دور الأردن بقيادة الملك في تعزيز السلام في المنطقة

تقدم هذه الورقة إطلالة على أبرز العناوين والمحطات الخاصة بالدور الأردني بقياده جلالة الملك عبدالله الثاني، في تعزيز الاستقرار والعمل على بناء السلام في المنطقة، وتستعرض عددا من الملامح الرئيسية للوضع الأردني في الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وحركة السياسة الأردنية إقليميا ودوليا في ظل الأوضاع الراهنة في إطار الموقع الجيوستراتيجي للأردن وطبيعة التهديدات التي تواجهه، وكذلك، استشراف الممكن والمرجَّح في مستقبل الدور الأردني الناشط للإسهام في رسم معالم هذه المنطقة، واستمرار الأردن في كل الاتجاهات والاحتمالات فاعلا بارزا في دوره وسعيه من أجل منطقة مستقرة تفتح فيها الأبواب للسلام والبناء.

الكاتب ستراتيجكس
  • الناشر – STRATEGIECS
  • تاريخ النشر – ٢٢‏/١١‏/٢٠٢١

ملخص تنفيذي

تحاول ورقة السياسات هذه تقديم إطلالة على أبرز العناوين الخاصة بالدور الأردني في تعزيز الاستقرار والعمل على بناء السلام في المنطقة، حيث تستعرض عددا من الملامح الرئيسية للوضع الأردني، اجتماعيا-اقتصاديا وسياسيا، وحركة السياسة الأردنية في ظل الأوضاع الراهنة في إطار الموقع الجيوستراتيجي للأردن وطبيعة التهديدات التي تواجهه، ومع تغيرات كان من أبرزها وصول الرئيس الأميركي جو بايدن إلى الرئاسة الأميركية، وبوادر عدد من مؤشرات الإنفراج في المنطقة.

ويبدو أنه مع بعض التغيّرات، وتراجع حدة الصراعات في الأزمة السورية، وانبثاق آفاق تعاون إقليمي، يبرز جهد أردني فاعل في التحرّك تجاه إعادة تحفيز العلاقات الاردنية السورية، وصولا إلى مشروعات ملموسة وآفاق يمكن سَبرها في جدول العمل الأردني، بالتعاون مع عدد من الأطراف؛ إقليميا ودوليا. وتحاول هذه الورقة البحثية، كذلك، استشراف الممكن والمرجَّح في مستقبل الدور الأردني الناشط للإسهام في رسم معالم هذه المنطقة، بما يُؤمل أن يسهم في تعزيز أمنها واستقرارها، وفي بناء أسس أقوى لمستقبل سلام عادل ورحب.

السياق المحلي والإقليمي

تمتاز المملكة الأردنية الهاشمية بموقع جغرافي مركزي، وهو موقع خدمها بما له من مزايا، مثلما فرض عليها تحديات داخلية وخارجية، أيضا. وكثيرا ما تنعكس أحوال الجوار على الأردن، خاصة عندما يتعرّض لارتدادات الاضطرابات الإقليمية، والتي تؤثر فيه أمنيا وسياسيا واقتصاديا. وقد كانت أحداث ما يُعرف بـٍ "الربيع العربي"، والتي استطاع الأردن أن يعبرها بأمان، فرصة لإعادة تقييم الأوضاع في الداخل الأردني، بما ينسجم مع التحديات التي فُرضت على المنطقة. 

