ألعاب العقل: القتال المتقدم في الحرب المعلوماتية
في الوقت الذي تضّخ فيه روسيا والصين موارد كبيرة في الدعاية بهدف تشكيل ساحة المعركة المستقبلية، لم تبذل الولايات المتحدة وحلفاؤها أي محاولة مماثلة للقيام بالأمر نفسه.
الكاتب مايكل ميكلاوسيتش
- الناشر – The National Interest
- تاريخ النشر – ١٢/٠٣/٢٠٢٦
ملاحظة المحرر: تمت ترجمة وتحرير هذه الورقة المنشورة في مجلة The National Interest بتاريخ 27 فبراير، من قبل فريق معهد ستراتيجيكس.
تدور رحى الحرب العالمية الثالثة بالفعل، والغرب يخسرها ولا سيما الولايات المتحدة التي تمتلك القدر الأكبر من المصالح المعرضة للخطر. بل إنه يخسرها بشكل فادح. وبالطبع، فإن الحرب العالمية الثالثة لم تدخل بعد حيز الحرب التقليدية. فهذه الحرب تدور في المجال المعرفي الذي تتشكل فيه تصوراتنا عن المخاطر والتهديدات ومواطن الضعف والفرص. وفي العقيدة العسكرية للولايات المتحدة يُشار إلى هذا المجال بمرحلتين: "المرحلة صفر" (تهيئة الظروف المواتية) و"المرحلة الأولى" (ردع أي استجابة غربية). وقد أسهم غياب الردّ الأمريكي الحاسم في تشجيع الأنشطة العدائية لكلٍّ من روسيا والصين؛ إذ باتتا تستغلّان أوجه عدم التماثل وخطوط الصدع بين الولايات المتحدة وحلفائها، مع الحرص على البقاء دون عتبة الردّ المباشر، والتقدّم تدريجيًا نحو تحقيق أهدافهما الاستراتيجية. ويتمثّل الهدف النهائي في تحقيق تفوّق استراتيجي عبر تفكيك شبكة تحالفات الولايات المتحدة. وإذا استمر المسار الحالي على حاله، فمن المرجّح أن تنجحا في ذلك، في ظلّ غياب ردّ غربي مماثل أو رادع.
كيف تستخدم روسيا والصين الحرب المعلوماتية؟
وهُنا يبرز تساؤل محوري: كيف يمكن للحرب المعلوماتية أن تكسب الحروب؟ يحدث ذلك من خلال تشكيل ساحة المعركة ذهنيًا، بحيث يتم دفع قادة الدول وشرائح من السكان إلى التعاطف مع الأهداف الاستراتيجية لخصومنا، بل وربما إعادة مواءمة مواقفهم معها. على سبيل المثال: تستعدّ الصين لغزو تايوان، غير أنّ هذه المهمة ستصبح أسهل بكثير إذا استطاعت أولًا إقناع قادة العالم بأن تايوان كانت دائمًا، ويجب أن تبقى دائمًا، جزءًا لا يتجزأ من الصين، وأن أي اعتراض على مبدأ "الصين الواحدة" يُعدّ في حدّ ذاته تهديدًا للسلم.
ومن خلال إقناع جزء كبير من العالم بتبنّي هذا التصور، نجح الحزب الشيوعي الصيني في تشكيل ساحة المعركة المعرفية على نحو يُمهّد لتقبّل حتمية وشرعية ضمّ تايوان إلى جمهورية الصين الشعبية، وهو الهدف الجيوسياسي الرئيس للحزب.
يفعل الكرملين الشيء نفسه في أوروبا الشرقية، إذ يعمل على إغراق ساحة المعركة المعرفية بادعاءات السيادة التاريخية على أوكرانيا، وإنكار الحقيقة لوجود هوية أوكرانية مستقلة، وإلقاء اللوم على أوكرانيا في إشعال الحرب، واتهام حلف شمال الأطلسي بالسعي إلى تطويق روسيا والتعدّي على مجال نفوذها المشروع.
وقد نجحت هذه التكتيكات بالفعل في تغيير المواقف داخل الولايات المتحدة، كما يتضح من تراجع مستوى الدعم الأمريكي لأوكرانيا منذ اندلاع الحرب، رغم بقاء الحقائق الموضوعية المتعلقة بالغزو الروسي غير المبرَّر دون تغيير. واليوم يمكن سماع الحجج التي يروج لها الكرملين على ألسنة المتعاطفين مع روسيا بين صانعي السياسات الأمريكيين وأعضاء في الكونغرس. وهكذا يُقاس الانتصار في الحرب المعلوماتية.
