مخاوف صادرة عن الاقتصاد الأمريكي

في ظل عدم وجود أفق ملموس لانتهاء الأزمة الصحية وما يرتبط بها من آثار اقتصادية واجتماعية سلبية، كيف يبدو مشهد الاقتصاد الأمريكي بعد عام 2020؟

الكاتب ستراتيجكس
  • الناشر – STRATEGIECS
  • تاريخ النشر – ٠٧‏/٠٢‏/٢٠٢١

الخوف من المشاركة في الأنشطة الاقتصادية، هو التهديد المركزي لعالم "ما بعد كورونا"، ذلك لأن خطر الفيروس وسلالاته المستجدة ما زال ماثلاً على الرغم من الاستمرار في استحداث اللقاحات والبدء بتوزيعها على المواطنين، إلى جانب عدم وجود ثقة ببدء التعافي الاقتصادي من المنظور الكلي، ما يدفع المستثمرين إلى التخوف من توظيف أموالهم في مشاريع جديدة.

إن عودة عجلة الاقتصاد إلى الدوران للخروج من الأزمة الحالية ليست مرهونة فقط برغبة الفاعلين الاقتصاديين (أفراد ومؤسسات)، وإنما بالحفاظ على ما هو موجود بالأصل من سير العمليات الاقتصادية وعدم حدوث موجات من الإفلاس أو انخفاض القوى الشرائية إلى الحد الذي يمكن عنده أن تتأثر العملية الإنتاجية وصولاً إلى الكساد وتوقُّف عمل الاقتصاد، من هنا تعمل السلطات الحكومية من خلال التنسيق مع البنك المركزي في البلد المعني بالاتفاق على استحداث آليات إجرائية للتخفيف من حدة التداعيات الناتجة عن سياسات احتواء فيروس كورونا الذي غيَّر واقع الاقتصاد العالمي بشكل نوعي.

ولدى الاطلاع على الأثر الاقتصادي للجائحة الصحية بهدف تحقيق درجة معينة من الفهم لما حدث وللمتغيرات الجارية حتى الآن، لا بد من التوجه إلى دراسة سلوك الاقتصاديات المركزية في العالم من حيث الإجراءات التي اتُخذت من أجل مواجهة الجائحة. ومن البديهي هنا أن يأتي على رأس هذه الاقتصاديات الاقتصاد الأمريكي الذي عدا كونه الاقتصاد الأكبر في العالم من حيث القيمة الإسمية، فهو يمتلك الدولار الذي يُعتبر عملة الاحتياطيات الدولية، ووسيلة الدفع الدولية الأكثر شيوعاً في العمليات التجارية.

آثار الاستجابة

انكمش الناتج المحلي الإجمالي الفعلي في الولايات المتحدة بواقع 3.5٪ خلال عام 2020 مقارنة بنمو بلغ 2.2٪ في عام 2019 بحسب بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي "BEA"، وقد تم اعتبار ذلك الانكماشَ الأكبرَ منذ الحرب العالمية الثانية، كما بلغ معدل البطالة حتى ديسمبر الماضي  6.7٪ بعد أن كان قد قارب 15٪ في أبريل من نفس العام؛ وهذا المؤشر بالذات يأخذنا إلى معضلة القروض التعليمية عالية المخاطر والتي تبلغ قيمتها أكثر من 450 مليار دولار، إلا أن هذا ليس موضوعنا في هذا المقال، بالإضافة إلى مؤشرات سلبية أخرى مثل 27 تريليون دولار ديْن عام مع نهاية السنة المالية سبتمبر 2020، و3.1 تريليون دولار عجز مالي في الموازنة.

هذا الواقع المدفوع بانخفاض الاستهلاك والاستثمار ترافق مع التوسع في الإنفاق الحكومي الذي تمثل بحزم تحفيزية كانت محط تجاذبات وسجال بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، حيث أقر الكونغرس الأمريكي حزمتي مساعدة بقيمة 2.3 تريليون في مارس 2020 وأخرى بقيمة 900 مليار في ديسمبر من نفس العام.

