ضمن استراتيجيتها الشاملة في مكافحة الإرهاب والتطرف.

وبقراءة المشهد الحالي، فإنه يُلاحظ رسمياً تغيُّر تصنيف إسرائيل في العديد من الدول العربية، من خصمٍ تقليدي، إلى حليفٍ محتمل في مواجهة الخطر الإيراني، كما تراجعَ خطرُ تبنّي بعض المؤسسات الرسمية للخطاب المتطرف، وانتهجت بعضُ الدول التي كانت منغلقة، نوعاً من الانفتاح الاجتماعي والثقافي ضمن رؤية تهدف إلى منع تسلُّل الأفكار المتطرفة إلى جيل الشباب. والأكثرُ دلالةً مما سبق هو تحوُّل الولايات المتحدة إلى منتجٍ للطاقة وذلك من خلال صناعة النفط الصخري، وكل ما سبق يؤكدُ على أن محددات العلاقة الأمريكية - التي تربطُها مع غيرها من الدول - منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قد تغيّرت تدريجياً منذ مطلع العقد الثاني من هذا القرن.

كما أنَّ الولايات المتحدة لم تعد متحمّسة لفرض الإيقاع السياسي الإقليمي، لا بل أثار توقيعُ إدارة الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، لاتفاقٍ نووي مع إيران دون تنسيق هذه الإدارة مع حلفائها في المنطقة، جدلاً واسعاً يتعلّقُ بمدى التزام واشنطن بقواعد محدّدة في الشرق الأوسط. وهذا "الجفاءُ السياسي" أدّى إلى إحداثِ نوع من تراجع قدرة الولايات المتحدة على تشكيل الأحداث في المنطقة، بالترافق مع تنامي الحضور العسكري الروسي للمرة الأولى فيها، وبروز روسيا كحليف يُعتمد عليه ويُمكن الوثوق به؛ استناداً على دعمها اللامحدود للدولة السورية.

ففي السابق، كانت واشنطن هي المحدّدةُ لمهامّ الدول الشرق أوسطية الحليفة لها في المنطقة؛ فمثلاً كان لـ "عاصفة الصحراء" - التي قادتْها القوات الجوية الأمريكية بمشاركة دولية واسعة – الدور َالبارز في إجبار الجيش العراقي على الانسحاب من الكويت. أما بعد الاتفاق النووي الإيراني، لم تعُد بعضُ العواصم العربية ترى في واشنطن ضرورة واجبة للتحرك ضمن إطارها، فمثلاً، عمليات "التحالف العربي" في اليمن التي بدأت في مارس 2015 لم تُشارك فيها واشنطن عملياتياً، ولم يتم تنسيقُها وإدارتُها من خلال القيادة العسكرية الأمريكية الوسطى "USCENTCOM" - المسؤولة عن الأنشطة العسكرية الأمريكية بين قارّتي أوروبا وإفريقيا، وإنما اقتصرت المشاركة الأمريكية على توفير مستشارين عسكريين وإمداد لوجستي ونشر أنظمة باتريوت متقدمة عند تطوّر القتال إلى مستويات خطرة.

وفيما يتعلّقُ بهدف إسقاط الحكومة السورية؛ فقد تم التراجُع عنه منذ بدء عمليات التحالف الدولي ضد "داعش"، إذ أن واشنطن لم تعُد راغبة في المجازفة بوضعِ حُكْمٍ هشّ عاجز ٍعن ضبط الإرهاب مكانَ حُكْمٍ مركزي مسيطر. أما أنقرة فهي في خلافٍ مُزمنٍ مع واشنطن، ويتعلّقُ - هذا الخلاف - بالملف الكردي بسبب تناقض تقييم كل من أنقرة وواشنطن لقوات سوريا الديمقراطية، ففي حين تراها الولاياتُ المتحدة حليفاً في مكافحة الإرهاب وجزءاً من مشهد سوريا القادمة، فإن أنقرة تُصنّفها على أنها إرهابية بل وعلى رأس قوائمها للإرهاب.

إنَّ ما سبق لا يعني ضعفاً أمريكياً، أو انحساراً لقيادتها الدولية مثلما يروجُّ البعض، فالمنطقةُ بكُلّ تناقضاتها وتعدّد الأطراف الفاعلة فيها، يجعلان من الصعب جداً وجودَ طرفٍ قادرٍ على ضبط مسار الأحداث، لذلك تغلُب المفاجآتُ - التي يصعب التنبؤ بها - على الطابع السياسي للشرق الأوسط، إذ أنهُ لا توجد قوة باستطاعتها التأثير على ديناميكية التفاعلات في المنطقة كالولايات المتحدة، وحتى لو خفّضت تواجدها وانكفأت عن المنطقة، فلن يوجد من يَقدر على ملء فراغ الدور الأمريكي بصورة مماثلة.