لماذا تُعدّ الدول الديمقراطية أكثر قابلية للتأثر بحرب المعلومات؟
نعيش اليوم في مجتمعات تُعدّ إلى حدٍّ كبير فضاءات مفتوحة لتدفّق المعلومات، كما أنّ ثقافتنا السياسية بطبيعتها تميل إلى مقاومة فرض القيود على المعلومات، حتى وإن كانت هذه المعلومات خاطئة أو مضلِّلة. ولذلك يسهل على خصومنا —وبتكلفة منخفضة— اختراق ساحة المعركة المعرفية لدينا وتلويثها وإغراقها بالمعلومات المضلِّلة والمغلوطة والدعاية الخادعة.
تُعدّ روسيا من أبرز الدول المتمرسة فيا مجال الحرب المعلوماتية، إذ صقلت مهاراتها على مدى عقود إبّان الحقبة السوفييتية، كما تتحول الصين بسرعة إلى قوة بارعة في هذا المجال، وإلى جانب حملتها الرامية إلى ضمّ تايوان، أصبحت شعارات من قبيل "المصير المشترك للبشرية جمعاء"، و"علاقات المنفعة المتبادلة"، و"الشريك الموثوق"، و"نظام دولي متعدد الأقطاب أكثر عدلًا وإنصافًا"، و"الأغلبية العالمية"، عناصر ثابتة في الخطاب الجيوسياسي عبر بلدان الجنوب العالمي.
إنّ التقدّم المتزايد للصين في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب استحواذها على كميات هائلة من البيانات المُستقاة من طيف واسع من المصادر المشروعة وغير المشروعة، بما يوفّر لما يمكن وصفه "بـالمحاربين المعرفيين" الصينيين معلومات كافية لاستهداف أفراد محددين بدقة داخل الولايات المتحدة والدول الحليفة.
وقد باتوا يمتلكون التكنولوجيا والبيانات اللازمة لبناء ملفات شخصية شديدة التفصيل، تتيح تنفيذ حملات تأثير عالية التخصص داخل أروقة السلطة الأمريكية، ووفقًا لبريت بينسون (Brett Benson) وبريت غولدستين (Brett Goldstein) من جامعة فاندربيلت في الولايات المتحدة، فقد قامت شركة صينية بجمع "ملفات بيانات مفصلة لما لا يقل عن 117 عضوًا في الكونغرس الأمريكي وأكثر من ألفي شخصية سياسية وقائد رأي أمريكي". ويحذّر بينسون وغولدستين من أن ذلك قد يفضي إلى "حرب معلوماتية يتم تنفيذها على نطاق وسرعة ومستوى من التعقيد لم يشهدها العالم من قبل".

لماذا لا تستخدم الحرب المعلوماتية في الدول الديمقراطية كجبهة مستقلة؟
توجد عدة تفسيرات لضعف أداء الدول الديمقراطية في مجال الحرب المعرفية. ومن أبرزها فهمنا الحرفي والثنائي لمفهوم الحرب، مع ميلٍ واضح إلى التركيز على العمليات العسكرية التقليدية، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى التقليل من شأن الحرب المعلوماتية أو تجاهلها، ويمكن مقارنة تركيز وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث على مفهوم "الفتك العسكري"، بالحكمة القديمة لسون تزو، الذي قال فيها: "إن أسمى فنون الحرب هو إخضاع العدو دون قتال".
في الواقع، وعلى الرغم من وجود أدلة قوية، لا تزال العقلية الغربية تشكك بشكل كبير في فعالية الحرب المعلوماتية. كما يبدي القادة السياسيون والعسكريون تحفّظات أخلاقية تجاه استخدامها، إذ يجادل كثيرون بأن الالتزام الصارم بالوسائل "النبيلة" و"بـالحقيقة" وحدهما ينبغي أن يضمن لنا تحقيق النصر.
إلا أنّ ما تكشفه الوقائع على الأرض لا يؤيد هذا التصوّر؛ فكثيرًا ما تضيع الفضيلة والحقيقة في ساحة المعركة المعرفية. وإلى جانب ذلك، نعاني من عائقٍ آخر يتمثل في الخوف المستمر من التصعيد، إذ يُصيبنا نوع من الجمود نتيجة القلق من أن تؤدي الحرب المعلوماتية، من غير قصد، إلى اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة.