ويمكن القول، ومع دخول الدولة الأردنية هذا العام المئوية الثانية لتأسيسها، بقي الاستقرار من السِمات البارزة للوضع في الأردن، وهو من المزايا التي ساعدت الدولة على ممارسة سياسة خارجية أكثر فاعلية لتحقيق أهدافها، وأعطت الأردن صورة جيدة وفاعلة وقوية في الخارج. وفي كلّ ذلك، كانت للمحددات الشخصية للقيادة السياسية الأردنية، وعلى رأسها جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، أهمية خاصة. فشخصية جلالة الملك والاحترام والتقدير اللذين يحظى بهما عبر العالم، يسهمان في تعزيز دور الأردن ومكانته وحضوره وقدرته على التأثير في الأحداث. 

in-2-(3).jpg-دور-الأردن-بقيادة-الملك-في-تعزيز-الاستقرار-والسلام-في-المنطقة.jpg

ومع الاستقرار، واجه الأردن في مسيرته الممتدة تحديات عديدة، ولكنه تجاوزها باقتدار، وكان من أبرزها حديثا، "قضية الفتنة"، التي تخطّاها الأردن، بحكمة جلالة الملك، حين قال: "اعتقد انه بالنسبة للأردن، لن يساعدنا توجيه أصابع الإتهام للآخرين، فهناك ما يكفي من تحديات في المنطقة، ونحن نحتاج للمضي إلى الأمام".

وفي مجالات السياسة الخارجية وتحدياتها، يدرك الأردن أن النظام الدولي قائم على تكتلات ومحاور سياسية وعسكرية، فصاغ علاقاته الدولية لحماية أمنه القومي، مستفيدًا من مكانته لتعزيز دوره على المستوى المحلي والإقليمي والدولي. والأردن يستوعب أن حجمه الصغير نسبيا، ومحدودية موارده الطبيعية، يحتّمان عليه الاستثمار في عناصر القوة والدور والمكانة غير التقليدية. والسياسة الأردنية تستند إلى موقع الأردن وشبكة مصالحه وعلاقاته، التي ترتكز على مبادئ تكرّست عبر تاريخ مديد. ويمكن القول إن للأردن من "القوة الناعمة" ما يفوق إلى حدّ بعيد "القوة الخشنة التقليدية" التي تتوافر لديه، وما يفوق كذلك الموارد المتاحة.

التصحيحات الاقتصادية والسياسية والإدارية حاجة ملحة  

يتمتّع الأردنيون بنسبة تعليم عالية جدا، وفئة شباب هي الأكبر عددا بين فئات المجتمع الأردني، ووفقًا لبيانات دائرة الإحصاءات العامة لعام 2018، فإن 21% من سكان الأردن هم من فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين (15-24) عاما. كما يمتاز الأردن بطاقات مبدعة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات خصوصا، ولديه قطاعات صناعية ذات مكانة وأسواق عبر العالم، وقطاع زراعي يمكن الاستثمار فيه وتنميته، إلاّ أن هناك تحديات داخلية كبيرة كذلك، أبرزها الوضع الاقتصادي الصعب الضاغط على حياة نسبة كبيرة من الأردنيين، والحاجة إلى تنفيذ إصلاحات سياسية وإدارية، بما يلبي الطموح لبناء ديمقراطية برلمانية تتسلم السلطة التنفيذية فيها حكومات منتَخَبة تقدّمها أحزاب تفوز بالأكثرية في الانتخابات على أساس برامجها، في دولة سيادة القانون.

وفي المشهد السكاني والاجتماعي-الاقتصادي الأردني، هناك صعوبات ضاغطة على الأردن. وقد وصل إجمالي عدد سكان المملكة مع نهاية سبتمبر من العام 2021 إلى حوالي 11 مليونا، حسب البيانات التي أعلنتها دائر الإحصاءات العامة. وإلى جانب الزيادة الطبيعية، يعود ارتفاع عدد السكان، إلى موجات الهجرات المتتالية التي شهدها الأردن، بما فيها الهجرة القسرية واللجوء. وفي عام 2019، جاءت جائحة "كوفيد-19"، لتمثل تحديًا كبيرا للاقتصاد الأردني، الذي يواجه في الأصل ظروفا صعبة، من عناوينها تدنّي الناتج المحلي الإجمالي، وأدت الجائحة الى تفاقم معدلات البطالة والفقر. ومن الواضح أن مشكلة البطالة هي في الواقع أبرز التحديات التي تواجه الأردن. وقد وصلت نسبة البطالة إلى نحو 24%، وإلى مستويات مقلقة للغاية في صفوف الشباب، إذ بلغت نحو 50% بين صفوفهم، هذا الى جانب ارتفاع متصاعد في الدين العام الداخلي والخارجي للدولة، كما أظهرت بيانات دائرة الإحصاءات العامة وبيانات البنك الدولي-المرصد الاقتصادي للأردن في ربيع العام 2021. 