ويُمكن القول إن الولايات المتحدة سئمت من تحمُّل كلفة عالية لنفوذ مُرهق في المنطقة، فهي إن كانت "قادرة" على إدارة المنطقة، إلا أنها لم تعد "راغبة" في هذه المهمة التي لا تنتهي، لا سيّما في ظل صعود أولويات أخرى تتمثل في الداخل الأمريكي "أمريكا أولاً"، وصعود الشرق الأقصى كإقليم جيواستراتيجي في التصورات الأمريكية على حساب الشرق الأوسط. وجاءت "سياسة محور آسيا" التي تم تبنيها عام 2012، لتحمل إقراراً بأن منطقة آسيا والمحيط الهادئ قد تحولت لتكون المحرك الرئيسي للسياسة الدولية.

وقد ألقت أزمة "كورونا" بظلالها على أولويات الأمن القومي الأمريكي، فانزاحت أعمقُ الجهود الأمريكية نحو البحث عن سبل لاحتواء تفشي الفيروس، وتراجعَ الاهتمامُ بالسياسة الخارجية كثيراً. ونظراً لأن تبعات أزمة "كورونا" ستقود إلى "أزمة ما بعد كورونا" التي يراها بعضُ الخبراء بأنها ستكون أعقد وأطول؛ فإن الدولة الأمريكية ستُسخّر جهودها نحو الداخل الأمريكي، وستحاول الدبلوماسية الأمريكية التعامل مع العلاقات الدولية في مرحلة "ما بعد كورونا" بنوعٍ من الصلابة، وستُمارس نوعاً من إعادة التقييم للملفات التي تنخرط فيها، وقد تتوصلُ الدولة الأمريكية العميقة إلى قناعة راسخة بوجوب الهيمنة على منطقة الشرق الأقصى الذي تتنافس فيه كلٌّ من: الولايات المتحدة والصين وبعض النمور الاقتصادية الصاعدة.

وهنا تُثار تساؤلاتٌ حول مستقبل النفوذ الأمريكي في المنطقة؛ لعلّ من أبرزها: هل تريدُ الولايات المتحدة فعلاً الحفاظ على حالة "Status Que" فيما يتعلق بنفوذها الشرق أوسطي؟ وفي ظلّ انخفاض أسعارالنفط وتحوّل الولايات المتحدة لمنتج للطاقة من خلال صناعة النفط الصخري؛فكيف قد تتغير أولويات الأمن القومي الأمريكي ذات الصلة بالشرق الأوسط؟

ويبقى الثابتُ المُقلق في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط هو أنه عندما تُوضع الأمورُ على المحكّ؛ تقوم الولايات المتحدة أحياناً بتضليل حلفائها، أو أنها لا تسندُهم مثلما كان متوقعاً، فمثلاً تلا التدخلَ الأمريكي في العراق عام 2003، تغلغلٌ للنفوذ الإيراني في "العراق الجديد"، وتناميٌ لحضور إيران الإقليمي، بالرغم من أن هناك دولاً خليجية تحمّلت جزءاً من تمويل الحرب وساهمت لوجستياً في العمليات الدائرة.

ويتضحُ ممّا سبق أن واشنطن لا تمتلكُ الرغبة و/أو القدرة على رسْم طبيعة التفاعلات الشرق أوسطية، ففي إقليم لم تنضُج بنية أنظمته السياسية بعد، يُعبّر قرار السياسة الخارجية في كثير من هذه الدول عادةً عن توجهات شخصية وليس عن رؤية مؤسسية، لذا تستمرُّ النزاعات ويتعذّرُ التوصلُّ إلى حل توافقي وذلك بسبب تمسُّك المرجعيات ذات الصلة بوجهة نظرها. ولو كانت منظومةُ صناعة القرار في دول الإقليم تتّبع معاييرَ موضوعية، لتمَّ بناء أسس من الحوار البنّاء لحلّ ما يستجدُّ من خلافات، تماماً كما هو الحال في علاقة واشنطن مع الاتحاد الأوروبي، أو في العلاقات الأوروبية البينية.

لذلك تواصلُ الولايات المتحدة اللعب على توازنات غير مكتملة، ترجّحُ كفّة وتضبط أخرى، وبذلك تُديم حالة التوتر المزمن (إدارة الصراع لا حله) التي تسمح لها بتوظيف الفوضى لصالحها، فحالة عدم الاستقرار هي واقعٌ شبهُ حتميّ. وتدركُ أدواتُ تنفيذ السياسة الأمريكية جيداً أن التعريف الأكثرَ واقعية في تعريفات السياسة هو "السياسة: فن الممكن".