وبدأ الرئيس الجديد، جو بايدن، فترته الرئاسية بالسعي إلى إقرار حزمة بـ 1.9 تريليون دولار لمواصلة دعم الحكومات المحلية وتوفير اللقاحات والاستمرار في إعانات البطالة والدعم المباشر للمواطنين وغير ذلك، إلا أن هذه الخطوة هي موضع خلاف كسابقاتها، ذلك لأن الجمهوريين في الكونغرس يرون أن القيمة الكبيرة جداً لحزم التحفيز ستُفاقم من عجز الموازنة والديْن العام؛ ما من شأنه أن يؤدي إلى تعميق الأزمة الاقتصادية، لكن وفي نفس الوقت؛ فإن التأخر في إقرار الحزمة سيؤدي إلى آثار سلبية، حيث إن الأسواق المالية تنتظر إقرارها من أجل تحقيق القليل من الانتعاش، وهذا ما تعتقده أيضاً وزيرة الخزانة الأمريكية، جانيت يلين، إذ اعتبرت أن تكلفة التأخر عن هذا الإقرار ستكون باهظة.

إن الخلاف بين الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة لا يقتصر فقط على قيمة حزم الإنقاذ (أو التحفيز)، وإنما على جوانب أخرى تتعلق في كيفية الاستجابة والتصدي لآثار الجائحة، فعلى سبيل المثال يعارض الجمهوريون رغبة بايدن في رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولاراً في الساعة، لأن ذلك سيؤدي إلى إفلاس العديد من المؤسسات والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتسعى إدارة بايدن إلى الحصول على موافقة الجمهوريين في الكونغرس على أي إجراءات اقتصادية تقوم باتخاذها للتعبير عن وحدة القرار الأمريكي في هذه المرحلة العصيبة على الأقل أمام الرأي العام الذي تشرذم بما يكفي جرّاء فترة حكم ترامب بما فيها المشاهد الدراماتيكية التي رافقت خروجه من البيت الأبيض، وبالتالي لن يكون من المناسب أن يتم إقرار الحزمة من قبل الأغلبية البسيطة للديمقراطيين في الكونغرس، لكن هذا لا ينفي إمكانية اللجوء إلى هذا السيناريو في حال عدم التوصل إلى اتفاق.

وتتضمن حزمة التحفيز المذكورة زيادةَ الضرائب على الأغنياء، وتوجيه الدعم لذوي الدخل المتوسط والمحدود، وهذا لا يعني أن بايدن انتهج سياسة يسارية لكن ذلك هو بسبب وجود أزمة اقتصادية راهنة لا يمكن تجاهلها، وبالتالي يتم اللجوء إلى بعض التدابير والإجراءات التي تبدو للوهلة الأولى على أنها يسارية، لكن عدم اللجوء إليها من قبل السياسيين – الذين ليس بالضرورة أن يكونوا يساريين – قد يؤدي إلى تعقيد حل الأزمة الاقتصادية.

المثير للاستغراب أنه وعلى الرغم من حزم التحفيز التريليونية، ما يزال الاقتصاد الأمريكي في حالة من المعاناة، مع العلم أن الاحتياطي الفيدرالي لا يزال مستمراً في تثبيت سعر الفائدة في نطاق صفر-0.25٪ وهذا ما يؤدي بطبيعة الحال إلى هروب الودائع (الأموال) نحو الاستثمار في الأصول المجمدة مثل العقارات أو الأسهم والذي من الممكن أن يدفع بدوره إلى انتفاخ هذه الأصول على شكل فقاعة ومن ثم انفجارها، وهذا السيناريو يمكن وصفه بأن التيسير الكمي سيخلق فقاعة في سوق الأوراق المالية، وهذا عكس ما حدث في أزمة الرهن العقاري لعام 2008 والتي أنتجت سياسة التيسير الكمي بالأساس.