وتتبيّن عناصر أخرى لهذه المشكلة، بالنظر إلى أن الاقتصاد الأردني كان يعتمد بشكل كبير على دول محيطة، منها العراق والخليج، كما كان يعتمد أيضا على التصدير من خلال سورية. ومع نتائج جائحة كورونا، والانكماش عام 2020، والنمو المتواضع في العام الحالي (2021)، يبدو أن التحدي الاقتصادي يبقى عنوانا محوريا لتحديات مركزية في المشهد الأردني لفترة غير قصيرة.   

وفي مواجهة هذه المشكلات، تكثفت جهود جلالة الملك ومختلف المؤسسات الأردنية المعنية لحشد ما أمكن من وسائل دعم الاقتصاد وتعزيز الاستثمار الذي ينعكس على الحضور الأردني إقليميا ودوليا، وكذلك تحقيق نتائج ذات أثر ملموس في تمكين المواطن الأردني من تحسين مستويات حياته، وتعزيز الاستقرار الداخلي في البلاد.

قضية اللجوء والضغط على الموارد

ولعلّ من المهم الإشارة إلى قضية اللجوء، في إطار ما يواجهه الأردن من صعوبات. فقد تلقى الأردن موجات متعاقبة من اللاجئين: الفلسطينيون من فلسطين التاريخية (1948)، ومن الضفة الغربية وقطاع غزة (منذ عام 1967)، ومن الكويت (1990-1991)، ومن العراق منذ تسعينيات القرن العشرين، والسوريون منذ عام 2011.  

واعتبارًا من أوائل عام 2016، بلغ عدد سكان المملكة من غير المواطنين 2.9 مليون، ويشمل ذلك أشخاصًا من جنسيات مختلفة، بما في ذلك المصريون، الذين يشكلون نسبة كبيرة من القوة العاملة، وحوالي 1.3 مليون لاجئ سوري، ليسوا جميعهم مسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وكون الأردن ثالث أكثر دولة استقبلت لاجئين سوريين بعد كل من تركيا ولبنان، يزيد الاهتمام الدولي، والأوروبي خصوصا، بالأردن، نظرا لدوره في استضافة اللاجئين على أرضه. ومع صعوبات أخرى تمثلت في حالة العوز المائي، والبطالة والفقر في صفوف الأردنيين، والضغوط على الخدمات، وضرورة توفير متطلبات العيش الكريم للّاجئين، ومواجهة التأثيرات على مقدرات الأردن المحدودة، والتي تبرز من بينها خصوصًا شحة الموارد المائية، حيث جفّت مياه عدة سدود، واضطر الأردن هذا العام، إلى شراء نحو 50 مليون متر مكعب من المياه من إسرائيل. وتتّضح حساسية هذه المسألة، بالنظر إلى أن الأردن من أفقر دول العالم بالمياه، وتمثّل قضية الأمن المائي واحدة من أهم المسائل التي يعمل الأردن على حلّها. كما أن المشكلات تعمقت أكثر أمام واقع عدم إيفاء المجتمع الدولي بما تعهّد به للأردن من مساعدات في مواجهة أزمات اللجوء.