وعليه؛ يبدو أن الحفاظَ على وجود "فزّاعة" هو ضرورةٌ حيويةٌ لديمومة النفوذ الأمريكي في المنطقة، وهو ما يتطلبُ نوعاً من "عدم اليقين" والذي يراه البعض أحياناً قصوراً أمريكياً، ولكن السياسة الأمريكية ليست سياسة مترددة، بل مدروسة بإتقان للحفاظ على هامش حر من الحركة للقرار الأمريكي في المنطقة، فما يبدو أنه تردّدٌ قد يكونُ وسيلةَ ضغطٍ لانتزاع مزيدٍ من المكاسب والتنازلات من الدول الصديقة، والشواهدُ على التردّد الأمريكي تجاه الأحداث الشرق أوسطية كثيرة، منها إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عدّة مرات عن سحب قواته من شرق سوريا، وذلك قبل أن يصحّح أحدُ كبار مسؤولي إدارته الموقف ويُعلن بعد أيام أنه لن يكون هناك انسحابٌ نهائيٌ بل سيتم العمل على إعادة التموضع وخفض أعداد القوات الأمريكية هناك. وتمارسُ الإدارةُ الأمريكية الآن نفسَ الغموض المتقن فيما يتعلق بمستقبل قواعدها العسكرية في العراق، فبالرغم من التصريحات الأمريكية بانسحابٍ عسكري مرتقب، إلا أنه من المستبعَد مجازفة المَجْمَع الاستخباري الأمريكي بترك الساحة العراقية في ضوء المعادلة العراقية والإقليمية الراهنة.

وبغضّ النظر عن التوازنات الدولية والإقليمية؛ فإنهُ يُمكن القول بأن إقليم الشرق الأوسط لم يخضع للسيطرة الأمريكية، فكثيرٌ من الأحداث داهمت الحسابات الأمريكية، كما أن أزمات المنطقة لم تُحَلّ بل تمَّ العمل على إدارتها وإدامتها وتركها معلّقة دون نتيجة نهائية. ويبدو أن "عقيدة الصدمة" هي وسيلةُ واشنطن الوحيدة للحفاظ على ما حققته في الإقليم - هذا إن كانت جادّة في هذا الحفاظ - وذلك من خلال اتخاذ إجراءات استثنائية وفرضها بذريعة مواجهة الظروف الطارئة المتجددة.

أما مَن يفترض وجود "قيادة" لدفّة الأحداث الشرق أوسطية، فعليه أن يقرأ شواهدَ التاريخ ويدرس تناقضات المنطقة الأيديولوجية، ولكن ذلك لا يعني أن واشنطن غير قادرة على تأمين مصالحها، فهي دائماً ما تُعيد تذكير كل الأطراف إقليمياً ودولياً بأنها صاحبة اليد العليا، وبأنها تمتلكُ الأدوات اللازمة لضبط كفّة التوازنات. وإن اغتيال قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، ليس ببعيد، وكذلك مقتل منتسبين روس - قدّرتهم صحيفة "The New York Times" بالعشرات في حين اعترفت موسكو بمقتل خمسة فقط - لشركة فاغنر الأمنية في دير الزور في فبراير 2018 ليس ببعيد أيضاً، إذ تعاملَ الجيشُ الأمريكي بالقوة المناسبة مع مجموعة مسلّحة اقتربت من مصالح أمريكية، تتمثل بالنفط وتشكيلٍ كردي حليف.

وخلاصةُ القول؛ سيظلُّ الشرقُ الأوسط هو الساحةُ المفضّلة لتسوية نزاعات القوى الكبرى، وميدانُ التفاعلات الدولية الأخطر؛ فهو بذلك "باروميتر" النفوذ الدولي، رغم أن الدول الشرق أوسطية تُساهم بتأثيرٍ محدودٍ في صياغة السياسة الدولية الناظمة. وهو ما يدفعُ بضرورة بروز تحالف - أو تفاهم - إقليمي عابر للخلافات لتنسيق رؤية شبه موحدة من شأنها أن تُراعي أولويات المنطقة، فبدلاً من تقييم مدى قُدرة هذه الدولة أو تلك على قيادة دفة المنطقة، فإنه من الأفضل صناعة "سيادة إقليمية" تُلبي احتياجات سكان المنطقة، وتتواصل مع القوى الكبرى في إطارٍ من الاحترام المتبادل.

وهذا ليس تنظيراً أجْوَفاً، وإنمّا رؤية تحتاج إلى إرادة لتذليل كُلّ الصعاب التي تحول دون بلورة موقف إقليمي متّسق. ففي ظل أزمة "كورونا" وما سيتبعُها من تغيرات في العلاقات الدولية؛ لا توجدُ قوةٌ راغبة في تحمّل الكلفة العالية لضبط مسار أحداث الإقليم المتشعبة. فحتى واشنطن تتملْمل من إقليم غير مستقر، وتسعى إلى الانسحاب التدريجي منه، ولكن دون إحداث فراغ يستطيع منافسوها – روسيا والصين – استغلاله.

حسن إسميك

رئيس مجلس أمناء STRATEGIECS