إن معدلات الفائدة المنخفضة من الممكن أن تحمي الاقتصاد من الإفلاس وأن تقلل من وطأة معدلات البطالة والفقر، لكنها ليست بالضرورة أن تحمي من الركود وهذا ما حصل بالفعل في الواقع الأمريكي وحتى في الياباني المشهور بانتهاج معدلات الفائدة الصفرية في تعامله مع الاقتصاد الكلي، وبعبارة أخرى فرضت حالة اللايقين الاقتصادي الناجمة عن الجائحة وانخفاض معدلات الفائدة إلى توجه الاستثمار نحو قطاعات غير إنتاجية من أبرزها سوق الأوراق المالية، وهذا ينذر بحالة من عدم الاستقرار الاقتصادي.

in-1.jpg-مخاوف-صادرة-عن-الاقتصاد-الامريكي.jpg

قام أستاذ الاقتصاد في جامعة "يال"، ستيفن روتش، والذي ترأس سابقاً إدارة "مورغان ستانلي" فرع آسيا، بنشر مقال في صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية في أكتوبر 2020؛ حيث تحدث فيه عن المخاوف من انهيار الدولار في سيناريو قد يفقد فيه هذا الأخير 35٪ من قيمته مع نهاية عام 2021، وذلك بناء على اعتقاد الكاتب بأن العملة الأمريكية هي أكثر عملة مبالغ في قيمتها في العالم ولكنها سوف تأخذ موضعها الحقيقي المحدد من قبل السوق في نهاية المطاف.

الكلام الذي يتحدث به روتش لا يعني وقوع كارثة اقتصادية واجتماعية بالنسبة للمجتمع الأمريكي فحسب، وإنما أيضاً للكثير من الدول والمجتمعات حول العالم نظراً للموقع الذي يحتله الدولار في الاحتياطيات النقدية العالمية، ويبدو أن المخاوف من انخفاض قيمة العملة الأمريكية تأتي من حجم الإنفاق الهائل الموجه من الدولة نحو الأفراد والشركات والذي هو قبل أي شيء إنفاق يغلب عليه الطابع الاستهلاكي على الإنتاجي، فقام الاحتياطي الفيدرالي بضخ مليارات من الدولارات لشراء السندات التي تطرحها الخزانة الأمريكية بعد معاودة شرائها من البنوك والشركات الأمريكية، ساعياً إلى تعزيز الطلب على السندات الأمريكية كملاذ آمن، إلى جانب توفير السيولة بفائدة ضئيلة جداً.

خطوة الفيدرالي هذه تهدف إلى عودة الاستقرار للأسواق المالية بالأخص في يونيو 2020، إلا أنها أدت إلى تأرجح قيمة الدولار على طول العام السابق وحتى مطلع العام الحالي في مقابل العملات الأخرى، وعدم سقوط الدولار بشكل كبير (حر) يُرجعه البعض إلى الثقة بالاقتصاد الأمريكي أي السمعة القوية لهذا الاقتصاد، لكن هذا العامل الأخير ليس بالشيء الثابت في ظروف الجائحة.

في ظل غلبة التوقعات المتشائمة – الرسمية وغير الرسمية – على نظيراتها المتفائلة لما سيكون عليه وضع الاقتصاد العالمي خلال عام 2021، لا يمكن التنبؤ بما ستؤول عليه الأمور في الاقتصاد الأكبر في العالم، لكن من المؤكد أن الأمور لن تكون مشابهة لما كانت عليه ما بعد عام 2008 وذلك لطبيعة الأزمة بحد ذاتها في المقام الأول، ولتعاظم قوة حلفاء واشنطن وخصومها بشكل عام.

 

 

 

ستراتيجكس

فريق تحليل السياسات