المشهد السياسي الأردني ومستقبله

وفيما يخصّ المشهد الداخلي الأردني، أنهت اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية أعمالها، وما توصلت إليه اللجنة مطروح الآن أمام مجلس الأمة الأردني، بغرفتيه، مجلس الأعيان، ومجلس النوّاب، لإقرار ما يترتب عليها من قوانين (قوانين الانتخاب والأحزاب)، وتعديلات دستورية تتلاءم معها. ويُستخلص من توصيات اللجنة فيما يخصّ قانون الانتخاب المقتَرح، تخصيص نسبة للقوائم الحزبية الوطنية، وفق نظام القوائم المغلقة، تتزايد خلال ثلاث دورات انتخابية من 30% إلى 50% إلى 65% كحدّ أدنى من عدد مقاعد البرلمان، وبآليات تعزّز حضور الشباب والمرأة. والهدف هو، كما أعلنه جلالة الملك مرارا وتكرارا، الوصول إلى كتل برلمانية وأحزاب برامجية وبرلمان حزبي، وتشكيل حكومات بناء على ذلك، ببرامج محددة يمكن قياس مدى نجاح إنجازها، ليقول الناخبون كلمتهم في أصحابها، في صناديق الانتخاب. وهناك رهان كبير بأن تؤدّي هذه التحديثات إلى إحياء العمل السياسي والحزبي في الأردن. 

وهناك آفاق واقعية واعدة لهذا التحوّل، ولكن هناك أيضا قوى شدّ معاكس وعقبات وعوائق هامة، يأمل جلّ الأردنيين النجاح في تجاوزها. ويترافق ذلك مع مشروع قانون أكثر تقدما خاص بالأحزاب وتطوير عملها، دون معيقات. كما تبرز على سلم الأولويات مسائل الإصلاح الإداري، لإعادة الحيوية للجهاز الحكومي، وتخليصه من الشوائب التي أعاقت أداءه المرجوّ، تحقيقًا لما يتطلع له الأردن والأردنيون من بيئة متقدمة حاضنة للديمقراطية الأكثر نضوجا والتي تنعكس آثارها على صورة الأردن ودوره وحياة أبنائه أولا.  

القضية الفلسطينية ذات أولوية مطلقة للأردن 

يتضح جليًا أن الأردن، في سعيه من أجل تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، يضع سلم أولوياته في علاقاته الإقليمية والدولية انطلاقا من ثوابت عربية وإسلامية تكرّست عبر عقود. وما من شكّ في أن العلاقات الأردنية-الفلسطينية ذات أولوية لا جدال فيها، وسعي الأردن في هذا الشأن ذو أثر واضح في الوصول بالمنطقة إلى حالة من الاستقرار، الذي لا يمكن أن يتجسّد دون حلّ عادل للقضية الفلسطينية. وإلى جانب الموقف المبدئي المتمثل في مساندة الأردن لأشقائه الفلسطينيين، وهم الأقرب إلى الشعب الأردني في كل المقاييس، فإن الأردن يصرّ دوما على أن الأساس لحل الصراع يجب أن يستند إلى مقررات الشرعية الدولية وأن يقوم عليها، وأن قيام الدولة الفلسطينية على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية هو ثابت أساسي لا معنى بدونه لأي حلّ. ويضاف الى ذلك، الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس ذات أهمية وجدانية وتاريخية وسياسية، وهذه الوصاية تعني للدور الأردني والقيادة الهاشمية مسؤوليات إضافية، ولا تقبل أي مساومة.  

 وفي هذا السياق، شهدت علاقة الأردن بإسرائيل خلال ولاية نتنياهو في الأعوام من (2009 – 2021) كثيرا من الجفاء والتوتر والأزمات، ووصفها جلالة الملك حينذاك بأنها "في أسوأ حالاتها" بسبب الممارسات الإسرائيلية في الاعتداء على الفلسطينيين والتهويد والاستيطان والتي أصبحت من الثوابت في نهج الحكومات لديهم والتي واجهها الأردن بحزم. ومع أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة ذات طبيعية يمينية متطرفة أيضا، إلا أن كبح تطرّفها أصبح هدفا في حدّ ذاته، بانتظار تحولات، لا يبدو في الأفق القريب أن لها حظوظا في الإنبثاق. 