حتى الآن، ظلّ الردّ الغربي على هجمات الحرب المعلوماتية في معظمه في حيز رد الفعل وليس هجوميًا، ونادرًا ما كان فعّالًا. حيث النقاشات الغربية حول حرب المعلومات تركز أساسًا على الكشف عن هذه الهجمات، وفضحها، وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهتها، وبالرغم من أن هذه الإجراءات ضرورية، لكنها بعيدة كل البعد عن أن تكون كافية لردع روسيا أو الصين عن مواصلة شنّ حرب المعلومات ضدنا. كما أنّ استراتيجية الردع عبر المنع لا تنجح في هذا السياق، لأن التكاليف التي يتحمّلها خصومنا في تنفيذ هذه الحملات منخفضة جداً؛ فإذا فشلت محاولة ما، يمكنهم بسهولة إعادة توجيه جهودهم إلى مواضع أخرى داخل المجال المعرفي.
كيف يمكن للغرب أن يردّ؟
لكي يتمكن الغرب من المنافسة بفاعلية في مواجهة خصوم عنيدين وذوي مهارة مثل روسيا والصين، يتعيّن على القادة السياسيين والعسكريين في الولايات المتحدة والدول الحليفة والشريكة وأن يدركوا أن إرادة القاتل تعد من أهم الاشياء في الحرب المعرفية، فمن دونها لن يحقق أي سلاح أو تكنولوجيا، مهما بلغت درجة فتكها النصر.
بعد ذلك، من المهم فهم أنه لا يمكن كسب أي صراع عبر الدفاع وحده، بل يجب تطوير مجموعة من أدوات الحرب المعلوماتية التي تكون قادرة على إلحاق ضرر كبير وملموس بخصومنا، ومن شأن وجود تهديد حقيقي وموثوق على الخصوم، أن يُعزز من فعالية ردعهم.
يجب أن نتعلّم نقل الحرب المعلوماتية وخوضها داخل ساحة المعركة المعرفية الخاصة بالخصم. واستنادًا إلى مبادرات قيادة الفضاء السيبراني الأمريكية "الدفاع المتقدّم" و"المطاردة المتقدّمة"، المصمَّمتين لدفع حدود الحرب السيبرانية إلى الخارج، فإنه ينبغي تطوير نهج "القتال المتقدّم" في الحرب المعلوماتية، بحيث يتم وضع خصومنا في موقع دفاعي. وإلى جانب إظهار القدرة والإرادة على إلحاق ضرر كبير بهم، فإن استراتيجية "القتال المتقدّم" تنقل عبء الدفاع إلى عاتق الخصم.
ولتعظيم مصالحنا الجيوسياسية وحمايتها، يمكن توجيه جهودنا في حرب المعلومات لتستهدف مُواطني خصومنا. وينبغي أن تسعى عملياتنا إلى تشجيعهم على التشكيك في قياداتهم السياسية وإثارة الشكوك حول شرعيتها وأولوياتها. كما ينبغي أن تُحدث هذه العمليات قدرًا من الانقسام والارتباك والتوتر داخل مجتمعاتهم.
ومن المهم أيضًا أن تُوجَّه جهود "القتال المتقدّم" إلى الأفراد العسكريين في دول الخصم، إذ يُعدّون في كثير من الأحيان أهدافًا قابلة للتأثر؛ فإذا فقدوا الإرادة في القتال، يمكن تجنّب الحرب. وقد كان هذا، جزئيًا، أحد الأساليب التي مكّنتنا من الانتصار في الحرب الباردة.
وأخيرًا، ما لم يتعرّض خصومنا لضرر كبير وغير مقبول، فلن يكون لديهم أي دافع لوقف هجماتهم في إطار الحرب المعلوماتية، وستستمر هذه الهجمات. وحده الردّ العقابي الذي تفرضه استراتيجية "القتال المتقدّم" كفيلٌ بإقناعهم بأن المكاسب المحتملة من حرب المعلومات —على الرغم من أهميتها— تفوقها كلفة أكبر بكثير.

مايكل ميكلاوسيتش
زميل أول في مركز الحرب غير النظامية (IWC) التابع لجامعة الدفاع الوطني، ورئيس التحرير السابق لمجلة جامعة الدفاع الوطني في مجال العمليات المعقدة PRISM