الأردن يقرأ المستجدات الإقليمية والدولية وينشط في تفاعلاتها

يمكن القول إن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن جاءت بمقاربات مختلفة عن مقاربات إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، حيث إن الموقف الأميركي تجاه عدد من القضايا المركزية في منطقة الشرق الأوسط شهدت تحوّلات هامة في هذه الفترة من عهد إدارة بايدن، وخاصة في الملف الفلسطيني-الإسرائيلي، وفي التعامل مع أطراف شرق أوسطية أخرى، ومنها قضايا الملف النووي الإيراني، والأزمة اليمنية، بالإضافة إلى علاقات مختلفة عن علاقات الإدارة السابقة مع أطراف مركزية في المنطقة، ومنها الأردن.  

ويبدو أن ما أسمته مجلة "فورين بوليسي" بـ "الاستقرار المفوّض" تجاه الشرق الأوسط، بدأ العمل، وعبره، تُمنح الدول المحلية إذنًا ضمنياً لمحاولة حلّ القضايا الإقليمية الحادة بنفسها، وبأقل قدر من التدخل الأمريكي، ويبدو أن الأردن كان من أبرز المفوّضين في هذا المجال نظرا لما يتمتع به من استقرار، كما بينت نتائج القمة التاريخية بين جلالة الملك والرئيس بايدن. 

in-1-(5).jpg-دور-الأردن-بقيادة-الملك-في-تعزيز-الاستقرار-والسلام-في-المنطقة.jpg

وفيما تبقى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أبرز الشركاء الدوليين للأردن، بعد الأشقاء في الدول العربية والإسلامية، كان واضحا حرص الأردن على علاقات وثيقة مع الأطراف الدولية الفاعلة في المشهد الدولي.  

وفي الواقع، يصعب حصر مساحات النشاط السياسي الأردني على الساحتين؛ الإقليمية والدولية، ولكن، وفي حدود المستجدات، ربّما يصحّ التقدير القائل إن القيادة الأردنية كانت ترقب باهتمام كبير أي فرص للخروج من الحالة المتردية التي عاشتها المنطقة خلال أزمات ما يُعرف بــ "الربيع العربي" وتبعاته وارتداداته التي لا تزال فاعلة حتى الآن. وكان التراجع في حدة الصراع على الساحة السورية، ومثلها في الساحة العراقية، ومناطق أخرى مثل ليبيا، محطّات مشجّعة باتجاه حلول لأزمات أثقلت كاهل المنطقة برمّتها. ومع إمكانية الانفراج في اليمن، ولو بعد حين، والتحسن في العلاقات العربية-العربية، وانتظار عودة سوريا إلى الجامعة العربية، والتفهم الأميركي الأفضل نسبيا لمآزق المنطقة، أصبح الطموح والعمل من أجل إعادة صياغة "حالة المنطقة" باتجاه أكثر استقرارا، على قدر أكبر من الواقعية. 

وحين يُضاف إلى كل ذلك انفراجات مرتقبة بين السعودية وإيران، وملامح دور تركي يتقارب مع عدد من "الخصوم" في المنطقة العربية، والنزوع المتعاظم نحو حلول سياسية لعدد من ملفات الأزمات، جاءت بعض المبادرات الاقتصادية العربية، والتي كان للأردن دور محوري فيها، لتضع لبنات واعدة لتعاون يضم أطرافًا مرشحة لاستقطاب أطراف عربية أخرى. وها هي مبادرة الشراكة الثلاثية المصرية-الأردنية-العراقية تخطو خطوات تنفيذية، ويمكن لسوريا ولبنان والسلطة الفلسطينية وأطراف أخرى الانضمام إليها مستقبلا. وبالرغم من عقبات الوضع اللبناني وتعقيداته، تسير الاستعدادات لعملية مدّ لبنان بالغاز المصري والكهرباء الأردنية قُدُما إلى الأمام. ولعلّ في كلّ هذه المقدّمات ما يسمح بافتراض تحوّل إيجابي كبير في المشهد العام لمنطقة الشرق الأوسط، وأمنها واستقراراها وتقدّمها، وللأردن دوره المركزي الهام في تطوّرات هذه المتغيرات، كما تشهد الوقائع. 

وتؤكد نتائج اللقاء بين جلالة الملك والرئيس الأميركي جو بايدن في يوليو الماضي مساحات جديدة للحركة السياسية الأردنية، وهي مساحات فاعلة راهنا، ومن المرجّح أن تتواصل في التأثير مستقبلا:

- فإلى جانب تعزيز الشراكة بين الأردن والولايات المتحدة الأميركية وتعزيز الدعم الأمريكي للأردن في مجالات اقتصادية متعددة، تبرز مسائل توسيع آفاق الشراكة الإستراتيجية، والتنسيق في العمل أمام التطورات الإقليمية والدولية، والقضية الفلسطينية. 

- ومن النتائج المباشرة، بعد مغادرة جو بايدن لمقاربات سلفه دونالد ترامب و"صفقة القرن"، إحياء المواقف الأميركية التقليدية الداعمة، ولو نظريا، لحل الدولتين، ولكن دون انخراط عملي عميق وكامل، وهو موقف يسعى الأردن إلى تطويره في اتجاه انخراط أميركي نشط وضاغط على الحكومة الإسرائيلية للعمل من أجل الوصول إلى حلّ للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، إلى جانب احترام دور الأردن الخاص كوصي على الأماكن المقدسة في القدس.

- وفي الملف السوري، يعمل الأردن بقبول أميركي "ضمني" على مداخل جديدة لمواجهة الأزمة السورية والعمل على حلّها. ومن المهم ربما تأكيد أن الموقف الأميركي من الأزمة السورية، ومعه موقف الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، يتلخّص في رفض التطبيع مع "النظام السوري" وفي رفض المشاركة في إعادة إعمار سوريا، ما لم تحصل عملية سياسية حقيقية. ولكن الجديد في الموقف الأمريكي، كما أفادت مصادر عديدة، هو عدم التهديد بفرض عقوبات جديدة، بمقتضى "قانون قيصر"، ضد الدول التي ترغب في إعادة العلاقات مع دمشق. وفي هذا السياق، تابعت السياسة الأردنية ايضا الانخراط الروسي العميق في ملفات الأزمة السورية، وفي محاربة القوى الإرهابية، والتوصل إلى اتفاقيات مناطق خفض التوتر، والحرص على وحدة سوريا.

- ويبدو أن من أهم الدوافع لهذا التحوّل، مساعدة الأردن ولبنان اقتصاديا، حيث يؤمّن انفتاحهما على سورية مصادر اقتصادية مهمة، ومثال مدّ لبنان بالكهرباء الأردنية والغاز المصري عبر سوريا شاهد هام على ذلك، بالإضافة إلى أن في ذلك "رسائل إيجابية" لكل من روسيا وإيران، قد تسهم في تيسير الوصول إلى تجاوز عقبات وفتح أبواب لحلول في ملفات تمثّل سوريا إحدى أهم ساحات الصراع فيها، الأمر الذي له انعكاسات هامة على الاستقرار في المنطقة بشكل عام.

غموض الاتجاهات اللاحقة لا يلغي معالمها 

واستنادا الى ما ذُكر، وفي الاتجاهات العامة، سيستمرّ الدور الأردني في السعي نحو شرق أوسط مستقر، بينما المنطقة تمر الآن، وفي مستقبل قريب ومتوسط ربما، في مرحلة انتقالية بين ما مرّت به من اضطراب وأزمات و "لا استقرار"، وبين مرحلة تتراجع فيها حدة الأزمات، وتتغلّب فيها محرّكات الدفع باتجاه الحلول محل تصعيد المشكلات والصراعات، وربما تتغلّب، إلى جانب ذلك أيضا، التحدّيات والمشكلات الاقتصادية على غيرها. 

وسيتعزّز الدور الأردني بالنجاح في الارتقاء بالحضور الأردني، مكانةً ودورًا وتقديرًا، إذا ما سارت المتغيرات في اتجاه محاصرة الأزمات، والاستعصاءات في المنطقة عموما. وفيما يُرجّح أن تتواصل الإنفراجات ، وليس دون عقبات بالطبع، على ساحات متعددة عبر الإقليم، فإن فرص تميّز الدور الأردني ستتزايد، ولكن أي انحدار نحو التأزيم، سيكون مكلفا للدور الأردني، الذي يبني توجهاته أساسا، على الإنفراج ، ويعمل من أجله. وينطبق هذا خصوصا على الساحات؛ الفلسطينية والسورية والعراقية. وهناك مؤشرات اقتصادية أخرى، إيجابية كذلك، حول فتح باب الصادرات الأردنية إلى المناطق الفلسطينية، عبر إنشاء منطقة تجارة حرّة أردنية فلسطينية، ولكن الأفق لحل سياسي للقضية الفلسطينية يبقى مسدودا وغامضا.

وداخليا، ومع الدخول في مرحلة إقرار قوانين تحديث المنظومة السياسية الأردنية وتنفيذ مراحلها، يمكن توقع تحسن في البيئة السياسية عموما، ولكن هذا، وغيره كثير، مرتبط بقوة بإمكانية تجاوز المرحلة الصعبة التي عنوانها الأبرز، المشكلات الاجتماعية-الاقتصادية، وفيها أولا: البطالة والفقر، وتبعات "كوفيد-19" فيهما بالغة الحدّة.  

ويمكن افتراض أن الطابع الغالب للحركة السياسية الأردنية في المراحل القادمة سيكون العمل على البنية الوطنية أولا، وهذا ما يسعى إليه جلالة الملك. فالإصلاح السياسي والخروج من الأزمة الاقتصادية هما العنوانان الأبرز، ونجاح الأردن في تحقيقهما سيعزّز من دوره الأعمّ، إقليميًّا ودوليا، وخاصة أن الأردن حقق نجاحات في بيئة آمنة يسود فيها الاستقرار، كما أظهر ذلك مؤشر "القانون والنظام العالمي" لعام 2021، حسب مؤسسة "غالوب" الدولية للدراسات والأبحاث الأمنية المختصة برصد مستوى الشعور بالأمان، والثقة بأجهزة الأمن، وسيادة القانون، حيث واصل الأردن تقدمه الكبير ليحل الثاني عربيا والسادس عشر دوليا على هذا المؤشر محققًا قفزة كبيرة تفوق فيها على دول مثل السويد، وألمانيا، والولايات المتحدة. وفي سياق آخر أيضا حل الأردن بالمركز السابع عربيا، و49 عالميا في مؤشر الامن الغذائي العالمي لعام 2021، الصادر من مجلة "الإيكونيميست"، وهذه بلا شك مجتمعة مع غيرها مؤشرات ملموسة في مضي الأردن قدما في محاولة التغلب على مشاكله الداخلية، لإيجاد موطئ قدم فاعل في الإقليم.  

استنادا إلى ما ذكر، هناك مكان واقعي للتفاؤل. لا سيما، في ظل الجهود الملكية والمؤسسات الأردنية لاستثمار الفرص والتغلب على التحديات. ولا شك، تبقى العقبات والمعوّقات حاضرة، ولها مكانها كذلك. الا أنه وفي المجمل، فإن البيئة الدولية والإقليمية أفضل ممّا كانت عليه قبل عام من الآن، وسوف تسعى للتعافي من الأزمات التي لحقت بها خلال السنوات السابقة. وسيستمر الأردن في كل الاتجاهات والاحتمالات فاعلا بارزا في دوره وسعيه من أجل منطقة مستقرة تنفتح فيه الأبواب للسلام والبناء. 

 

 

 

ستراتيجكس

فريق تحليل السياسات